"كتّاب فلسطين": متلازمة الاستبداد والعمى السياسي

22 ديسمبر 2019
الصورة
("كل ما تبقى" للفنان الفلسطيني ستيف سابيلا)

كرّس النظام السوري خلال أكثر من خمسين عاماً من حكم "حزب البعث" رواية وحيدة حول تأسيس "اتحاد الكتّاب العرب في سورية" تعود إلى عام 1969، برعاية ودعم رسميين، في إقصاء تام لجميع الروابط والاتحادات والنوادي التي تأسّست قبل ذلك التاريخ بنحو خمسة عقود، وأوقف عملها لأسباب مختلفة.

وميّز هذا الاتحاد نفسه عن بقية الاتحادات العربية، بأنه لم ينتسب إلى اسم البلد الذي أنشئ فيها بل جعله فضاءً مفتوحاً أمام جميع الكتّاب العرب ليكونوا أعضاء فيه، وفي ذلك مفارفة كبرى فمعظم الكتّاب السوريين الذين حملوا توجهات مستقلة أو معارضة كانوا خارجه مثل عبد السلام العجيلي وبو علي ياسين وإلياس مرقص، ولم يعد لهذا الكيان أية فاعلية بمعزل عن السلطة التي تمثّله.

ربما لم تكن وقائع السنوات الثماني الماضية بما عاشته سورية من قتل وتدمير ممنهجين على يد نظامها وبقية الأطراف التي قاتلت على أرضها، سبباً أساسياً في عدم الالتفات إلى تلك الاحتفالية التي نُظّمت منذ أيام بمناسبة مرور خمسين عاماً على تأسيس الاتحاد، بل أن هذا الاتحاد، مثل اتحادات عربية أخرى، فقَد شرعيته بعد أن أقصى كلّ من يخالفون توجّهاته منذ أكثر من ثلاثة عقود، ولم يعد يعني سوى حوالي ألف عضو لا يُعرف عن نتاجاتهم أو أنشطتهم خارج أروقته.

الاحتفالية التي أقيمت الإثنين الماضي، شارك فيها رئيس "اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية"؛ الجسم الآخر الذي تمّت إعادته بعد أربعة وعشرين عاماً على توقّفه في مؤتمر انعقد في القاهرة أواخر عام 2012، من أجل المشاركة في هكذا احتفاليات أو إصدار بيانات تتسق مع سياسات النظام المصري.

وبحسب وسائل إعلام، ألقى "الأمين العام اتحاد كتاب فلسطين"، مراد السوداني، "كلمة الوفود المشاركة"، اعتبر فيها أن "دمشق والقدس تشكّلان ثقافة واحدة تدلّ على مواجهة محاولات التفكيك والهيمنة الأميركية والصهيونية والرجعية".

الإصرار على "مواجهة الهيمنة" من قِيل أنظمة وحكومات وهيئات تحتكر السلطة (وجه الشبه الرئيس بين اتحاد كتاب فلسطين واتحاد الكتاب العرب في سورية)، هي لازمة لم تتغير رغم كل المآسي والكوارث والعبث الذي قادت إليه هذه الشعارات منذ هزيمة حزيران/ يونيو 1967 وحتى اليوم، في تجاهل تام إلى كلّ هذا الخراب المحيط بنا، وأن "الهيمنة الأميركية والصهيونية والرجعية" التي يدعيان مواجهتها يزداد إطباقها على الواقع العربي.

بالطبع، فإن إدارة الاتحاد ممثلة بالسوداني تواصل تجاهلها لجميع المعترضين، ليس على زيارة دمشق وادعاء تمثيل الكتاب الفلسطينيين هناك فحسب، إنما على شرعية وجودها أساساً إثر الأزمة المستمرة منذ أعوام، والتي قادت إلى استقالات متتالية لعدد من أعضاء الاتحاد احتجاحاً على ما اعتبروه "تعطيل الخيار الديمقراطي، والمماطلة، والتسويف في إجراء الانتخابات الخاصة بالاتحاد".

وكما أدينت مشاركة "اتحاد كتاب فلسطين" في اجتماع المكتب الدائم لـ"الاتّحاد العامّ للكتّاب والأدباء العرب" في كانون الثاني/ يناير 2018، فقد قوبلت المشاركة الأخيرة بالاستنكار والإدانة كان أبرزها صدور بيان رقم (1) من "جبهة الرفض الثقافية".

وجاء في نص البيان أن الجبهة المكونة من كتّاب فلسطينيين مستقلين "تدين زيارة أمين عام اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين -غير المنتخب- ومن يرافقه من أعضاء الأمانة العامة ومناصري الاستبداد ومُتثاقفي السلطات الكريهة، لعاصمة الأمة السورية وبلاد الشام: دمشق، واجتماعهم برموز النظام السوري وأبواق القتل والتعالي على آلام وجراح الشعب السوري كلّهِ؛ بِمُعارضته ومُوالاته وجميع أطيافه في الداخل المذبوح والمنافي التغريبيّة على حد سواء".

وأكد البيان أن" هذا الاجتماع لا يُمثّل إلا من حضره، ولا يمثّل أعضاء الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، ولا يُعبّر عن الثقافة الفلسطينية الحرّة ومُثقّفي فلسطين الأحرار".

وذكّرت "جبهة الرفض" بأنّ "انتخابات الاتحاد الصُورية التي عُقدت مؤخرًا، تم الالتفاف على إرادتها، وجرى التآمر عليها لتصعيدِ ثلّة من الكتّاب المفتقدين للشرعية والكفاءة والحد الأدنى من الأهليّة الفِكريّة والكتابيّة والثقافيّة".

وأضافت "من المؤسف، أيضًا، أن عددًا من خاطفي الاتحاد، والمتحكمين به دون وجه حق، يعملون تحت مسميات وظيفية رسمية في وزارة الثقافة الفلسطينية، ويمارسون أفعالًا مشينة بحق الثقافة والمثقفين والعاملين في الحقل الثقافي: الرسمي وغير الرسمي، علاوةً على الفساد المُتمثل بتفعيل جائزة اللوتس، والتجاوزات القانونية في رئاسة المجلس الإداري للاتحاد، والعبث بهيكليات وزارة الثقافة، والتعسّف المستمر بعدد من إداراتها العامة وموظفيها المشهود لهم بالاقتدار والكفاءة، وتجاوز برامجها وتبديد الناجز منها، وتنظيم فعاليات بائسة مثل "مؤتمر فلسطين الكنعانية" دون قراءة تاريخية وسياسية وثقافية حقيقية، واستضافات اعتمدت على الارتجال والتعميم لأفكار الرداءة، بالإضافة إلى خداع الشباب والأصوات الجديدة "بملتقى إبداعي" لا علاقة له بالإبداع".

وأوصى البيان بـ" تنحية الأمين العام لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، واستقالة/إقالة أعضاء الأمانة العامة للاتحاد، وبدء التحضير لاستقالة أعضاء الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين على نحو جَماعيّ في حال بقاء الأمانة العامة الحالية، ومقاطعة وزارة الثقافة الفلسطينية، وعدم المشاركة في فعالياتها الارتجالية، ونشاطاتها المفتقدة للرؤية العامّة، والأداء المهني، والمُؤدّى الثقافي المدروس، رفض كل أشكال الوصاية والاستبداد والأبويّة والاتجار بالأوهام".

إذا كان الاتحاد قد شكّل منذ تأسيسه حصيلة تمثيل فصائل "منظّمة التحرير الفلسطينية"، وفق معادلة أبقت الثقافي تابعاً للسياسي، فإنه يجدر التنبه إلى أن جزءاً من الاعتراض على هذه الصيغة قد يقع في فخ "التسييس" مجدداً، ليس على أسس فصائلية، مثلما كان يقع سابقاً، إنما في إطار التنافس بين قوى داخل السلطة الفلسطينية.