أطفال العراق... تعددت الأسباب والتعنيف واحد

20 يوليو 2020
الصورة
إجبار الأطفال على العمل من أشكال العنف أيضاً (علي يوسف/ فرانس برس)
+ الخط -

تسجل حالات تعنيف للأطفال من قبل ذويهم ارتفاعاً في العراق، بحسب تقارير مختصة، وتعود الأسباب غالباً إلى الحالة المعيشية التي تعيشها الأسرة

تعرُّض الأطفال للتعنيف والاعتداءات اللفظية والنفسية والبدنية المختلفة، على يد ذويهم، في العراق، يتزايد في السنوات الأخيرة. وهي حالات تدخلت السلطات الأمنية فيها، ولم تبقَ مسكوتاً عليها بل وصلت إلى وسائل الإعلام، بالإضافة إلى التداول فيها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
في هذا الإطار، يتطوع مهند السامرائي، المتخصص في الطب النفسي، للحديث في محاضرات تقيمها منظمات مجتمع مدني موجهة للأسر. يقول السامرائي لـ"العربي الجديد" إنّ "سبب العنف الذي يتلقاه الأطفال من ذويهم أو من المجتمع بشكل أو بآخر، ناجم عن جملة أسباب أبرزها انعكاسات الوضع الأمني والعنف بالشارع وعسكرته وتردي الوضع المعيشي وتأثير كلّ ذلك على المجتمع والفرد". يضيف أنّ "الأسرة العراقية تستسلم للضغوط التي تولدها تأثيرات التردي الاقتصادي، إذ نجدها محاصرة برسوم تعليم أطفالها حتى انتهاء الدراسة الجامعية، مع ارتفاع كلفة المعيشة، وما يرافق ذلك من انخفاض في مستوى الأمن ومشاكل أخرى تتعلق بالخدمات والبنى التحتية، مثل مشاكل انقطاع التيار الكهربائي التي لا تنتهي، وتردي الواقع الصحي".

يتابع: "كلّ ذلك يمكن أن نعتبره أسباباً محبطة يواجهها المواطن العراقي منذ سنوات تزيد من أعبائه، في مقابل عدم توفر فرص عمل تساعده في تحسين سبل معيشته، وهنا نتحدث عن النسبة الأكبر من المجتمع في البلاد". ويرى السامرائي أنّ "على أرباب الأسر التفكير بشكل مختلف، وعدم اللجوء إلى السلبية، من أجل عدم ارتكاب أخطاء بحق أبنائهم يندمون عليها لاحقاً. ومن جهتي، هذا ما أعمل على إيصاله للآخرين في محاضراتي".
الأخطاء التي يحذر السامرائي من الوقوع فيها، ارتكبها كثير من الأشخاص بحق أبنائهم، ليكتشفوا في ما بعد أنّهم كانوا وراء "ضياع" هؤلاء الأبناء، وهو ما يؤكده صلاح فيصل، الذي على الرغم من كونه ينتمي إلى الطبقة المثقفة والواعية، وفق قوله، فإنّه يعتقد أنّه ارتكب "جريمة لا يرتكبها شخص أمّي يجهل القراءة والكتابة". فيصل، وهو رسام، ويحمل رسالة ماجستير في الفنون التشكيلية، وله محاضرات وندوات وورش عمل تتعلق بالفن التشكيلي، يقول لـ"العربي الجديد" إنّه تسبب بوقوع ضرر لولده كاد يصيبه بعاهة مستديمة. ويوضح: "لا يعير ولدي عمار المطالعة أيّ اهتمام، على خلاف أشقائه الأكبر سناً، وهو غير مجتهد في دراسته، بل تشتكي منه معلمته، ولقد فشلت في تغيير سلوكه. ذات يوم، لم أتمالك نفسي، فضربته وسقط من سلم المنزل وتعرض لكسور". يضيف: "كان ذلك قبل نحو ثمانية أشهر، وكاد يصاب بالشلل لولا براعة الطبيب. أدركت أنّني على خطأ بعدما كدت أفقد ولدي".
في السياق نفسه، قال قاضي محكمة العنف الأسري، علي كمال، بحسب تقرير نشره إعلام مجلس القضاء الأعلى العراقي، في يونيو/ حزيران الماضي، إنّ "تعنيف ‏الأطفال يتخذ صوراً متعددة من بينها الإهمال والضرب، فضلاً عن الاعتداءات الجسدية والنفسية ‏والجنسية المختلفة التي تمارس ضد الأطفال من قبل ذويهم أو ممن هم مسؤولون عن رعايتهم سواء ‏كان الأب أو غيره". وأشار إلى أنّ "الفترة الأخيرة شهدت انتشاراً لهذه الظاهرة، في مناطق مختلفة ‏من البلاد".
ومن صور التعنيف الواضحة في مختلف مدن العراق انتشار أطفال من الجنسين، يمارسون التسول أو العمل بصفة باعة متجولين عند التقاطعات المرورية. كثير من هؤلاء الأطفال يفرض عليهم ذووهم بالقوة التسول أو العمل بهذا الشكل، وهو ما تأكدت منه "العربي الجديد" في حديثها مع عدد من الصغار. يرفض حمودي التعريف عن اسمه الصريح لـ"العربي الجديد"، لكنّه يقول إنّ "حمودي" يكفي للدلالة إليه، مفيداً أنّ عمره أحد عشر عاماً ويجهل القراءة والكتابة، فقد أجبره والده على ترك الدراسة من أجل "كسب الرزق". ومن واجب حمودي، الذي يرتدي ملابس متسخة ومهترئة، أن يحضر لوالده ما لا يقل عن مائة ألف دينار (نحو 83 دولاراً) يومياً من التسول. يضيف: "عقوبتي الضرب المبرح الذي يصل إلى حدّ الكيّ بالنار إن لم أحضر هذا المبلغ". يتابع: "أختي التي تكبرني بعام، عليها أن تفعل الشيء نفسه، وعقوبتها جاهزة إن لم تطبق أمر والدي". مثل هذا المبلغ الذي يحضره حمودي لوالده كل يوم يكفل معيشة جيدة لأي أسرة في العراق، لكن حمودي يعيش رفقة أسرته في بيت متهالك لا تتوافر فيه سبل الراحة وفق قوله، مشيراً إلى أنّ والده ينفق المال على ملذاته الخاصة.
ومن صور العنف الأخرى الخوف على البنت أو الولد من الانحراف، وهي تعبر عن العنف بالرغم من حسن النية الذي يبديه الآباء والأمهات على أطفالهم. تلك الرهبة تسيطر على سعيد نايف (46 عاماً) الذي يقول لـ"العربي الجديد" إن التقنيات الحديثة التي باتت في متناول الجميع ومن بينهم الأطفال تهدد أخلاق المجتمع. والحلّ الوحيد الذي يراه صائباً هو "استخدام العنف". يبرر: "لا بدّ من تخويف الأطفال كي لا ينحرفوا. هناك جرائم شرف وجرائم اغتصاب أطفال ارتكبت بسبب خداع الصغار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ جرّهم ضعفاء النفوس إلى أماكن معينة واغتصبوهم". يؤكد قائلاً: "أنا لن أنتظر ما سيحلّ بأحد بأطفالي. أعترف أنّني أهدد أطفالي وأعنّفهم وأضربهم حتى، لكنّي أمارس هذا العنف لصالحهم".

صحة
التحديثات الحية

جدير بالذكر أنّ قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 ‏المعدل، وكذلك قانون رعاية الأحداث العراقي تناولا أهم العقوبات المتعلقة بممارسة العنف ضد الأطفال، إذ أكد ‏قانون رعاية الأحداث على عقوبة سلب الولاية من الأب أو الأم في حال تعرض الطفل للإساءة ‏أو الاعتداءات. كذلك، ترك القانون للمحكمة المختصة السلطة الواسعة في تقدير متى ‏وكيف يتم ذلك. لكنّ المحامي رسول حسين، الذي ترافع في عدة قضايا تتعلق بالعنف ضد الأطفال، يؤكد أنّ ما سجل من جرائم ارتكبت بحق الأطفال "قليل جداً مقارنة بما يحصل على أرض الواقع من حوادث". يضيف لـ"العربي الجديد" أنّ "بعض الأسر تمتنع عن رفع دعاوى بسبب الخوف من الفضائح، فالمجتمع العراقي ما زال ذا طابع قبلي، فيما تعتبر أسر أخرى أنّ العنف جزء من التربية، وإن أدت شدته إلى إلحاق الضرر بالطفل أحياناً".

1600 دعوى قضائية
سجلت المحاكم العراقية 1600 دعوى تتعلق بممارسة العنف ضد الأطفال خلال العام الماضي 2019، وفق إحصائية رسمية أصدرها مجلس القضاء الأعلى. وهذا الرقم قد يكون أقل بكثير من الأرقام الفعلية، إذ إنّ قضايا كثيرة تبقى في البيوت، ولا تسجلها المحاكم بسبب "ضعف الوعي القانوني وسيطرة الأعراف الاجتماعية" بحسب متخصصين.

المساهمون