"هومو دوميستيكوس"

11 يونيو 2019
الصورة
في كتابه الذي يحمل العنوان أعلاه، هومو دوميستيكوس (Homo Domesticus)، أي الإنسان المدجِّن إذا صحّ التعبير، يقلب أستاذُ العلوم السياسية والأنثروبولوجيا في جامعة يال، في الولايات المتحدة الأميركية، جايمس س. سكوت، عدداً من المسلَّمات السائدة والأفكار الشائعة حول كيفية نشوء الدول الأولى في العالم القديم، وكيفية انتقال الإنسان من صيّاد قطّاف إلى مزارعٍ راعٍ، بالاستناد إلى بحوث واكتشافات في علم الآثار تكشف خطأ كثيرٍ من ثوابتنا المتعلّقة بتاريخ تطوّر البشرية.
تروي القصة أن البشر عرفوا الاستقرار، واخترعوا الزراعة، استجابة لحاجات أعدادهم المتزايدة، ثم انبثقت الدولة ضرورةً لتنظيم المجتمع متزايد السكان والتعقيد. بيد أن سكوت يخبرنا أن هذه "الرواية الحضارية الكبرى" مغلوطة كلياً، وينبغي التخلّي عنها، نظرًا لما تكوّن ضدّها من إثباتات واكتشافات أركيولوجية معاكسة، وتحديداً في بلاد ما بين النهرين، وفي النصف الثاني من الألفية الرابعة ما قبل المسيح، فالاستقرار والحضرية سبقا بفترة طويلة بداية الزراعة، بل شهدت المناطق الثرية بالمياه من بلاد ما بين النهرين ولادة الدول الأولى، بسبب وفرة الموارد الغذائية وتنوّعها، وهو ما أدى إلى استقرار الصيّادين القطّافين وتجمّعهم في قرى، لعدم حاجتهم إلى التنقّل لتأمين طعامهم. ومعناه أن الزراعة لم تكن حدثا حصل مرة أولى ونهائية، بل هو مسارٌ طويل الأمد، عمره آلاف السنين، وقد وُجدت آثارُ بعض الزراعات التي كانت تظهر، ثم تختفي، متعايشةً مع أشكال تحصيل قوتٍ أخرى.
هذا ويُظهر سكوت في كتابه المليء بالمراجع والبراهين الجدّية أن البشر آنذاك، وعلى عكس اعتقاداتنا، قاوموا وناضلوا وبذلوا أقصى ما استطاعوا، لكي لا يرتبطوا بالزراعة التي كانوا يرون إليها نشاطاً مُتعباً وغير مثمر، مقارنةً بوسائل الصيد البري والمائي وجمع الثمار العديدة التي كانت متوفرة في تلك المنطقة الخيّرة الخصبة. وكذلك كان الأمر بالنسبة لتربية الحيوانات وتدجينها، فهو كان يظهر ويختفي، بحسب احتياجات الحقب المختلفة. الأهمّ من ذلك كله، أنه بعد الحضرية والزراعة وتكوّن المجتمعات، لم يؤدّ الأمر مباشرة إلى نشوء المجتمع ــ الدولة، وخصوصاً أنّ تشكّل المجتمعات الزراعية/ الراعية التي تُنسب إليها بدايةُ الحضارة، تطلّب نحو أربعة آلاف عام!
في الجزء الثاني من الكتاب، عمد جيمس س. سكوت إلى شرح كيفية عمل الدول الأولى (هي بالأحرى مدن/ دول)، ونوعية العلاقات في ما بينها، ومعظمها قائمٌ على التنافس، وشنّ حروب هدفها الفوز بالأسرى، لا الاستيلاء على الأراضي، وتدمير الدولة نهائيا. وما يشدّ الانتباه أن ما كان يجري في بلاد ما بين النهرين تزامن أيضا مع أحداثٍ شبيهة وقعت في الصين، والحوض الأبيض المتوسط، وأميركا الوسطى. هكذا، كانت تتكوّن دولٌ لا تلبث أن تختفي بعد قرون، أو بعد عقود، أو بعد سنوات، ما كان يؤدي إلى تبعثر سكّانها واجتماعهم في قرىً صغيرة، أو عودتهم إلى طرق عيشهم السابقة، صيادين قطّافين.
والحال أن العيش في مدن/ دول لم يكن البتة رديفا للرغد والسعادة والوفرة، بل على العكس، يقول لنا سكوت، لأنّ "من مهام الدولة الأولى تثبيت السكّان حول نقطة مركزية، بالقوة، وأيضا تجميع فائض المواد الغذائية، الحبوب تحديدا، وتخصيصها لأقليّة نخبوية غير منتجة (قادة، كهنة، جنود، إلخ)". قبل ظهور الدول، لم يكن هناك أثرٌ لفروقات مهمة أو لعدم مساواة، وذلك حتى داخل المجتمعات المكتظّة شديدة التعقيد. "من الجليّ إذاً أن عددا من البرابرة لم يكونوا بدائيين متخلّفين أو مهمّشين، وإنما بالأحرى لاجئين سياسيين واقتصاديين شرّدوا نحو الأطراف هربا من الفقر، من الضريبة والعبودية والحروب المتصلة بوجود الدولة".
منذ أربعة قرون لا أكثر، كان ثلث البشرية فقط يعيش في دول...

دلالات

تعليق: