أفكار مستعادة على هامش 30 يونيو

30 يونيو 2019
+ الخط -

(1)

قبل ست سنوات تقريباً وبالتحديد في 13 يوليو 2013 شاركت بالتوقيع مع الأعزاء الدكتورة دينا الخواجة والدكتور خالد فهمي والأساتذة خالد علي وحسام بهجت ووائل جمال ووائل خليل وإبراهيم الهضيبي وآخرين على بيان جاء فيه ما يلي:  "إن مصر اليوم مهددة بالانزلاق إلى أوضاع خطيرة تضع أهداف ثورة يناير على المحك. فبين التخوّف من دخول مصر – مرة أخرى – في فلك الحكم العسكري بدون قيد أو شرط، والتخوف من أن يؤدي الاستقطاب المتبادل إلى خسائر جسيمة، أبرزها الدماء التي سالت في الشوارع لمواطنين من عموم الشعب المصري سقطوا ضحايا لخطاب الكراهية والعنف الذي يتم ترويجه، ناهيك عن المؤامرات التي يحيكها الساسة على حساب المواطنين البسطاء، بين هذا وذاك تطول قائمة الخسائر لتشمل على سبيل المثال استمرار فرض إجراءات أمنية استثنائية على عموم الحراك الشعبي – وهو المكسب الرئيسي من الثورة – وشيطنة فصيل سياسي بجملته ونشر خطاب كراهية ضده، بما يهدر بالقطع قيم العدالة والإدماج والكرامة الإنسانية".

لم أستغرب حين تجاهلت نشر البيان كثير من الصحف والمواقع والقنوات الموجهة بالموبايل من ضباط الأجهزة "العبيدية"، بل وتم الهجوم بشراسة على البيان ومن وقعوه في بعض برامج التوك شو دون أن تتم قراءته أصلا ليفهم المشاهد عن ماذا يتحدثون، كانت الأجواء محتقنة للغاية، ولذلك بادر كثير من المنتمون إلى الثورة للهجوم في دوائرهم على البيان دون فتح حوار حوله، أو محاولة فهم أسباب من وقعوا عليه، برغم أن من وقعوا على البيان منذ البداية معروفون بوقوفهم ضد سياسات الإخوان، لكنهم قرأوا من خلال ما حدث في يوم الحرس الجمهوري وتناول أجهزة الإعلام له، أن الموضوع لا علاقة له بتحقيق مطلب الانتخابات الرئاسية المبكرة، يومها قال لي أحد الأصدقاء إن هذا البيان مجرد إعلان موقف لا علاقة له بأرض الواقع، فقلت له إنه على أي حال سيكون أفضل وأشرف من إعلان موقف بتأييد ما يجري على أرض الواقع. خَسِرَني بعض أصدقائي في تلك الأيام التي أعقبت البيان، وخسرت بعضهم عقب مذبحة رابعة، وتصالحت مع أغلبهم بعد أن وحدت قسوة الواقع بيننا من جديد، ولا زلنا جميعا بحاجة إلى مراجعة ونقد وتأمل مواقفنا دون أن نقع في فخ التطهرية أو المثالية الجوفاء التي تستخدم لإراحة الذات دون تطوير للأداء وتفكير في المستقبل. 

 

كان من أشرس من هاجموا البيان وأضروا باستقباله لدى الكثير من المنتمين للثورة، الكاتب الكبير الأستاذ إبراهيم عيسى، ويا ليته اكتفى بنقده أو الهجوم على أفكاره بل كان من أوائل من اخترعوا في الرد عليه تخريجة (الطابور الخامس) ونشر عنها مقالا كاملا في صحيفة (التحرير) قام فيها بتصنيف أعضاء هذا الطابور ليضم فيهم ليس فقط مزدوجي الجنسية بل ومن تزوجوا أجنبيات ومن يعملون في منظمات حقوق الإنسان أو عاشوا خارج مصر لفترات طويلة، ولم يكتف بذلك، بل بدأ في ترديد شتيمته التي راجت وانتشرت على ألسنة زملائه في برامج التوك شو، والتي تصف من يعترض على طريقة إدارة ما بعد 30 يونيو بأنهم إما "مخنثون سياسيا أو مخنثون فيزيقيا"، قبل أن تلف الأيام وينفضح وهم السيسي الذي وصفه إبراهيم عيسى بأنه فعل ما لم يفعله عبد الناصر في تأميم قناة السويس، ويكتشف الأستاذ إبراهيم أن ما يبيع الآن هو ما كان يحذر منه قبل ثلاث سنين من وصفهم بأنهم "مخنثون سياسيا أو فيزيقيا".

للأسف الشديد، كثير مما طالب به البيان، لا زالت الأوضاع في مصر متوقفة عنده، ولكن مع إضافة أسماء آلاف القتلى والمصابين والمسجونين والمختفين قسريا وأيضا أسماء الجلادين والقتلة، ولا زال الكثيرون يظنون أن الفكاكة ستصلح للقفز فوق التعامل مع ملفات كل هؤلاء إلى الأبد، وهو ما ظنه كل المتذاكين في دول كثيرة عاشت أوضاعا شبيهة بأوضاعنا، ولم تستطع صنع مستقبلها إلا بعد مواجهة ماضيها بشكل أو بآخر.

(2)

حين سألني أكثر من صديق من قراء هذه المدونة: لماذا تصر على عدم توصيفك لما جرى في 30 يونيو وما بعدها أنه انقلاب عسكري؟ لم أجد إجابة تعبر عن موقفي أفضل من هذه السطور التي سبق وأن عبرت فيها عن رأيي الذي من حقك أن تختلف معه وترفضه بل وتلعنه، لكن سيظل من واجبك أن تفكر فيه: 

"أعلم أن عددا متزايدا من ثوار 25 يناير الساخطين على ما يجري من ظلم وقمع وهرتلة باتوا يستخدمون تعبير «الإنقلاب العسكري» لتوصيف ما يجري في البلاد منذ تولي السيسي لرئاستها، وما يميز هؤلاء عن أنصار جماعة الإخوان أنهم لا يباتون كل ليلة يُمنّون أنفسهم وأصدقاءهم بانقلاب عسكري مضاد يطيح بالسيسي الذي انتقلوا دون خجل من مرحلة التبشير بصلاحه وتقواه إلى مرحلة الحديث عن أصوله اليهودية المزعومة.

ومع أن رائحة الواقع البرازي لن تختلف لو لطّفتَ وصفه، إلا أنني شخصيا لا أحب أن أخدع نفسي بوصف ما يجري بأنه «انقلاب عسكري»، وأقول لمن يصفه بذلك: ليته كان انقلابا، إذ لربما أصبح ثمن انعداله أقل فداحة ودموية، وأرى أن محاولة لتغيير واقعنا مكتوب عليها بالفشل إذا لم تبدأ بإدراك أن السلطة التي تحكم مصر اليوم سلطة مدعومة برضا شعبي جارف، لست محتاجا إلى استطلاعات رأي لتأكيده، فقد رأيته وسمعته وعشته مع أغلب من أعرفهم، ممن اختلفت طبقاتهم وخلفياتهم الثقافية والإجتماعية والمادية لكنهم اجتمعوا على تبرير القتل الجماعي وقمع الحريات وتسليم البلاد لعبد الفتاح السيسي لكي يفعل بها ما يشاء، قبل حتى أن يخيم شبح داعش على المنطقة، وتزداد كآبة صورة الإقتتال الأهلي في ليبيا خلال الأشهر الماضية، فما بالك بموقفهم بعد أن جرى كل ذلك؟

تريد أن تتحدث عن الشعب البريء الذي خدعه الإعلام المتآمر، حقك، لكن من قال أن أي كلام ـ مهما كان محبا أو صادقا ـ يمكن أن يعفي شعبا من تحمل مسؤوليات انحيازاته غير الإنسانية، خاصة وهو يعيش في عصر أصبح البحث فيه عن الحقيقة متاحا لمن أراد. تريد أن تراهن على أن استمرار فشل السيسي سيؤدي إلى انفجار يفيق بعده الناس من وهم البطل المخلص، لا ألومك خاصة أن الرجل «مش مقصر خالص في الفشل»، لكن من قال لك أن أي انفجار قادم سيستثني أحدا من هوله؟ تريد ألا «تبدأ الحكاية من أولا»، لتقرر بدءها من ثالثا أو «رابعة»، فتغفل جرائم مبارك التي قادت إلى 25 كانون الثاني/يناير، وتتجاوز عن خيانة الإخوان للثورة التي قادت إلى خيانة كثير من الثوريين لإنسانيتهم، وماله، عيش يا برنس، لكن من قال لك أن نسيان الأسباب سيجعل لعنك للنتائج كافيا لإنقاذك؟

 

ببساطة، أطلق أي تسمية على 25 يناير أو 30 يونيو، العنهما معا أو العن ما شئت منهما، لن يغير ذلك من حقيقة بسيطة يتناساها الذين استحوذوا على مقاليد الأمور، هي أن الطريقة الوحيدة لكي تنهي ثورة إلى الأبد، أن تنهي كل الأوضاع التي أدت لاندلاعها من قبل، وإلا فإنك ستخلق ثورة أعنف وأقسى، ستكون أنت ربما أول أهدافها. تريد أن تتجاهل كل ذلك، سيكون ذلك مريحا نفسيا بالتأكيد، لكنه لن ينفي حقيقة وجودك في البلاعة، ولن يمنعني من نصحك ألا تقوم بأي حركات عنيفة لأن ذراعك من الممكن أن يؤدي إلى انهيار يقفل منفذ هواء يمكن أن يبقيك وغيرك على قيد الحياة".

(3)

ختاماً، حين أجد من يتعامل مع آرائي ومواقفي بغضب ويسارع باتهامي بإني إنقلابي أو عميل للأجهزة الأمنية أو إخواني متخفي ـ لعلك تعلم أن هذه التهم كلها توجه إلي ولا أجد في ذلك أدنى مشكلة بل أجد في اجتماعها تأكيداً لوجهة نظري ـ أتذكر هذه السطور التي أعتز بها كثيراً والتي نشرتها بتاريخ 29 أغسطس 2013 وقلت فيها ما يأتي: 

"التقيت منذ يومين شابا وصف نفسه بأنه من رفاق الميدان، لكنه غاضب من بعض ما أكتبه لأنه يمثل تحديا للإرادة الشعبية كما يفهمها، قائلا بحماس «مشكلة اللي بيخوف الناس زيك من رجوع ما قبل يناير إن ماعندكوش ثقة في الشعب لإن شعبنا عظيم بس انتو بعيدين عنه ومش فاهمينه»، حماسه جعلني أشعر أنه يفترض أنني رجل لا يخرج من «الكومباوند» إلا مضطرا، هممت أن أطبق تلك القاعدة الذهبية التي علمتني ألا أناقش أحدا وهو في غمرة حماسه الشديد لرأيه لأن «ما فيش حد متحمس أوي إلا لما بينجرح من تعقيدات الواقع أوي»، لكن تأكيده المتكرر على رضا الشعب الذي لا يشوشه إلا أصوات أمثالي، جعلني أقول له أن خبرتي كساكن مستديم للأحياء الشعبية تدفعني لنصحه كرفيق ميدان وشريك وطن ألا يظن أن هناك شيئا ثابتا دائما اسمه رأي الشعب، لأن الشعب الذي يبهجك رضاه الآن يمكن أن يخذلك غضبه غدا إذا قلت له كلاما ملتبسا يضايقه أو يوتره أو يحمله أعباء فوق التي هو يحملها بالفعل حتى لو كان كلاما يتغنى بالثورة والشهداء وحق الشعب.

لذلك ليس أمامك إذا كنت مهموما بالشأن العام وراغبا في إصلاحه، إلا أن تحاول دائما تكوين رأي متعقل يبتعد عن «الأفورة» قدر الإمكان، ويستند إلى ثوابت أخلاقية لا تجعلك تنقلب على عقبيك كلما تغير مزاج الناس، وألا تثق في تصفيق الناس لك على الدوام، وإلا فانتظر اليوم الذي تلقى فيه مصير جماعة الإخوان التي كانت تؤمن أن الشعب يرقد مطمئنا في جيبها، لذلك صَمَت وعَمَت عن كل من ذكرها بخيانتها للثورة ولوعودها الإنتخابية، وأصرت واستكبرت استكبارا موقنا أن الشعب سيخرج ليضع روحه على كفيه فداءا لرئيسها ولقيادتها، وأنت تعرف الآن ما الذي وضعه الشعب لها حين خرج ثائرا عليها قرفانا منها ومن الذين يتشددون لها، فلا هي كسبت رضا الشعب ولا هي حافظت على مبادئ الثورة ولا حتى على بقاءها حية تُرزق، ولا أظنك ترضى لنفسك بمصير بائس كهذا أبدا.

من حقك طبعا أن تعتقد أن من الأسلم إخراس كل من يختلف معك، لكي لا يفسد صوته عليك بهجة الوقوف مع «الشعب الفرحان تحت الراية المنصورة»، لكن إن عاجلا وآجلا ستنتهي نشوة وهم الصف الواحد فلو شاء ربك لجعل الناس صفا واحدا، وعندها ستتذكر أن الشعب عندما وافق في الماضي على إسكات كل صوت يعترض على طبيعة المعركة وتفاصيلها وقادتها، لم ينته الأمر في نهاية المطاف بالشعب فرحانا، ولا بالراية منصورة."

والله من وراء القصد أو هكذا أزعم.