"نوّرت بلدك"... مبادرة حكومية مصرية تبيع الوهم

26 يونيو 2020
الصورة
المبادرة لا تتفق مع الواقع (فرانس برس)
+ الخط -
أثار إعلان وزارة الهجرة المصرية عن مبادرة للعائدين من الخارج تحت مسمى "نوّرت بلدك" بهدف توفير فرص ‏عمل، أو دعمهم عن طريق جهاز المشروعات الصغيرة ‏والمتوسطة، عددًا من ردود الأفعال من جانب المعنيين بسوق العمالة المصري، إذ أجمعوا على أنها مبادرة للاستهلاك الإعلامي "لقطة".
ويؤكد مسؤول بالشعبة العامة لإلحاق العمالة المصرية بالخارج باتحاد الغرف التجارية، ‏أن هذه المبادرة لا تتفق مع الواقع، فهي "لقطة" للاستهلاك ‏الإعلامي ضمن سلسلة التصريحات الرسمية، التي يخرج بها ‏المسؤولون، والتي ليس لها أرضية في الواقع.‏
ولفت في تصريحات خاصة لـ"العربي الجديد" إلى هناك على ‏سبيل المثال 400 شركة لإلحاق العمالة المصرية بالخارج، في ‏محافظة الجيزة وحدها (جنوب القاهرة)، انقطعت مواردها في ‏ظل أزمة كورونا، ومع ذلك فشلت غرفة الجيزة في التفاوض مع ‏الجهات الرسمية في الحصول على أي دعم لموظفي مثل هذه ‏الشركات.‏
ويتفق أحمد ذكرالله، الخبير الاقتصادي، هو الآخر على ‏أن مثل هذه المبادرة بشقيها، غير قابلة للتطبيق على أرض ‏الواقع، فهي  مبادرة وهمية للاستهلاك المحلي، لا تسمن ولا ‏تغني من جوع.‏
ويدلل ذكرالله على وجهة نظره بالقول، إن هذه المبادرة لها ‏شقان، الأول، استيعاب العائدين من الخارج في المشروعات ‏القومية، فما هي آلية التنفيذ؟ على أرض الواقع في ظل بطالة ‏مرتفعة أصلًا من قبل تفشي جائحة كورونا، وهذا ما كشف عنه مؤشر ‏المشتريات الصادر عن بنك دبي- الإمارات من تباطؤ في نمو ‏القطاع الخاص غير النفطي في مصر خلال العامين الماضيين، ‏ولذلك فالشق الأول من المبادرة، لا يمكن تنفيذه على أرض ‏الواقع.‏
ويضيف ذكرالله: أما الشق الثاني من المبادرة حول دعم العائدين ‏من الخارج من قبل جهاز المشروعات الصغيرة، والمتوسطة، ‏بفائدة منخفضة 4%، فقد تسرب من أمول الجهاز أكثر ‏من 150 مليار جنيه، ذهبت إلى الشركات الكبيرة عن طريق ‏تأسيس شركات متوسطة باسمها، واعترف بذلك البنك المركزي ‏المصري.
ويقول إسماعيل تركي، مستشار وزير التموين الأسبق، هذه المبادرة هي نوع من بيع الوهم، بهدف دغدغة المشاعر، فأين هي فرص العمل التي توفرها في الدولة؟ في الوقت الذي تريد فيه تخفيض العمالة في الجهاز الإداري من 5 ملايين إلى مليون شخص، بالإضافة إلى عرض شركات قطاع الأعمال للبيع في البورصة، وهو ما يعني عدم التزام المشترين بالحفاظ على العمالة، والقطاع الخاص هو الآخر يعاني من حالة انكماش، مما أدى إلى زيادة معدلات البطالة على أرض الواقع.
ويتابع: "أما دعمهم عن طريق جهاز المشروعات الصغيرة بقروض ميسرة، فقد ثبت فشل هذه المنظومة، ومدينة الأثاث بدمياط خير مثال، والتي تعثر أصحابها في تصريف منتجاتهم وأغلقوا ورشهم".
ويرى عبدالنبي عبدالمطلب، الباحث في الشؤون ‏الاقتصادية، أنه رغم ارتفاع معدل البطالة إلى 9.2% نهاية إبريل‏‏/ نيسان مقابل 7.7% في نهاية مارس/ آذار الماضي، طبقًا ‏لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، إلا أن الواقع يشير إلى أن ‏المعدلات أكثر من ذلك بكثير.‏
ويوضح أن شق المبادرة الأول من استيعاب العائدين من الخارج ‏في المشروعات القومية، غير واقعي، وإلًا لوكان هناك فرص ‏عمل حقيقية، لبحث عنها من فقدوا أعمالهم بسبب جائحة كورونا، بحسب قوله.‏
ويشير إلى أن مسألة دعمهم عن طريق جهاز المشروعات ‏المتوسطة والصغيرة، فلن يستفيد من ذلك سوى من يملكون ‏بعض المدخرات، أو الضمانات التي تشجع القطاع المصرفي ‏على تقديم التمويل لهم، أما العمالة الفقيرة فوضعها لن يتحسن ‏بسهولة، وسوف تقل فرص استفادتها من هذه المبادرة‎.‎
وكانت  وزارة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج، أعلنت ‏عن تشكيل فريق عمل بالتعاون مع ووزارة التخطيط والتنمية ‏الاقتصادية، لحصر كافة بيانات العائدين عقب استكمالها باستمارة ‏‏"نورت بلدك"، تمهيدا لاستيعاب تلك العمالة في المشروعات ‏القومية‎.‎
وأوضحت الوزارة في بيان لها أن الدعم سيتم من خلال مسارين‏، الأول، من خلال جهاز تنمية المشروعات الصغيرة ‏والمتوسطة ومتناهية الصغر، والآخر، توفير فرص عمل لهم.‏
ولفتت الوزارة إلى أن فكرة توزيع استمارة "نوّرت بلدك" ‏للعائدين من الخارج، هدفت لمعرفة المعلومات الرئيسية عن ‏العائد وحرفته، مشيرة إلى أنه سيتم توظيف تلك البيانات التي تم ‏تجميعها لتستطيع الدولة استيعاب تلك العمالة وتوفير فرص ‏حقيقية لهم في وطنهم‎.‎
ويقدر عدد المصريين بالخارج بنحو 9.4 ملايين، منهم 6.2 ملايين مصري بالمنطقة ‏العربية بنسبة 65% حتى نهاية 2016، وذلك طبقًا لآخر أحصاء رسمي صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وأظهرت بيانات البنك المركزي ارتفاع تحويلات العمالة ‏المصرية بالخارج خلال 2019  بنحو 1.3 مليار دولار مسجلة ‏‏26.8 مليار دولار، مقابل 25.5 مليار دولار خلال ‏‏2018 بنسبة نمو 5%، فيما توقع تقرير للبنك الدولي أن ‏تتراجع تحويلات العاملين المصريين في الخارج بنسبة 21.5% ‏خلال العام الجاري نتيجة تباطؤ الاقتصاد العالمي جراء جائحة ‏كورونا، بجانب تأثير انخفاض أسعار البترول في دول الخليج.‏