أردوغان ــ بوتين والبحث عن حليف

08 مارس 2020
الصورة

بوتين مستقبلا أردوغان في الكرملين في موسكو (5/3/2020/Getty)

+ الخط -
يمكن القول إن لقاء الرئيسين، التركي أردوغان والروسي بوتين، في موسكو الأسبوع الماضي، كان أقرب إلى الفشل، وإنْ رافقه الإعلان عن وقف إطلاق للنار في إدلب، فالنظام السوري خرقه بعد أقل من ساعة، كما فشل الجانب التركي في وضع إجراءات للمتابعة تمنع النظام من تكرار خروقاته. وربما كان اللقاء الذي استمر ست ساعات أقرب إلى رغبة الطرفين بتجنب الفشل، لأنهما يبحثان عن حلفاء قلوا إلى درجة أن لا بوتين ولا أردوغان يستطيعان الاعتماد على الولايات المتحدة أو أوروبا. لقد تمكّنت تركيا من النجاح في فرض ذاتها ومنطقها على الأرض، بفضل عملية درع الربيع، كما أطلقت عليها، والتي هدفت إلى إرجاع قوات النظام السوري إلى خلف قوات المراقبة التركية، وفق الخطط المتفق عليها في مناطق خفض التصعيد في تفاهمات أستانة.
يرغب النظام السوري بالسيطرة على مناطق المعارضة في الشمال، فهو لا يأخذ بالاعتبار حقيقة أن أكثر من ثلاثة ملايين سوري في تلك المناطق لا يرغبون بالعودة إلى حكمه، أو وفق وصف المبعوث الأممي، بيدرسون، في إحاطته لمجلس وزراء جامعة الدول العربية "إدلب هي ملاذ لثلاثة ملايين مدني، بمن فيهم الذين يخشون العيش تحت حكم الحكومة السورية"، فالنظام يتحجج دوما بمفهوم السيادة لإجبار ملايين السوريين على العودة إلى المناطق التي يسيطر عليها. ولا يكترث بمصير هؤلاء أو بتطبيق قرارات مجلس الأمن، خصوصا القرار 2254، والذي نص تفصيليا على إجراء انتخابات حرّة، وتشكيل هيئة حكم انتقالي، وكتابة دستور جديد للبلاد يضمن الحريات العامة واحترام الحقوق الأساسية للمواطن السوري.
وللأسف، تتقاطع وجهة النظر الروسية بشكل مطلق مع وجهة نظر النظام، ما يجعل من المستحيل
 على تركيا التأثير سياسياً على روسيا لتقريب وجهة نظرها، ولذلك دخل البلدان في حرب إعلامية وحرب من البيانات السياسية والاتهامات، ولكن دون مستوى الصدام العسكري الذي يعرفان أنه لن يكون في مصلحتيهما.
وعلى المستوى العسكري، مني النظام السوري، مع المليشيات المقاتلة معه، بهزيمة عسكرية ساحقة، فقد كشفت وزارة الدفاع التركية، وفقا لوكالة الأناضول التركية، عن حصيلة عملية درع الربيع ضد قوات نظام الأسد، في محافظة إدلب شمال غربي سورية، وذكرت وزارة الدفاع التركية أن قواتها قامت بتحييد ثلاثة آلاف و138 عنصراً للنظام السوري، منذ بدء العملية، وأعلنت إسقاط ثلاث مقاتلات وثماني مروحيات وثلاث طائرات بدون طيار، وتدمير 151 دبابة و52 راجمة صواريخ و47 مدفعية وثماني منصات دفاع جوي للنظام السوري منذ بدء عملية درع الربيع، في مقابل مقتل جنديين تركيين، وإصابة ستة، خلال 24 ساعة، نتيجة استهدافهم من قبل قوات النظام، وهو ما أدركه بشار الأسد الذي أجرى مقابلة أخيراً مع قناة روسيا اليوم تحمل استعطافا للجانب التركي بعد العداء، وتطلب تدخلا روسيا في إنهاء عملية درع الربيع عسكريا.
ولا يصرح النظام أبدا بخسائره العسكرية منذ بدء الحرب في سورية عام 2012، لكن الفيديوهات المسرّبة تظهر سقوط الطائرات المقاتلة بشكل يومي تقريبا، كما تظهر حجم الخسائر الكبيرة للنظام والمليشيات المقاتلة معه، مثل حزب الله ومليشيا فاطميون وزينبيون اللتين تدرّبهما إيران للقتال إلى جانب النظام السوري في إدلب. ويدرك النظام حجم خسائره العسكرية الكبيرة، وبالتالي يحاول إيجاد مخرج سياسي يمكّنه من التغطية على حجم الخسائر التي مُني بها.
خطورة الوضع هنا أن الحلول المجتزأة التي أتقنتها روسيا على مدى السنوات الماضية، القائمة على إضعاف المعارضة العسكرية، وتجميعها مع بيئتها الحاضنة من المدنيين في الشمال السوري، تجنباً لقتل مئات الألوف منهم، لم تعد تفلح، فالنتيجة التي أفضت إليها هذه السياسة هي تجميع كل أولئك في الشمال السوري، على أمل أن تصمد اتفاقيات خفض التصعيد بالحد الأدنى، ويصبح الشمال، عمليا وشرعيا، خارج سيطرة حكومة نظام الأسد، ولكن يبدو أن الأسد يشعر بانتقاص شرعيته المستمرة في عدم قدرته على السيطرة على معاقل المعارضة في الشمال، بما يتيح إبقاءها جيوبا قد تتوسع باستمرار مع انخفاض الدعم، الروسي والإيراني، للنظام مع مرور الأيام.
قامت استراتيجية النظام في معركته العسكرية أخيرا على السيطرة على الطرقات الرئيسية مثل M5، والذي يربط حلب مع مدينة دمشق، فهو عمليا يربط الشمال مع الجنوب في ظل غياب 
طرق أخرى للمواصلات مثل القطار أو حركة ملاحة جوية نشطة، ولذلك يبقى هذا الطريق بمثابة صلة الوصل الرئيسية بين شمال سورية وجنوبها، وقد تمكن النظام من السيطرة عليه وانطلق بعدها في السيطرة على مدن وقرى في ريف حلب وإدلب كان أهمها معرّة النعمان وكفرنبل وسراقب قبل أن تتمكن المعارضة من إعادة السيطرة عليها بمساعدة من الجيش التركي.
لقد تمكّن النظام السوري، وخلال فترة قصيرة نسبيا، منذ بدء المعركة العسكرية على ريف حلب وإدلب، من السيطرة على أكثر من مائة مدينة وقرية كانت تحت سيطرة المعارضة المسلحة، فقد كشف هذا التقدم السريع عن حجم القوة النارّية التي تستخدمها روسيا في قصفها الجوي على هذه المناطق المأهولة بالسكان، من دون أي اعتبار أو رادع، أو حتى التزام بالقانون الإنساني الدولي في تجنب قصف المدنيين، فقد استعادت روسيا مع نظام الأسد الاستراتيجية نفسها التي اعتُمدت سابقا لدى السيطرة على حلب في عام 2016، أو الغوطة الشرقية في عام 2017، حيث يتم البدء باستهداف المشافي، وقد كشف تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز كيف استهدفت روسيا عمدا أربعة مشاف، على الرغم من علمها التام بمواقع هذه المشافي، وكونها تستخدم لأهداف إنسانية بحتة.
بعد ذلك، يستهدف سلاح الجو الروسي والسوري المدارس أو روضات الأطفال، كما جرى في سراقب، بهدف إشاعة الرعب الأقصى بين المدنيين، وإفهامهم بأنهم هدف محقق لسلاح الجو، بما يدفعهم إلى الخروج والنزوح عن المدينة بأي شكل، وهو ما يضعف معنويات المعارضة المسلحة التي لا ترى فائدةً في الدفاع عن حُطامٍ لا قيمة له.
يمكن القول إن هذه الاستراتيجية العسكرية نجحت، لأنه لم يكن هناك أية عواقب على مستوى القانون الدولي، وبسبب حضور الفيتو الدائم من روسيا في مجلس الأمن الذي يبدو مستعدا دائما لعرقلة أي مشروع قانون يدين روسيا أو النظام على أفعالهما خلال معركتهما للسيطرة على إدلب.