أخطاء الحكومة المصرية في مواجهة كورونا

10 مايو 2020
الصورة

تطهير سيارة إسعاف لوزارة الصحة المصرية في القاهرة (21/4/2020/Getty)

تقول الرواية الرسمية عن انتشار كورونا في مصر إن الحكومة تفعل ما عليها في ظل الإمكانات المتاحة، وإن وزارة الصحة تسبق الفيروس ومتطلبات مواجهته بخطوة أو أكثر، وإن التعويل هو على "وعي الشعب"، وإن بعض المصريين، وخصوصاً في المناطق الشعبية والفقيرة، لا يلتزمون بإجراءات الحظر الصحي، ما أدّى إلى انتشار الفيروس، والذي يتوقّع له التراجع قريباً لو التزم الناس، من دون أن يفوّت المسؤولون الفرصة، خلال أحاديثهم الإعلامية، على التهديد بتغليظ العقوبات على المخالفين للحظر الصحي.
وبعد مرور قرابة شهرين على بدء تطبيق بعض إجراءات التباعد الاجتماعي، تعيش مصر في تناقض محيّر بين الزيادة اليومية المضطردة في أعداد المصابين، والتي تخطّت أكثر من ثلاثمائة مصاب يومياً لأول مرة في الأول من مايو/ أيار الحالي، وتوجّه الحكومة إلى تخفيف إجراءات الحظر بداية من الأسبوع الأول من الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، رافعة شعارات اقتصادية، ومؤكدة أن الوضع تحت السيطرة. وذلك في ظلّ توجه حكومي إلى لوم الشعب ذاته على انتشار الفيروس، وهو ما يستدعي التوقف أمام إجراءات الحكومة المصرية، للتذكير بما تضمنته من أخطاء واضحة، تستدعي تحملها مسؤولية ما يحدث.
أولاً: تأخرت الحكومة المصرية في التعامل مع الفيروس، وإعلان إجراءات الحظر حتى منتصف مارس/ آذار، على الرغم من ظهور حالات كورونا عديدة في مصر، وخصوصاً في المناطق 
السياحية منذ منتصف شهر فبراير/ شباط. وهنا يمكن الإشارة إلى شكوى عدة دول أجنبية، كأميركا وفرنسا، من عودة مواطنيها من مصر مصابين بكورونا، كما نشرت صحف أجنبية، منها نيويورك تايمز، تقارير عن إجراءات "متناقضة" تقوم بها الحكومة المصرية في المدن السياحية كالأقصر للكشف عن مدى انتشار الفيروس، حيث تأخذ السلطات على سبيل المثال عينات عشوائية من بعض السائحين أو مقيمي أحد الفنادق قبل أن تتركهم لاستكمال جدولهم السياحي المعتاد. وقد ساهم تأخر رد فعل الحكومة المصرية وإجراءاتها المتناقضة في إعلان دول خليجية حظر رحلات الطيران القادمة من مصر منذ بداية مارس/ آذار، وقبل حوالي أسبوعين من اتخاذ الحكومة المصرية إجراءات واسعة للحد من انتشار الفيروس. وهذا يعني أن الحكومة المصرية تأخرت في اتخاذ إجراءات العزل الصحي، ما أفقدها فرصة تتبع حالات الإصابة وعزلها عندما كانت بالآحاد أو العشرات.
ثانياً: اتسمت إجراءات الحكومة المصرية في فرض الحظر الصحي والتباعد الاجتماعي بالبطء والافتقار إلى الشمولية والحسم. فقد بدأت هذه الإجراءات في 14 مارس/ آذار بإعلان وقف الدراسة أسبوعين، قبل أن تفرض مصر حظراً للطيران، وتُوقف العمل في المقاهي والمطاعم والنوادي الرياضية من السابعة مساء وحتى السادسة صباحاً بداية من 19 مارس/ آذار. أما قرار تعليق الصلاة بالمساجد والكنائس فقد تم اتخاذه في 21 مارس/ آذار، ولم تفرض مصر حظراً شاملاً للتجول المسائي إلا في 24 مارس/ آذار، مع غلق المطاعم والمقاهي والنوادي الرياضية من دون فرض حظر كلي على الوظائف غير الأساسية، كالحظر المعمول به في بعض الدول العربية والأجنبية. وهذا يعني أن الحكومة استغرقت حوالي عشرة أيام لاتخاذ إجراءات شاملة لمواجهة الوباء، وأن تلك الإجراءات لم ترتق إلى حظر شامل كالمعمول به في بعض الدول. وهي إجراءاتٌ من شأنها إتاحة مجال أكبر لانتشار الفيروس. ففي 14 مارس، يوم إعلان مصر وقف الدراسة، لم تتعد حالات الإصابة 55 حالة، وفقاً للإحصاءات الحكومية، ولكنها بلغت 243 حالة في 24 مارس، يوم إعلان الحظر الجزئي.
ثالثاً: سارعت مصر إلى تخفيف إجراءات الحظر الصحي الجزئي بعد أقل من أسبوعين من تطبيقها. ففي 8 إبريل/ نيسان أعلنت الحكومة تقليص ساعات الحظر ساعة واحدة، ليبدأ في الثامنة مساء. وسبق ذلك قرار بعودة شركات المقاولات إلى العمل بكامل طاقتها بداية من 4 إبريل، تحت ضغوط من رجال الأعمال. وفي 23 إبريل، أعلن رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، تخفيف ساعات الحظر بساعة إضافية ليبدأ من التاسعة مساء، وعودة بعض الخدمات الحكومية المتوقفة كالشهر العقاري والمحاكم. كما عبر رئيس الوزراء "عن أمله في عودة الحياة الطبيعية بحلول عيد الفطر"، في الوقت الذي عبّر فيه عن توقعات بزيادة أعداد المصابين بفيروس كورونا، وقد تتجاوز 200 يومياً. وجاءت هذه التصريحات المتناقضة قبل يومين من حلول شهر رمضان المبارك، وربما ساهمت بنبرتها المتفائلة وتخفيف إجراءات الحظر في تشجيع الناس على عدم الالتزام بالقيود المفروضة.
رابعاً: تتبع مصر استراتيجية خجولة في تعقب انتشار الفيروس، خصوصاً في ما يتعلق بعدد 
اختبارات الكشف عنه، والتي لم تتعد التسعين ألفاً حتى كتابة هذا المقال. وهذا يعني أن مصر تختبر حوالي 879 شخصاً من كل مليون مواطن، وهي نسبة منخفضة جعلت مصر تحتل الموقع 141 عالمياً وتتقدّم عليها دول أفريقية وأسيوية فقيرة ومتوسطة الحال عديدة، كأوغندا وتوغو والسنغال وباكستان. ولعل قلة عدد الاختبارات أحد الأسباب التي تفسر تراجع عدد الإصابات في مصر نسبياً حتى الآن، مع العلم أن تراجع الأعداد المعلنة، بالإضافة إلى تخفيف الحكومة بعض إجراءات الحظر تدريجياً، يشجعان المواطنين على خرق الحظر وعدم الالتزام به.
خامساً: تميزت استراتيجية الحكومة المصرية في التعامل مع الفيروس بغياب نسبي للقيادة وعدم الشفافية، فالرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، لم يخرج للحديث عن الوباء إلا مرات قليلة، كما غاب عن الظهور العلني فترة طويلة نسبياً في منتصف شهر مارس، وترك مهمة إعلان حظر التجول الجزئي لرئيس الوزراء، ولم يعقد السيسي مؤتمراً صحافياً جادّاً واحداً للإجابة عن أسئلة الصحافيين عن استراتيجية الحكومة لمواجهة الفيروس، وترك المهمة لوزرائه ولبيانات يومية تعلنها وزارة الصحة المصرية، ما أضعف من رسالة الحكومة وقدرتها على الوصول إلى الناس، وكأن الأوْلى أن يخرج الرئيس المصري للحديث عن الفيروس بشكل منتظم، أسوة بمسؤولي دول عديدة، ونظراً إلى خطورة الوباء. وللأسف تقيد مصر عمل وسائل الإعلام الحرّة والمستقلة، كما طردت الحكومة مراسلة أجنبية شكّكت في الرواية الرسمية لأعداد المصابين. ولا يعقد المسؤولون المصريون مؤتمرات صحافية جادّة، ويقتصر حديثهم على الإعلام الموالي، وكلها عوامل تضعف من رسالة الحكومة المصرية وقدرة الإعلام على التدقيق في استراتيجية الحكومة ومدى فاعلياتها، والتحذير من القصور والمخاطر.
نتيجة ما سبق تعيش مصر في الوقت الراهن مفارقة عجيبة في التعامل مع الوباء، فالحكومة المصرية لم تنتظر بداية تراجع أعداد الإصابات أو استقرارها عند مستويات منخفضة، لتعلن عن تخفيف إجراءات الحظر الصحي الجزئي، بل سارعت بذلك بعد أقل من أسبوعين من إعلانها. وبعد مرور قرابة الشهر على أول تخفيضٍ لإجراءات الحظر الجزئي أخذت تزداد الإصابات 
يومياً بأعداد أكبر، وباتت أكثر من 300 حالة في المتوسط خلال الأيام السبعة الأخيرة.
وهذا يعني أن استمرار مصر في مساعيها إلى تخفيف الحظر الصحي سوف يؤدّي إلى انتشار الوباء بشكل أوسع، مما سيهدّد حياة الناس من ناحية، وسيطيل الفترة الزمنية التي تحتاجها مصر للتعافي من الوباء من ناحية أخرى، وهي إطالة سوف تكون لها تبعات اقتصادية سلبية، فمن شأن استمرار الفيروس في الانتشار إطالة مدى أي إجراءات احترازية تفرضها الدول الأخرى تجاه مصر، فالإسراع مثلاً في تشجيع السياحة الداخلية، كما يحدث حالياً، من شأنه الإضرار بسرعة عودة السياحة الأجنبية في حالة انتشار الفيروس، ويبقى التذكير بأن كثيراً من تلك التحدّيات والمخاطر كان يمكن التقليل منها لو تعاملت مصر بشكل سريع مع الفيروس والمصابين به في المناطق السياحية في أواخر شهر فبراير/ شباط، ولو أسرعت بفرض إجراءات عزل صحية شاملة في أوائل شهر مارس/ آذار، ولو لم تتسرّع في تخفيف إجراءات الحظر في أوائل شهر إبريل/ نيسان، قبل التأكد من تراجع معدّلات انتشار الفيروس، ولو لعبت القيادة المصرية دوراً أكثر حضوراً وشفافية في استراتيجية مواجهة الوباء.