أطفال فرنسيون محرومون من إجازة الصيف

09 اغسطس 2019
الصورة
لا بدّ من إتاحة الإجازة لجميع الأطفال(إيريك كاباني/فرانس برس)

هناك إجماع على أنّ إجازة الصيف بالنسبة للتلاميذ أساسية في نواحٍ عدة، لكنّ أطفالاً كثيرين لا يتمكنون من الاستمتاع بمثل هذه الإجازة في فرنسا، ما دفع بعض الجمعيات للتحرك لأجلهم

يشير تقرير لجمعية "الإغاثة الشعبية" في فرنسا إلى أنّ ثلث أطفال البلاد لا يتسنى لهم السفر؛ أكان خارجياً أم داخلياً، في إجازة الصيف. تحاول هذه الجمعية إلى جانب جمعيات كثيرة أخرى، إيجاد بعض الحلول والتخفيف من معاناة هؤلاء الأطفال.

تقدم "الإغاثة الشعبية" نشاطات عدة لهؤلاء الأطفال تسمح لهم بالاستفادة من الإجازة، باعتبار "الإجازة حقّا وهي ضرورة، أيضاً، من أجل سعادة الطفل وتوازنه النفسي والعاطفي. ولها دور تربوي، فهي تشجع الطفل على التحرر وعلى بناء الشخصية والانفتاح على آفاق جديدة" بحسب الجمعية، خصوصاً أنّ العام الجاري يصادف الذكرى الثلاثين لاتفاقية حقوق الطفل (1989).




حتى لو كانت الفترة التي يقضيها هؤلاء الأطفال قصيرة في تلك البرامج التي لا تتجاوز خمسة أيام في مخيمات أو على شاطئ البحر، فإنّ شهادات المستفيدين منها تعبر عن الابتهاج الذي لا مثيل له. ففاطمة الجبلي، التي استفادت من تلك التقديمات مع زوجها العاطل من العمل وأبنائهما الثلاثة، تعتبرها بمثابة عيد حقيقي: "استمتعنا بالبحر، خصوصاً أبنائي الذين رأوا البحر وسبحوا فيه للمرة الأولى. ولا أستطيع التعبير عن درجة الامتنان".

هذه المبادرات تستقبل أيضاً أطفالاً من قرى الأطفال (الأطفال الأيتام ومجهولو النسب غالباً) كما تساعد آخرين على أن يحلّوا ضيوفاً على عائلات في مناطق من فرنسا وحتى في أوروبا. وتتذكر إيناس الدهبي (13 عاماً) من أصول تونسية، أنّها استفادت، السنة الماضية، من هذا المشروع، فقد استقبلتها عائلة من مدينة لاروشيل البحرية الجميلة، وأمضت أوقاتاً لا تُنسى مع العائلة، التى تضم إلى جانب الأب والأم، طفلة في نفس عمرها تقريباً.

بعد 15 أغسطس/ آب تلتفت الجمعية عادة، إلى كلّ من لم يستطع أن يسافر من الأطفال، فتنظم في جميع أنحاء فرنسا "أيام المنسيين من الإجازة" وهو حدث تنظمه الجمعية منذ 40 عاماً، ويتيح لكثير من الأطفال أن يعيشوا يوماً من أيام الإجازة، إما عبر قضاء يوم على الشاطئ أو في الجبل أو في مراكز ترفيهية. وستنطلق فعاليات هذه السنة يوم الأربعاء 21 آب/ أغسطس الجاري، وستتيح لـ5 آلاف طفل من العاصمة وضواحيها التمتع بشاطئ مدينة كابور، وتتضمن السباحة واللعب وتشييد قصور من الرمال والأكل والشرب في الهواء الطلق وتناول المثلجات.

تناشد الجمعية المواطنين التبرع من أجل تمويل هذه المشاريع الخيرية النبيلة، وتُذكّر بأنّ مبلغ 50 يورو يتطوع بها المواطن، 75 في المائة منها معفية من الضرائب، تمنح نهاراً كاملاً لأحد الأطفال المحرومين من إجازة الصيف. كثيرون من بين المستفيدين من هذه البرامج هم من المهاجرين، سواء من العرب أو الأفارقة. وبينما تتمكن بعض العائلات من السفر إلى بلدانها الأصلية لإمضاء إجازة الصيف، فإنّ الظروف المعيشية تمنعها من ذلك سنوياً إذا ما تمكنت من ذلك في عام من الأعوام.

تعترف رجاء الملالي، وهي أم مطلقة لأربعة أطفال، تعمل مسؤولة خادمات في فندق: "هذه السنة لم أسافر إلى المغرب. زوجي السابق لم يدفع لي نفقات الأبناء، التي فرضتها عليه العدالة، بدعوى أنّه فقد وظيفته. ولا أستطيع براتبي المتواضع تحمل أعباء السفر ونفقات الإقامة. فأبنائي لن يرضوا بالبقاء في بيت العائلة طول فترة إقامتنا في المغرب، إذ يريدون أن يتجولوا ويسافروا داخل بلد آبائهم، وهو ما يستوجب نفقات أكثر، والنتيجة أنّهم ظلوا معي من دون إجازة حقيقية. وهو ما يثير كثيراً من التوتر في البيت". تضيف لـ"العربي الجديد": "أعرف أنّهم يحتاجون إلى الترفيه، وأعلم أنّ ذلك مفيد لهم، ويساعدهم في تحقيق نتائج دراسية جيدة". لهذا قررت الملالي أن تجعلهم يستفيدون من بعض النزهات خارج العاصمة، وهي نزهات تمزج ما بين الترفيه والعلم والاستفادة، فاختارت زيارة "متحف الحرب الكبرى" في مدينة مو بالضاحية الباريسية: "هي زيارات بحضور العائلات، وأحياناً تكون بحضور دليل، لمعرفة كلّ ما يتعلق بالحرب، ولا يدفع الطفل المسجل هناك سوى يورو ونصف، ويخرج بمعارف جديدة.

عائلة دحماني، التي كانت تواظب على السفر في الصيف إلى وهران، بالجزائر، غيرت عادتها، هذه السنة، لأسباب عديدة.

يقول عبد الرحمن دحماني لـ"العربي الجديد": "الظروف غير طبيعية في الجزائر، فهناك تظاهرات لا نعرف إلى أين ستؤدي، كما أنّ ابنتيّ تريدان شيئا آخَر، إذ تقول ابنتي الكبرى، آسيا: أنا فرنسية ولا أعرف كثيراً عن مآثر وقصور وقلاع وأديرة فرنسا". يعلق: "أرى أنّها على حق، ولهذا قررنا أن نزور بعض المدن والبلدات في فرنسا، خصوصاً تلك التي تتوفر على عبَق التاريخ".




لكنّ ذلك غير متاح لعائلات كثيرة، مثل عائلة أحمد المنصوري: "لا أستطيع أن أمتّع أبنائي بكثير مما يتمتع به أقرانهم، فلديّ خمسة أبناء أكبرهم دون السادسة عشرة، وأنا الوحيد الذي يعمل. أعرف أن أبنائي يستحقون إجازة صيف مريحة بعد سنة دراسية صعبة، لكن الظروف قاهرة، وهكذا يستيقظون في وقت متأخر ثم يظلون في البيت صباحاً، بين التلفزيون والكومبيوتر، والكتب، وبعد الظهر يذهبون إلى قاعات الرياضة التابعة للبلدية والتي تظل، لحسن الحظ، مفتوحة طوال إجازة الصيف. وهناك يستطيعون السباحة ولعب كرة السلة والكرة الطائرة، وغيرها، ولا يتطلب الأمر سوى موافقة الأهل".