أبو ذكرى.. نهاية العالم خلف النافذة

04 نوفمبر 2014
الصورة
+ الخط -

صباح الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر 1989، وبعد أن أحرق قصائده وأوراقه، قفز الشاعر السوداني عبد الرحيم أحمد عبد الرحيم، المعروف بـ "أبو ذكرى"، من نافذة غرفته في الطابق الثالث عشر من مبنى "أكاديمية العلوم السوفييتية". حلَّق صاحب "الرحيل في الليل" لثوانٍ، مخترقاً رياح موسكو الباكرة، قبل أن يرتطم برصيف شارع "أوسترافيتيانوفا".

كان عام 1989 نهاية حقبةٍ؛ وبؤرة تحولات انتهت بأن أدار العالم ظهره لروح يسار الستينيّات، قبل أن تتمثَّل ذروة تلك النهاية بسقوط جدار برلين، بعد خمسة أيام فقط من انتحار الشاعر السوداني، المتذمِّر من البيريسترويكا. أما في السودان؛ فكانت قد مرّت أربعة أشهر على سقوط الديمقراطية للمرة الثالثة في شباك العسكر. هكذا يكون "أبو ذكرى" (1943) قد عاش شبابه مع ريعان الشيوعيّة وشبابها وانتحر مع شيخوختها وموتها.

مثَّل انتحار "أبو ذكرى" صدمة لمثقفي السودان، غطّت بعاطفيتها، كما يقول الناقد السوداني جابر حسين، على وجوب النظر إلى شعره خارج منظور هذه المأساة. وكما هو متوقع، حاول أصدقاؤه ومَن عرفوه عن قرب تفسير انتحاره، باحثين عن الأسباب التي تقف خلفه.

عن ذلك يوضح حسين أن "أبو ذكرى" بدا لكثيرين وكأنّه ظل يحمل بذور انتحاره طيّ شخصيته طوال حياته. وبحسب الناقد، يمكن تقسيم حياة الرجل إلى مرحلتين نفسيتين. ظلّ "أبو ذكرى" في المرحلة الأولى، فترة الستينيّات، محتشداً بالحياة ولم يعرف اضطراباً ولا عاش احتداماً يفضي إلى الانتحار.

أما الثانية، الممتدة من منتصف السبعينيّات وحتى الثمانينيّات، فكانت بعكس الأولى تماماً، إذ إنها السنوات التي بلغ فيها اضطرابه مبلغاً كبيراً، حتى وصل اكتئابه ذروته في عام انتحاره، حسب ما يتناقل من قابلوه تلك الأيام عنه.

ثمّة رأي مختلف، وإن كان يستبعده الكثيرون، يورده لـ "العربي الجديد" المخرج السينمائي والمنتج في قناة "الجزيرة"، وجدي كامل، نقلاً عن محمد عبد المطلب الذي زامل "أبو ذكرى" في موسكو.

يعتقد عبد المطلب أن "أبو ذكرى" لم يقفز من النافذة بل تمّ دفعه. ويبرّر عبد المطلب اعتقاده هذا بأن "أبو ذكرى" قفز بنعل حذاء واحد بينما ظلّ الآخر تحت النافذة. ويشير إلى انتشار ظاهرة إلقاء الطلاب الأفارقة من نوافذ الطوابق العليا للداخليات، في تلك الأيام، وإلى أن ذلك حدث في الداخلية المجاورة لداخلية "أبو ذكرى"، قبل يوم من رحيله.

مع ذلك، يقرّ عبد المطلب أن "أبو ذكرى" كان في الإجازات الصيفية يزور إحدى المصحات النفسية، وهو أمر أخفاه عن الناس ككثير من تفاصيل حياته الخاصة. وفي هذا السياق، يصفه وجدي كامل، الذي زامله في السنوات الأخيرة، بالمتحفّظ؛ فقلّما كان يتطرق إلى أموره الشخصية مع الآخرين: "قليل الكلام، تتحدّث بسماته ولغة عينيه أكثر من فمه، ولكنك تحس بوداعته وبساطته"، يقول وجدي.

عُرف عن "أبو ذكرى" تميّزه في الترجمة، حتى وصفه أستاذه في "أكاديمية العلوم السوفييتية"، البروفيسور شاغال، بالذكاء النادر والموهبة الرفيعة، وهو ما جعل "دار التقدم" في موسكو تختاره لترجمة "معجم المصطلحات الأدبية" من الروسية إلى العربية، إلا أنّه رحل قبل إنجاز هذا العمل.

تمثل قصيدة "الرحيل في الليل" (1973) التي يحمل ديوانه اسمها، نموذجاً لشعر "أبو ذكرى" وعوالمه. قصيدة انتشرت بصوت مغني اليسار السوداني في التسعينيّات، مصطفى سيد أحمد، وتحمل الكثير من خصائص شعره، كما تبيِّن منظاره القاتم الذي يرى به العالم.

مرّ "أبو ذكرى" سريعاً بالحزب الشيوعي السوداني. لم تمض فترة قصيرة من انتمائه إليه حتى استقال بلباقة، مبرّراً الاستقالة بـ "ظروفه الصحية غير المواتية"، وإن ظلت له مواقف مساندة لقضايا اليسار.

وحول هذه النقطة، يقول الشاعر السوداني، كمال الجزولي، الذي زامل "أبو ذكرى" إبان دراستهما في موسكو، في كتابه "أبو ذكرى: نهاية العالم خلف النافذة"، إن وجدان عبد الرحيم "لم يتعلق بثورة محددة، كما لم يراهن على نظام بعينه، غير أن التوق للثورة وفعل التغيير والنظام بمعنى الوجود المغاير ظل يحلّق بشعره صوب آفاق إنسانية شديدة الجدّة والاتساع".

يذهب الناقد جابر حسين إلى أن ولع "أبو ذكرى" بطلب الحرية، بل والنضال من أجلها، كان "في حدود وجوده الذاتي"، لذا كانت عوالمه الشعرية ذات انتماء فكري للديمقراطية والتقدم والحرية: "وحين تصرصر الأبوابُ/ حين تضمني الحجرة/ أفكرُ في الزمانِ المرّ والإنسان/ وفي وطني الحزين الدامِعُ العينينِ/ إلا من أزيزْ النارِ".

التعاطف الذي أحدثته واقعة انتحاره لم يكن وراء المكانة التي أخذتها قصيدة "أبو ذكرى" في الشعر السوداني. يقول الناقد تاج السر الحسن إن قوة القصيدة وجدّتها هما اللتان تقفان وراء مكانتها، وليس ما اكتنف حياة شاعرها من منعطفات انتهت برحيله: "مثل الخراباتِ القديمة، رحنا نسير مبعدين/ نتتبع الخالي من الطرقاتِ والظلّ المعار/ وهنا نموتُ على الرصيف بلا صديق/ من غير دار/ من غير نار/ غير المساء والبرد/ والعطش الغزير/ غير الحِصار".

ويرى الناقد السوداني، عبد القدوس الخاتم، أنه يمكن تصنيف شعر عبد الرحيم "ضمن السهل الممتنع الذي يعزُّ على نظرائه من الشعراء في هذا المنحى"، مشيراً إلى قربه من الشاعر اللبناني المهجري إيليا أبو ماضي، وافتتانه بالدقة والبساطة في أشعار بوريس باسترناك وآنا أخماتوفا وآخرين.

لكن الميزة الأبرز في أشعاره، برأي الخاتم، تتمثل بكونها "تتسم بعنف اللغة والحدّة المعنوية"، ملاحظاً أن أثر الشاعر الروسي المنتحر ماياكوفسكي يبدو جلياً في لغة "أبو ذكرى"، الذي كان قد ترجم قصيدته "غيمة في سروال" بطريقة يصفها الخاتم بالدقيقة والمتقنة.

بعد ربع قرن من موته، يظل "أبو ذكرى" حتى اليوم مرجعاً حميماً وغنياً لقرّاء الشعر ونقّاده، هو الذي لا يزال، كما تقول قصيدته، "ينْتَظِرُ البَعْثَ كُلَّ مَساء".

المساهمون