أفراح فلسطينية صغيرة

18 فبراير 2020
الصورة
مع أنها شائعة بكثرة بين الناس، ويتم التعاطي معها كالماء والهواء في البيوت والمناسبات الاجتماعية، إلا أن الأفراح في الديار العامة الفلسطينية شحيحة، وذلك لهول منغّصات الحياة وبؤسها تحت الاحتلال، وشدّة ما يحتشد في تلافيف الذاكرة الجماعية من آلام متراكمة، وما تفيض به يوميات شعبٍ يكابد القهر والظلم والحرمان، فضلاً عن حملات القمع والقتل والسجن والإفقار والمنع والمصادرات.
لذلك يبدو كل إنجاز وطني فلسطيني، مهما كان متواضعاً، بمثابة فرحةٍ غامرة، وإن تكن صغيرة، أو قل إنها الاستثناء على القاعدة، كأنها رغيف خبز في يد ولد يتيم، يستكثره عليه أترابه اللئام، كما يبدو المحتفلون بإنجازهم الطالع عنوةً من قلب المستحيل، أشبه بقوم استبدّ بهم الظمأ في هجير صيفٍ قائظ، عثروا فجأة على نبع شحيح، فراحوا يرشفون من مائه بتؤدةٍ، ويملأون الجرار، لعلمهم أن صحراءهم قليلة الزرع والضرع، وأن الطريق الطويل لا يزال طويلاً.
هكذا تجلى الحال الفلسطيني قبل أيام، وغمرت الديار مظاهر فرحة، بدت عصية المنال أربع سنوات، لدى إعلان المفوضية السامية لحقوق الإنسان عن القائمة السوداء للشركات المتورّطة في التعامل مع المستوطنات، تماماً على نحو تلك الفرحة المستحقة قبل نحو شهرين، عندما أعلنت المدّعية العامة لمحكمة الجنايات الدولية، فاتو بنسودة، أيضاً بعد نحو أربع سنوات من الانتظار، اكتمال الشروط القانونية لفتح تحقيق في جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في أواخر العام المنصرم، زفّت بنسودة بشرى قرب تقديم قادة الاحتلال للمحكمة مرهوبة الجانب، الأمر الذي أخرج بنيامين نتنياهو عن طوره، قائلاً إن ذلك اليوم أسود في تاريخ إسرائيل، فيما عمّت البهجة عموم الفلسطينيين الذين رأوا نهاية سعيدة لجهود دبلوماسية منسقة جيداً، مقترنة بالحكمة والصبر والحصافة، وهي تؤتي أكلها بعد لأي، وتدنو من أيديهم ثمرة طيبة من ثمار الكفاح طويل النفس، مع أن بعضاً من الثورجيين الأشداء في فضاء الواقع الافتراضي كانوا يشكّكون في جدوى خيار الكفاح الحقوقي، ويتقوّلون إن كل ذلك التأخير في الإجراءات القضائية ناجمٌ عن تواطؤ مع الأميركيين.
واليوم، ها هي ميشيل باشليت، المفوضة السامية لحقوق الإنسان، تزفّ لهم بشرى لا تقل أهمية عن بشرى بنسودة، بنشر قائمة سوداء بأسماء 112 شركة عاملة في المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فصنعت بذلك فرحةً صغيرة ثانية في شهرين، وأشعلت بقرارها هذا شمعة أخرى في عتمة الليل الفلسطيني الطويل، غمر ضياؤها صدور قومٍ لم يراودهم اليأس، وأوقد وهجها في أعطافهم مشاعر بالجدارة والاستحقاق، وهم يشاهدون ثمرة إضافية من ثمار الأداء الدبلوماسي الرفيع، والكفاح الاستراتيجي الحاذق، تسقط في سلة النضال العنيد.
إذا كان هناك شك لدى بعضهم بأهمية هذا الإعلان وذلك القرار، نحيله على ردود فعل قادة الاحتلال المتطيّرة من عقابيل فعل السيدتين الأمميتين الشجاعتين، حيث قال رئيس إسرائيل، رؤوفين ريفلن، إن وقع نشر القائمة السوداء لا يقل حزناً لديه عن وقع يوم الكارثة اليهودية في ألمانيا النازية. وقال نتنياهو إن من يقاطعنا سنقاطعه، ثم اتخذ قراراً فورياً بذلك ضد مجلس حقوق الإنسان. وزعم بيني غانتس أن هذا يوم أسود لحقوق الإنسان، وعقّب شريكه في ائتلاف الجنرالات، يائير لبيد، "هذه مفوضية حقوق الإرهاب".
ولعل من حسن الطالع أن نشر القائمة أتى بعد الإعلان عن صفقة القرن، في غمرة احتفال إسرائيل بهدية ترامب التي فاقت عطاياها أكثر مما كان يحلم به غلاة المستوطنين، الأمر الذي ضاعف من طوق العزلة وحدّة الصدمة لدى دولة حسبت نفسها فوق القانون، حيث برهن نشر القائمة، بعد جهد فلسطيني جهيد، أن من الممكن تغير قواعد اللعبة داخل حلبة المصارعة، وأنه في الحوْل تسديد لكمةٍ فنيةٍ قويةٍ إلى فك الملاكم من الوزن الثقيل، تماماً على نحو لكمة محكمة الجنايات الدولية التي وصف الأميركيون ملاحقاتها المرتقبة بقنبلة نووية وقعت على رأس إسرائيل.
خلاصة القول إن مثل هذه الأفراح الصغيرة، النادرة، قلما تهل على ديار الفلسطينيين المثخنة بالجراح، إلا أنها تستحق، إذا حدثت، الحفاوة والابتهاج، من دون مبالغة، ومن غير استهانةٍ بما تشيعه في الصدور من ثقة بالنفس، وما تبثّه من أمل، وترفعه من معنويات، تشكل في مجموعها رافعة قوية من روافع الصمود والمقاومة وتحسين الأداء.
تعليق: