"ورطة" الاتحاد الأوروبي مع الهجوم التركي شمالي سورية: العقوبات سيف ذو حدّين

14 أكتوبر 2019
الصورة
انحسار خيارات بروكسل في مواجهة تركيا (جاك ويت/فرانس برس)
كانت ألمانيا وهولندا سبّاقتين إلى انتقاد التدخل التركي في سورية، وإلى الإقدام على حظر بعض مبيعات الأسلحة إلى الحليف الأطلسي، وما لبثت فرنسا أن لحقت بهما، وقررت حظر بيع بعض الأسلحة بدورها.

وعلى الرغم من أن فرنسا لم تكن المُبادِرة في مواجهة الأتراك، إلا أنها الأكثر تشددا في رفض أي تدخل تركي في سورية، فهي إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية تحتفظ في شمال شرقي سورية بوجود عسكري ومدني، ولا شك أن الهجوم التركي، وتوغله إلى مسافات عميقة في سورية، وقرار أميركا سحب بعض قواتها، نحو ما يقرب من 1000 عسكري، يُربك الوجودَ الفرنسي ويضعه في وضع سيئ.

يذكر، في هذا الصدد، أن فرنسا تحتفظ ببضع عشرات من جنودها، ينسقون بشكل وثيق مع القوات الكردية. كما أنه ليس خَافيا على أحد أن دور القوات الفرنسية هناك هو تصفية "الجهاديين الفرنسيين" في أرض المعركة، أو اعتقالهم ثم تسليمهم للعراق، من أجل محاكمتهم وفق القانون العراقي، وأيضا، وبدرجة ثالثة، تسلّم بعض "أطفال الجهاديين الفرنسيين"، ولكن في إطار محدود، أي تسلم الأيتام، وبموافقة من أمهاتهن.

ولا شك أن الهجوم التركي والتصريحات الكردية عن فرار بعض مقاتلي "داعش"، بخاصة الدوليين، يقلق السلطات الفرنسية، ويُضعف سياستها في مكافحة الإرهاب و"تحييد" مواطنيها منهم، بل ويهدد التراب الوطني، حيث إن باريس قررت تعزيز الأمن الداخلي. 

كما أن فرار هؤلاء "الداعشيين" قد يُعزّز التنظيم الإرهابي من جديد، وإنَّ منعَ عودة "داعش" إلى المنطقة يظَلّ في رأي الإليزيه "أولوية مطلقة". 

إضافة إلى أن قلق باريس يتعاظم من تقارب المليشيات الكردية مع نظام دمشق، والذي قد يؤدي إلى تسلم نظام بشار الأسد لبعض هؤلاء المتشددين، وبالتالي قد يستخدمهم كورقة ضغط وابتزاز ضد الدول الغربية، وضد الرأي العام فيها.  

وفي ظل غياب دعم لوجستي أميركي، فإن فرنسا لن تجد بدّا من مغادرة المنطقة، وهو ما لن تغفره لنظام أنقرة.  

ولكنّ الأمر ليس وليد اليوم، فعلاقات فرنسا، منذ فترة طويلة، وثيقة بالأكراد، من أيام زوجة فرانسوا ميتران، ولم يشذ الأمر بعد ذلك، وفي مختلف الحكومات. بل إن اللوبي الكردي، الذي يتزعمه في فرنسا برنار هنري لوبي، يشتغل بقوة، ويشاكس كل رؤساء الجمهورية الفرنسيين.

وفي هذا الإطار، استقبل الرئيس إيمانويل ماكرون، يوم 19 إبريل/ نيسان الماضي، وفداً كردياً سوريّاً، ووعدهم بـ"الدعم الفرنسي النشيط"، وضمنه دعم ماليّ، من أجل "مواجهة المتشددين"، وهو استقبالٌ دبلوماسيٌّ أثارَ حفيظة المسؤولين الأتراك، واعتبروه دعما لـ"إرهاب العمال الكردستاني".

والمثير للانتباه، وهو شيء نادرٌ في البلد، هو أن الموقف الرسمي من تركيا، الآن، يدعمه موقف شعبي وحزبي ضاغط، من اليمين المتطرف إلى اليسار المتطرف، المؤيدين لنظام الأسد.

وقد تميز موقف رئيس "فرنسا غير الخاضعة"، جان لوك ميلانشون، بِحثّه فرنسا على "دعم" ما سماه "الجيش السوري"، الذي أرسل قواته إلى الشمال من أجل "مواجهة الاعتداء" التركي.  

ولأن السياسة تختلط بالرياضة، حتى في الدول الديمقراطية، وجَّه العديد من الساسة الفرنسيين دعوة لإلغاء مباراة كرة القدم، التي تندرج في إقصائيات يورو 2020، التي تجمع اليوم المنتخب الفرنسي بضيفه التركي. 

وتميز من بين هؤلاء الساسة زعيم حزب "الاتحاد الديمقراطي للمستقلين"، جان كريستوف لاغارد، مغردا: "لا يمكن أن نستقبل من يوجّهون التحية للمجزرة التي يتعرض لها حلفاؤنا الأكراد". وهو موقف قريب من موقف جوردان بارديلا، نائب رئيس حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، الذي يطالب بـ"إلغاء المباراة"، وأيضا من موقف رئيسته مارين لوبان، التي اعتبرت أن "الفريق التركي سخر من قيم الرياضة"، بسبب دعمه للجيش التركي. 

ولم يتخلف القيادي في "الجمهوريون"، اليميني إيريك سيوتي، داعيا لوقف المباراة، لـ"أسباب أمنية"، بسبب حضور مشجعين أتراك.

ولم يخرج من صفوف المنادين بإلغاء المباراة سوى مارك فيسنو، وزير العلاقات مع البرلمان، الذي دعا إلى إبعاد الرياضة عن الصراعات الدولية.

ما الذي تستطيع فرنسا وبروكسل فعله لمواجهة الأتراك؟

لم يعد انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي وارداً، في الفترة القصيرة والمتوسطة على الأقل، ويبدو أن الأتراك قد يئسوا من الأمر. وفي هذا الصدد لن يكون للرئيس ماكرون ما يُهدّد به تركيا في هذا الملف.

وقد كشف ماكرون عن أنه ليس متحمسا على الإطلاق لرؤية تركيا في الاتحاد الأوروبي، وهو ما أكده لنظيره التركي رجب طيب أردوغان أثناء زيارته لباريس في 5 يناير/ كانون الثاني 2018، من خلال اقتراحه "شراكة" مع الاتحاد الأوروبي: بقوله: "يجب أن ننظر إذا كان بمستطاعنا إعادة التفكير في هذه العلاقة، ليس في إطار مسار الاندماج، ولكن، ربما، في إطار تعاون وشراكة لها غاية، وهي الحفاظ على تثبيت تركيا والشعب التركي في أوروبا، وجعل مستقبله يتشَكَّل من خلال النظر إلى أوروبا ومع أوروبا"، مُشدّدا على أن ما وقع في تركيا بعد إجهاض العملية الانقلابية "لا يسمح بأي تقدم في مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي".

يبقى سلاح العقوبات هو ما في المتناول، إلا أنه سلاح ذو حدين؛ فتركيا تملك أوراقا رابحة كثيرة، منها سلاح ما يقرب من 4 ملايين لاجئ سوري قد تسمح لهم بالخروج، من جديد، لاختبار "الأريحية الأوروبية"، وهو ما قد يعصف بالاتحاد الأوروبي. وقد هدد الرئيس التركي بالأمر.

كما أن ثمة مخاطر من دفع الحليف الأطلسي، الذي أبلى بلاء حسنا أثناء الحرب الباردة، للتفكير في الخروج من الحلف، مع مخاطر تحوله نحو شقه الآسيوي ونحو التحالف مع الروس. وإذا كان الغربيون، وعلى الخصوص فرنسا، والرئيس ماكرون، يريدون، كما يصرح الرئيس الفرنسي بذلك، إخراج روسيا بوتين من حضن التنين الصيني، فإنه سيكون صعباً إضافة العبء التركي، الذي لن يجد حَرَجاً، بعد شراء أنظمة الدفاع الجوي من موسكو، من التحالف مع الروس، وأيضا في ولوج "طريق الحرير الباذخة".​