آيسلندا السوداء والأدب البوليسي

06 يناير 2015
الصورة
+ الخط -
أثناء غزواته البحرية التي امتدّت من المانش إلى المتوسط، سيطر هاستين على مدينة لونا الإيطالية في القرن التاسع. ماكرة كانت خدعته، تقول إحدى الحكايات. محمولاً على أكتاف رجاله الفايكينغ، خاطب حرّاس المدينة قائلاً إنه يحتضر ويرغب في اعتناق المسيحية قبل أن يموت. وما إن شرّعت المدينة بوابتها، حتى اقتحمها واستباحها وأحرقها، معتقداً أنه قد استولى على روما.
في القرن العاشر، بصحبة صيادي الفقمة والحيتان، أبحر المنفيّ إريك الأحمر شمالاً وغرباً، إلى أن صادف في الشفق القطبي أناساً يترجلون عن قواربهم المصنوعة من الجلد؛ كانوا سُمراً ويبدون مرضى، عيونهم كبيرة وخدودهم عريضة. لم يدرك الإيسلنديون ولا الإسكيمو أن تلك اللحظة تاريخية، في اللقاء بين أوروبا وشمال أميركا. في رحلة منفاه أطلق إريك الأحمر اسم غرينلاند (الأرض الخضراء) على الجزيرة المقفرة التي اكتشفها، لأن الناس يريدون اسماً جذّاباً. يذكر بورخيس أن الإيسلنديين قد اكتشفوا فنّ الرواية خلال القرن الثاني عشر في مروياتهم النثرية التي تعجّ بالشخصيات المعروفة باسم "الساغا"، وكان هذا الاكتشاف سرّياً، ولم يثمر عن شيء بالنسبة إلى اقتصاد العالم، شأنه شأن اكتشافهم لأميركا قبل كولومبوس. في القرن الثالث عشر، كتب الإيسلندي سنوري ستورلوسن سير ملوك الشمال. في ضخامة وروعة ما جمعه من قصص وأساطير في مخطوطات "الإيدا"، ما من إشارة إلى أية إمبراطورية، إذ لم تكن غزوات الفايكينغ باسم إمبراطور أو ملك أو إله أو ديانة. كانوا أفراداً فحسب، وربما لهذا السبب يبدون أطيافاً عبرت الوجود من دون أثر، كأنهم نُسجوا من الأحلام إذا استعرنا عبارة شكسبير.
شغف و. هـ. أودن بآيسلندا، عشق الأساطير الإسكندنافية التي عرفها منذ صباه أكثر من أساطير الإغريق. شغف خصوصاً بملاحم الساغا القروسطية، وشارك في كتابة "رسائل من آيسلندا" سنة 1936؛ كثير من رسائله مصاغة شعراً، وهي موجهة إلى أصدقائه في بريطانيا وإلى اللورد بايرون وآخرين أحياء وموتى، ويصف فيها رحلته إلى الجزيرة التي ظلّ يحنّ إلى عزلتها عن أوروبا، حيث تقطن أصغر الأمم التي تتمتع بملذات الهامشية، وتكابد قلقها داخل إرثٍ ثقافي غني، ولا أحد أمياً بين أهلها الثلاثمئة ألف. في الرحلة الآيسلندية نفسها كتب أودن قصيدة "قصّة بوليسية"، وقال إنه قد كتبها متسائلاً لماذا يقرأ الناس هذا النوع من القصص، ثم ذكر في تأويل مسيحي- فرويدي: "إن السعادة تسدّد ثمن خسران السعادة، ونحن جميعاً بشكلٍ من الأشكال متورطون في جريمة ذبح سعادتنا، ونحن جميعاً بطريقةٍ ما مذنبون". كان أدب الجريمة رائجاً في آيسلندا آنذاك أيضاً، وهو حالياً الأكثر رواجاً في أوروبا، على الرغم من أخذ كتّابها على محمل الخفّة والتسلية غالباً، واعتبارهم مجرد كتاب تشويق وإثارة. 
"آيسلندا السوداء" هو اسم المهرجان السنوي المخصص لأدب الجريمة في العاصمة ركيافيك. القصّة البوليسية التي كتبها في البداية إدغار ألن بو وتوّجها تشسترتن استطالت بمرور الوقت وتشعّبت إلى روايات، تشربت قصصها في عصرنا الحالي كوابيس العنف والجنس والتكنولوجيا، وصارت أقربَ إلى الخيال العلمي أحياناً. استُهلكت القصّة البوليسية مثلما استهلكت هوليود أساطير الفايكينغ. التوتر كامنٌ تحت سطح مجتمع متعدّد الثقافات في الجزيرة الوادعة: قد نقرأ في رواية عن صبي أسود يقتل في ركيافيك، ثم تزخر صفحات هذه الرواية أو تلك بوصف موسيقى الروك وألعاب الفيديو الوحشية والوجبات السريعة، أو نقرأ عن جريمة قتل في منتجعٍ صحي مياهه دافئة طوال العام، أو نقرأ عن جثّة تحت طبقات من الثلج ورماد البراكين التي يزورها السياح، وهم يصورون البحيرات الزرق والجليد الطافي حول بركان هيغلا معطّل الطيران في أوروبا منذ سنين.
الأمر مختلف في العالم العربي. عزف الروائيون العرب عن الأدب البوليسي، ما عدا استثناءات قليلة آخرها رواية "الفيل الأزرق" لأحمد مراد. حفلت روايات نجيب محفوظ على سبيل المثال بالعديد من الجرائم، في تناول تحليلي أقرب إلى "الجريمة والعقاب". لكن القتل هو القتل في القصّة البوليسية التي لا تأبه عادةً بمعنى العدالة أو تحققها، ولا تعنى بدوافع الجريمة، فهي ليست أمثولة أخلاقية في تأمّل الخير والشر ومعانيهما، لأن الأهمّ هو المتعة والخيال وذكاء الحبكة. الأهمّ هو لذّة القراءة التي يهدّدها البحث الدائم عن معنى. كانت القصّة البوليسية مسرّة ذهنية، احتفاء وجيزاً ومحدوداً بالنظام في فوضى العالم.

المساهمون