أسئلة وقف التنسيق الأمني

30 يوليو 2019
الصورة
بعد اجتماع عاجل للقيادة الفلسطينية، استمر نحو ساعة، وفي إطار رد فعل غاضب على جريمة هدم عشر بنايات في القدس، أعلن الرئيس محمود عباس، وسط تصفيق الحضور من أعضاء القيادة (اللجنة التنفيذية للمنظمة، واللجنة المركزية لحركة فتح، والأمناء العامين للفصائل) عن وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل. ودعا، في الوقت ذاته، حركة حماس إلى إنهاء الانقسام، والشعب الفلسطيني إلى تصعيد سائر أشكال المقاومة الشعبية "المدنية" ضد الاحتلال، كاستحقاقين ينبغي توفرهما معاً لتفعيل هذا القرار. 
منذ ذلك الوقت، تدافعت الأسئلة المشروعة، وتزاحمت الشكوك لدى كل المخاطَبين بهذا الإعلان الدراماتيكي؛ هل سيتم حقاً تنفيذ القرار المتّخذ في السابق من جانب كل من المجلسين، الوطني والمركزي؟ وما هي التداعيات المرتقبة على الحياة السياسية والاجتماعية في الضفة المحتلة؟ كيف ستكون ردة فعل الاحتلال، وهو صاحب اليد العليا؟ هل بنية السلطة الفلسطينية قادرة على تحمّل تبعات هذه الخطوة المثيرة؟ وإذا توفرت الإرادة الوطنية، هل هناك قدرة موضوعية على التنفيذ؟
ومع أن هناك جملة طويلة من الأسئلة المطروحة على هذا الصعيد، إلا أن السؤال الذي ظل يتقدّم على غيره كان سؤال التنسيق الأمني، كونه الأكثر إلحاحاً من القوى والفصائل الوطنية والإسلامية منذ سنوات، وباعتباره العلامة الفارقة على مدى جدّية القيادة الفلسطينية في وقف العلاقة المتشعبة مع سلطات احتلالٍ تنصلت من كل الاتفاقات الموقعة معها، ولم تُبقِ سوى على التنسيق الأمني، ثم راحت تعمل على سحب ما تبقى لدى السلطة الوطنية من صلاحيات، بلغت ذروتها أخيراً في هدم بنايات مرخصة حسب الأصول من السلطة ذاتها.
وليس من شك أن كل سؤال سبق ذكره ينطوي على قناعةٍ مسبقة وإدراكٍ تامّيْن بأن هناك إشكالية في التنفيذ، وأن التحدي ثقيل، والخيارات ضئيلة، والمخاطر شديدة. وفوق ذلك، لن يكون الوضع ما بعد وقف العمل بهذه الاتفاقيات كما كان قبله، خصوصا لجهة الهوامش القليلة المتاحة للرئيس والسلطة والمنظمة التي تتخذ من رام الله عاصمة سياسية مؤقتة لها، ناهيك عن إكراهات التنسيق اليومي مع الاحتلال، من إصدار شهادات الميلاد والوفاة، مروراً بتحصيلات المقاصّة، وليس فقط إلى أذون الاستيراد والتصدير عبر الموانئ الإسرائيلية.
على هذه الخلفية المعرفية بواقع الحال، يمكن تسجيل ملاحظات متصلة بإعلان وقف العمل بالاتفاقيات التسعة الموقعة، منها أن المتطلبيْن الاثنين اللّذيْن دعت إليهما القيادة الفلسطينية لتفعيل هذا القرار، قد لا يتحقّقان في المدى المنظور، ففيما رحبت حركة حماس بالقرار، واعتبرته خطوةً صحيحةً على طريق طويل، فقد أرفقت ترحيبها هذا بمطالباتٍ، يستغرق تلبيتها زمناً طويلاً، فيما الدعوة إلى تصعيد المقاومة الشعبية لا تتم بقرار، وإنما تستدعي تهيئة جماهيرية وبنية تنظيمية وإرادة مجتمعية، أحسب أنها غير متوفرة الآن.
ففي الوقت الذي يعوّل فيه الجميع على موقف السلطة الفلسطينية التي اتخذت قرارها بعد تردّد وتسويف، يبدو القصور جلياً على صعيد المقاومة الشعبية والمبادرات الكفاحية، على الرغم من تتابع الهبّات المتفرقة، وتواصل الاحتكاكات القصيرة مع حواجز الاحتلال، وهي ظاهرةٌ تشي بأن الخلاص الفردي بات يتقدّم على الخلاص الوطني، بدليل أن الرد على جريمة هدم البنايات أخيرا في صور باهر اقتصر على إقامة صلاة يوم الجمعة في المكان، من دون أن يؤدي إلى موجة غضب تماثل مظاهرات الغضب الساطع ضد قانون الضمان الاجتماعي على سبيل المثال.
وعليه، فإن أشد ما يخشاه المرء أن يظل هذا القرار الكبير حبراً على ورق، ليس لانتفاء الإرادة، أو عدم الرغبة في الخروج من بطن الحوت الإسرائيلي، وإنما لصعوبة الانفكاك من شبكة العلاقات الحياتية المعقدة مع احتلالٍ ممسك، نصف قرن، بكل مناحي الحياة اليومية، حتى في غزة، إلا إذا كانت إسرائيل التي رفضت اتفاق أوسلو بصمت، وراحت تفعل كل ما تشتهي فعله في الأراضي المحتلة، كانت تنتظر هذه السانحة، كي تقوّض الوضع القائم من أساسه، وتدفع المنظومة الفلسطينية إلى الانهيار التام، ما يتطلب الاستعداد مسبقاً لتغيير وظائف السلطة، وقد يتطلب الأمر الدعوة إلى عصيان مدني وتمرّد عام.
تعليق: