أزمة حصار قطر إلى أين؟

أزمة حصار قطر إلى أين؟

21 سبتمبر 2017
الصورة
+ الخط -
وصلت الأزمة بين دول الحصار ودولة قطر مرحلة صعبة وحرجة جدا، بعد أن كشفت عن قصر نظر وسطحية متخذي قرارات السياسة الخارجية لتلك الدول، وخصوصا المملكة العربية السعودية، في وقتٍ كنا جميعا في دول مجلس التعاون الخليجي نعول عليها في إيصال المنطقة إلى بر الأمان، في خضم الأمواج المتلاطمة فيها، إلى درجة أننا في قطر أطلقنا عليها عاصمة القرار العربي، فإذا بتلك الدول المحاصِرة لدولة قطر تكشف عن حقد وغدر كانت تخفيهما تجاه شقيقتها قطر، من خلال حجج وادعاءات واهية، هي نفسها غارقة فيها حتى أذنيها، معتقدة أن وصمها دولة قطر بتلك الادعاءات والحجج الواهية وسيلة ناجعة لتحقيق ما ترى أنه حماية لأمنها القومي، وطريقة لقبول الغير، بما ستُقدِم عليه تلك الدول تجاه قطر من تهوّر، حتى لو كانت أعمالا عسكرية.
ولكن ما لم تتوقعه دول الحصار أن أسلوبها هذا قادها إلى نتائج عكسية إقليميا وعالميا، على الرغم من ضخها المستمر لهذه الأكاذيب والادعاءات، عبر مؤسساتها الإعلامية المرئية والمقروءة، حتى أصبحت هذه الأكاذيب جزءا من خطابها العام، إلى درجة دعاها إلى التصدّي للمشككين في مصداقيته من مواطنيها، ما عرّض كثيرين منهم للتخوين، وتهمة التآمر والوقوف مع دولة قطر، فعلى سبيل المثال ما واجهه دعاة ومفكرون وأصحاب رأي كثيرون في المملكة العربية السعودية، في الوقت الذي استُبدِل من اعتُقل منهم بمُطبلين ومدّاحين، همّهم مبتغى يريدونه، ومنزلة يسعون إلى الوصول إليها بلا تعب أو جهد، في وقت يلاحَظ فيه أن السعودية قد استلمت، في الآونة الأخيرة، الراية من إمارة أبو ظبي، لمواجهة قطر إعلاميا، بعد أن أنهَكت هذه المهمة أبوظبي، بعد تأثير إشعاعات مفاعل قطر النووي عليها (قناة الجزيرة) والتي لم تعد تتحمّله.
لقد انحدرت دول الحصار، في خصامها مع دولة قطر، إلى درجة أنها وحّدت آراء دعاة جاميتها مع آراء ليبرالييها في هذه الأزمة حيال قطر. فهذا إمام الحرم المكي الشيخ عبد الرحمن السديس يتغنى ويُثني على الولايات المتحدة وزعيمها، متفقا في الرؤى المستقبلية للسعودية مع أحد أعتى لبرالييها، تركي الحمد، الذي كال لقطر من التهم والمزاعم ما وحده الله به عليم. وهو الذي قال من قبل (والعياذ بالله) "إن الله والشيطان وجهان لعملة واحدة"، فما الذي وحّد وجمع الجامية مع الليبرالية في بلاد الحرمين الشريفين في هذا الوقت؟
إنه لمن المحزن في الوقت الذي تمر فيه العلاقات السياسية بين قطر ودول الحصار بقطيعة شاملة، تسعى تلك الدول إلى إقامة علاقات طبيعية مع دول وكيانات إقليمية، كنا نجزم بأن لا يكون لديها علاقات طبيعية معها يوما ما، لشدة العداوة بينهما. ولكننا نعيش في عالمٍ أصبح فيه العدو شريكا وصديقا والشقيق عدوا.
علينا جميعا أن نعلم أن صوت العقل والحكمة في دول الحصار يجب أن يسود في هذه الأزمة، والسعي إلى إنهائها، بدلاً من سياسة العداء لدولة قطر. فلا مكان لاستعراض القوة في السياسة، وخصوصا الخارجية منها بين الأشقاء، لسهولة التدمير فيها وانخفاض تكلفته. فلنخلق جميعا من هذه الأزمة فرصةً لبلورة فنون الدبلوماسية والدبلوماسيين. وإن كانت دول الحصار تنظر إلى دولة قطر على أنها ليست شقيقة، فلتعمل تلك الدول على سياسة كسب الخصم، انطلاقا من قول الله تعالى "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ " (فصلت الآية 34).