أكذوبة وطن!

08 نوفمبر 2019
المحطّة الوحيدة المتعبة التي كان لها تأثيرها المباشر على العلاقة الحميمية التي جمعتني مع كل من علي وحسين وفهد، وهم في طريقهم إلى حيث يعيش عيسى الذي عانى الكثير نتيجة الحرب الضروس التي حصدت بيته وما يملك، لم تبق ولم تَذر، أما أولاد عمومته، وبقية أفراد أسرته فكانوا يُحبونه بشغف ويأملون له عيشاً كريماً بعيداً عن الرحيل بعدما تحولت حياته إلى سوداوية بغيضة! كما وتبادر إلى ذهن خلف وفواز وجابر وعمر وعبد العزيز من أن يغادروا قريتهم فارّين بجلدهم قبل أن تفعل الحرب فعلتها، وتختصر كل شيء في حياتهم، هكذا وببساطة.

إنها حالة من الدمار والفزع الذي نسف كل شيء، وبلمح البصر، في المدينة التي تعود إليها قريتهم، كديران، القريبة منها، وأنهت معها حياة ورغبات وأحلام الكثير من الشباب الطامح إلى الهجرة والسفر، الذي كان يوماً حلماً بعيد المنال بدلاً من اللجوء الذي اضطر إليه أغلب الشباب إلى دول عربية وأخرى تسمى بدول النعيم، أو ما يعرف عنها بالدول الأوربية!

وهكذا، كانت حالة علي وحسين وفهد، وجميع الشباب أصدقاء ومقربين، البحث عن الهجرة.. إلى حيث سافر نايف وحمد وعبد الله، وكثير من الأصدقاء والمعارف، ليس حبّاً بالسفر أو الهجرة، وإنما هرباً من التجنيد الإجباري والالتحاق في الخدمة العسكرية، أضف إلى المعاملة السيئة التي يُعاني منها الشباب المنخرط فيها، والتي صارت لا تطاق، وهذا ما نقل على لسان أحد أقاربهم الذي قضى ما ينوف عن السنوات الخمس في خدمة الوطن الذي لم يبقَ منه إلاّ بعض من بيوت قائمة، وشمل الدمار أغلب المنازل التي حاول أبناؤه، وبإمكاناتهم البسيطة إعادة إعمار ما أتت عليه الحرب، ولكن هذا كلّه بات يحتاجُ إلى الكثير من الأموال التي يفتقدها الأهالي الذين لا حول لهم ولا قوّة، وما بين أيديهم بالكاد يكفيهم قوت يومهم، واعتماد أغلب السكان على ما يرسله لهم أبناؤهم المهجّرون في أماكن اللجوء من فتات ما يعيشون به من المساعدات التي يقبضونها مع بداية كل شهر، ظانين أنهم في الغربة القسرية يمارسون أعمالاً تدرّ عليهم دخولاً ترضيهم، وهم في الواقع يعيشون في بحبوحة من العيش، أما الواقع فهو غير ذلك تماماً.

الحاجة لحقت بدورها، حتى باللاجئين الذين تشردوا في بلاد الله الواسعة، وأوصلتهم أقدامهم إلى بلاد النعيم بعد أن أعياهم البرد القارس، وتحمّلهم الكثير من المؤسيات، ناهيك بالمخاطر التي واجهوها، وما دفع من مبالغ مالية ينأى الكثير منهم من توافرها حتى تمكنوا من الوصول إلى حيث يعيشون اليوم.


رحيل العدد الكبير منهم حفاظاً على أرواحهم، بسبب اندلاع شرارة الحرب وقسوتها التي قضت على الكثير من آمال الشباب ومطاردتهم، ومعاملتهم المعاملة السيئة ما دفعهم إلى الهروب خارج البلاد، وان كلفهم ذلك حياتهم، وهذا ما حصل للكثير ممن ساقتهم أقدامهم إلى الدول الأوروبية، وغيرها من بلاد الله التي رأوا فيها حياة آمنة لهم ولأسرهم.

وبعيداً عن ذلك يبرز السؤال الذي يبحث عن إجابة: هل نحن بحاجة للعودة إلى سورية؟ سورية التي تظل لها أفضالها علينا، نحن أبناءها الذين ولدنا على أرضها الطيّبة وهذا لا يمكن أن ننكره أو نتجاوزه لأنه مرسوم في وجدان وقلب كل واحد منا، نحن الذين ننتمي إليها كوطن.

سورية، تظلّ هي الوطن، وكما يقال إنّها الأم الرؤوم بالنسبة لنا نحن الذين عشنا وتربينا في أحضانها وأكلنا من خيراتها.

إلاّ أنّ السؤال الذي يُلحّ، هل بالإمكان العيش خارج سورية، بعيدين عن أسوارها؟ العيش في بلاد جديدة، ومع أناس جدد، يختلفون كلياً عن طباعنا ومعتقداتنا، وتاريخنا المشترك، كما يدّعي دعاة الوحدة والحرية والاشتراكية، و"يبيضون" علينا بكلمات برّاقة ومزخرفة!!
نعم. يمكن ذلك، لمَ لا.

أعتقدُ جازماً بأن الأغلبية، ولمن سنحت لهم فرصة الهروب من سورية، واللحاق بالدول الأوروبية، على وجه التحقيق، وتحت أي مسمّى فإنه فضل البقاء فيها ولم يعد الوطن كوطن يعني بالنسبة له سوى الاسم!

وإذا ما حاولنا أن نقف لبعض الوقت، مستأنسين، وأن نقارن بين ما قدمته سورية لأبنائها، وما قدمه الأوروبيين لهم لا يمكن أن يقاس في الواقع ولا بأي شكل من الأشكال، وهذه حقيقة قائمة لا جدال فيها!

فما الجديد الذي أضافته القيادة في سورية للمواطن السوري؟ وماذا قُدم له؟ وهل ما أُعطي له كان كافياً، مرضياً؟

لنكن صادقين مرةً واحدة مع أنفسنا، وبتجرد وبعيداً عن العواطف التي لا تطعم خبزاً...
وبمقارنة بسيطة، فإنّ ما وجده المواطن السوري، وغيره في دول النعيم، وما توفّر له من خدمات، ودعم مادي مجزٍ لا شك أنه كبير وكبير جداً.

طبيعي، من بين الزحام، أنه سوف يقفز لك بعض المنتفعين من النظام السوري، ولصوصه الصغار، في وضح النهار، وممن يكسبون يوميا مئات الآلاف، بل الملايين من الليرات السورية، على حساب الناس الفقراء، سيندفع وبقوة ويبدأ بتدبيج الرد تحت أي مسمّى، ومنهم كثير لتبرير ما يمكن تبريره!

الرد، أي رد كان، ولمجرد الرد دفاعاً عن مكتسباته وعن زمرة مجرمة خائنة لم يعرف المواطن السوري في ظلّها إلاّ الفقر والإهانة والذل، وفي هذه الصورة هناك الكثير ماثلون أمامنا اليوم.
لهذا، أقول:

علينا أن نكون منصفين وصادقين مع أنفسنا أولاً، بعيداً عن الترّهات والعواطف السخيفة، والأقنعة البرّاقة التي لم تعد تنطلي على أحد!


البلد دمّر. تشرد من تشرد، وقتل من قتل، فضلاً عن الوضع المعيشي المؤسي الذي يعيشه أهله اليوم، في ظل غياب للكهرباء والخدمات الأساسية، وغياب للأمن، وانتشار البطالة، والخوف من المجهول مع تفشي ظاهرة الخطف إلى السطح، وغيرها من قصص وصور "معتّة"، ومهينة!
المعاناة كبيرة جداً، ولا مجال لأن نضحك على أنفسنا ونقول إنها بحاجة لوقت.

برأيي، أصبح الوطن يحتضر! الوطن مات، وعلى كل من هاجر وهرب خارجه، وفرّ بجلده من الموت الزؤام، عليه أن يعيش حيث هو. في مكانه. في المكان الذي يقيم فيه ولا يفكر لمجرد التفكير في العودة، والتغنّي باسم الوطن. الوطن مات!

فالعودة صارت مستحيلة إلى وطن لن يرقى إلى أدنى دولة في العالم الرابع، وسيظل هكذا، ما دمنا نحن نعيش في دوّامة الكذب والرياء والتفكير في العودة إلى حيث وطن سلب ونهب!
أكذوبة كبيرة ولدت ميتة وهي كذلك. إنّها مجرد عنوان عريض يخلو من الصدق الذي يرسمه شبيحته وما أكثرهم!