أربع قراءات في "الطائفية": فهم جديد ومحاولة تأسيس

27 ابريل 2018
الصورة
"صدى الصمت" عمل تركيبي لـ بشيرة التريكي بوعزيزي

عُقدت أوّل أمس الأربعاء في مقر "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في الدوحة، حلقة علمية تناولت كتاب "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة" للمفكر العربي عزمي بشارة، عُرضت ضمنها أربع قراءات في إطار سلسلة سيمنارات مشروع "التحوّل الديمقراطي ومراحل الانتقال في البلدان العربية".

في الجلسة الأولى، أكد الباحث حيدر سعيد أن"كتاب الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة" يعود إلى الخطوة التأسيسية التي تتمثّل في "تعريف الطائفة والطائفية، وتحديد مجالها وموضوعها"، مضيفاً أن "الكتاب أنجز التحرّر من المقاربة العصبوية للطائفة باعتبارها شكلاً من الروابط التقليدية، فهي تستند إلى أنماط من الروابط حديثة المنشأ، وليست القديمة منها. كما أنه تحرّر من الفهم الجوهراني للطائفة، حتى إن فُهمت بوصفها تنظيماً اجتماعياً وليس دينياً".

ويرى سعيد أن بشارة قام، في الجزء الرئيس والأوسع من الكتاب، بما يمكن تسميته مجازياً بـ "تقشير مفهوم الطائفة"، ثم الطائفية، أي التدرج في الوصول إلى تحديدها، وذلك بسلبها مما ليس هي، بتعبير المناطقة، فيَفْصِل مفهومَ "الطائفة" عن كونه مفهوماً دينياً، ويفصله عن مفاهيم الفرق والمذاهب والنحل والملل المستعملة في التراث الإسلامي، وعن مفهومَي "الإثنية" و"المجتمع الأهلي"، وعن مفهوم "الفرقة" Sect الفيبريّ، ومفهوم العصبية الخلدونيّ.

ويؤكد سعيد أن بشارة كان أوضح من غيره في الحديث عن دور العوامل الجيوستراتيجية في صناعة الطائفية والطوائف، فهو يتحدّث عن دور الصراع الصفوي العثماني في مذهبة الطائفتين الشيعيّة والسنيّة، ويوضح تضافر العوامل الداخلية والخارجية في صناعة الفضاء الطائفي الذي يولِّد الطوائف، ثم محاولة هذه الطوائف المتخيلة ترصين حدودها، في مراحل تاريخية متغايرة، ليكون استدعاؤها ميسوراً في الصراع الجيوستراتيجي. ويضيف سعيد أن "الاسترسالات المفاهيمية في الكتاب تسمح لنا باكتشاف العلاقة بين دراسة الطائفية، كما يطوّرها بشارة، وحقل دراسات فوق الوطنية".

أما الأكاديمي العراقي، نهار محمد نوري، فقد بدأ مداخلته بموضعة الكتاب ضمن الأعمال "التأسيسية" العربية، إذ يرسم المحددات المنهجية العامة لمصطلحات "الطائفة، والطائفية، والطائفة المتخيّلة" باسطاً دلالاتها وحيّزها البحثي. وبيّن تقاطعات الكتاب مع ما قدّمه عدد من الباحثين العراقيين حول المفاهيم الثلاثة، ومنهم الباحث العراقي، فنر حداد، الذي استعرض الطائفية السنيّة السياسية العراقية، وحقيقة بروزها بعد عام 2003 فقط، وكذلك الباحث العراقي حارث حسن الذي تحفّظ على وصف حكم العراق إبّان صدام حسين بالطائفية. واستشهد نوري بدراسات ترى أن الطائفية قديمة ومتجذرة اجتماعيّاً، على عكس تأكيد بشارة أنها وليدة العلمنة والعصر الحديث.

انتهى نوري إلى القول إنه، من خلال استقرائه كتاب بشارة ونموذجه الأكثر راهنية عن العراق، وجد شكلين للطائفية يمكن تشخيصهما في العراق منذ 2003؛ أولهما ما يمكن وصفه بالحس الطائفي الفردي المستتر"المُقنَّع"، وهو ملتبس التفاعل في عهود متعددة قبل عام 2003، وثانيهما ما يمكن عَدّه طائفية حزبية كانت صريحة وأكثر حدّية في العهد الذي تلا عام 2003.

وعرضت الباحثة اللبنانية هدى رزق، العديد من الأفكار التي يطرحها الكتاب، ثم جادلت بعضها. ففي شأن ما ورد من أن الدولة الحديثة غالباً ما تنشأ في إقليم لم يمثل وحدة جغرافية – سياسية وكان تأسيسها قطعاً لعلاقات أقاليم دولتها بأقاليم مجاورة لها كانت تشكّل معها وحدة جغرافية وديموغرافية، تقول رزق إن هذه المسألة ليست مسألة تاريخية باردة، فالمؤرخون غير متفقين تماماً على المعادلة التي تمَّت بين القوى المحلية والقوى الدولية التي أنتجت في النهاية الدولة المعنية، مؤكدةً وجود جملة معطيات تاريخية وسياسية واقتصادية وثقافية قامت بأدوار كبرى في تهيئة المناخ العام لهذه النشأة، منها مصلحة الدول الكبرى.

وبحسب رزق، فـ "الكتاب يرى أن الطائفية والمظلومية الطائفية لم تكن لهما الصدارة في المشرق العربي في الماضي القريب، فقد حيّدتهما تفسيرات أخرى لطبيعة الدولة وسياساتها مسنودة بأيديولوجيا غير طائفية غالباً، وعندما سنحت لها الفرصة التاريخية، أعادت إنتاج الطوائف على نحوٍ مختلف كلياً عمّا كانت عليه".

وهنا ترى رزق أنّ "الدولة الوطنية كانت مدعومة من جميع المكوّنات الاجتماعية – السياسية التي لم تلتفت إلى انتماءاتها الفرعية؛ وذلك ضمن صراع الدولة مع المستعمر، إذ كانت الأولوية للوحدة والالتفاف حول الدولة التي وعدت بالتنمية والمشاريع الاقتصادية والدفاع عن الأمة ضد الاعتداءات الخارجية".

وبدوره أكد الباحث السوري في "المركز العربي"، محمد جمال باروت، أنّ "المشرق العربي الكبير بما يشهده من صراعات هوياتية وطائفية بات أقرب إلى مختبر اجتماعي تاريخي يمكن من خلاله إنتاج نظرية متكاملة في الطائفية".

وفي الوقت الذي تسيّد فيه منظور "المجتمع الفسيفسائي" في مقاربة ظواهر الطائفية، سواء في دراسات الاجتماع والتاريخ والأنثروبولوجيا العربية أو الغربية المعاصرة، وبالخصوص في تفسير إخفاق نموذج الدولة – الأمّة، واستعصاء التحديث فيه، وتعثّر إنتاجه لمجتمع مدني حديث، يجيء طرح عزمي بشارة حول ظواهر الطائفة والطائفية والتطييف ليمثّل ما يعتبره باروت قطيعة معرفية وانعطافة تفكيكية لتلك "الشيفرة" الموجهة التي أنتجها منظور المجتمع الفسيفسائي.

ويرى باروت أن نص بشارة يضعنا أمام عملية تحليلية متكاملة تَفضُّ تعقدات العلاقة بين الطائفة والطائفية، وبين الطائفة الاجتماعية والطائفة السياسية، وبين إعادة إنتاج الطائفة في طائفة متخيلة والطائفية. وهو جهد نظري يبشر بإمكانية بناء معالم نظرية عربية في الطائفية، تشتق من تاريخية الاجتماع العربي - الإسلامي، وليس من مفاهيم قومية ماهوية.

يضع باروت الكتاب ضمن سلسلة النقد النظري العربي للطائفية التي بدأت مبكراً مع ناصيف نصار، وبلغت ذروة الاهتمام بها في خضم الحرب الأهلية اللبنانية في السبعينيات، والتي كان ياسين الحافظ أبرز من قدّم رؤى للطائفية في خلالها، وتبعه مهدي عامل وبرهان غليون وأحمد بيضون. وفي مرحلتها التي يمثلها نص بشارة، بدت ضرورة انتقال الطروحات العربية من لحظة دهشة الحدث التاريخي وصدمته، وتفسير بواعثه السياسية، إلى اشتغال أكاديمي طويل الأمد بحثاً عن نظرية عربية للطائفية. لم يدَّع بشارة خروجه بهذه النظرية، وإنما أكد أنّ عمله الشامل، الذي عبر الحقول المعرفية السوسيولوجية والتاريخية والسياسية، هو "جهد في تطوير نظرية في الطائفة والطائفية"، مشدداً على ضرورة أن تخرج المساهمة الرئيسة في هذا التنظير من منطقتنا التي تمثّل مختبراً حياً للظاهرة.

في ختام الحلقة، قدّم عزمي بشارة مداخلة أجاب فيها على الأسئلة والتساؤلات التي طرحها المشاركون والحضور، حيث أكّد على أن ما كُتب حتى الآن حول الطائفية حالات معيارية وعظية أو في حالات عديدة أخرى مساهمات أيديولوجية، لافتاً إلى أن التمييزات التي قام بها مفيدة، في شحذ وتطوير المفاهيم حول موضوع الطائفية، كما وضّح أن المفهوم يُطوّر عبر طرقه التفسيرية، وهذا بالتفاعل مع الظاهرة ومع التاريخ.