"فريندز" وصحوة هوليوود... فخ الصوابية السياسية

14 يوليو 2020
الصورة
اتُّهم المسلسل بالعنصرية ومعاداة المثلية (نتفليكس)

انطلق عرض مسلسل "فريندز"  Friends على قناة "أن بي سي" NBC في سبتمبر/أيلول من عام 1994، وانتهى في مايو/أيار من عام 2004، على خُطى مُسلسل "ساينفيلد" Seinfeld، وتاركًا وراءه إرث عشر سنوات مع جيل التسعينيات والأجيال اللاحقة؛ إرث تلفزيوني كبير، وأرباح هائلة لممثليه، الذين وصلت أجورهم إلى مليون دولار لكل ممثل مقابل كل حلقة في الموسم الأخير. بعد انتهاء المُسلسل، استمرت الأرباح بالتدفق عبر بيع الأشرطة ثم الأسطوانات، لكن مع عصر شركات البث، كان لا بد لهذا العمل، أن يكون على إحداها.

في الأول من يناير/كانون الثاني عام 2015، بدأت شبكة "نتفليكس" بعرض مسلسل Friends لأول مرة، وبعد ثلاثةِ أعوام، شكّل العمل 4% من إجمالي ساعات المُشاهدة للجمهور في 2018. عُندما سُئِل المخرج وصانع الأفلام، تود فيليبس، عن تحوله من صناعة أفلام الكوميديا مثل The Hangover إلى أفلام مثل Joker، أجابَ مُهاجمًا التيارات السياسية المُتحاربة وتيارات الصوابية السياسية في الولايات المتحدة الأميركية والعالم، وقال إن مثل هذه التيارات وتيار Woke جعل الوسط السينمائي والفني حسّاسًا للغاية، فلا يكاد يكتب المخرج أو الفنان الكوميدي نصًّا، حتى تجد هجومًا عليه.

via GIPHY

اعتبر فيليبس أن حركات الصوابية السياسية لا توضح ما تريده بالضبط، إنما تنشر الحساسية فحسب. وعبر فيلمه "جوكر"، تسأل شخصية "آرثر فليك": "بالطريقة نفسها التي يحدد فيها النظام ما هو الصحيح وما هو الخاطئ، أنت تحدد يا موراي ما هو المضحك وما هو غير المضحك؟"، في نقد مزدوج للمؤسسة والتيارات الإعلامية المصاحبة لها. عندما انتشر العمل قديمًا، كانَ بعد حركة الحقوق المدنية، وبعد ثورة الجنس في الغرب، ولا يمكننا أن ننفي أنه استفادَ من منتجات هاتين الحركتين.

ولكن تجدر الإشارة أن حركة الصوابية السياسية وحقوق الأقليات لم تكن بتلك القوة والتأثير آنذاك، ولم يكن الوسط السينمائي والسينمائي الشعبوي حسّاسًا تجاه الكثير من المواضيع كما هو اليوم. فكيف سيتلقى عالم اليوم شخصًا مثل "تشاندلر" (الممثل ماثيو بيري) يخاف أن يظن الآخرين أنه مثلي؟

مع عرض مسلسل "فريندز" على "نتفليكس"، تلقّى العمل هجوماً نقدياً لاذعاً من جماعة Woke، واتهموا العَمل بأنه ذكوري وعنصري ويرهب المثلية. هاجموا النكات التي تستهدف وزن "مونيكا" (الممثلة كورتني كوكس)، وحتى شخصية "مونيكا" نفسها وخوفها من السمنة غير المبرر، واعتبروه تشييئًا للمرأة، أو ما يعرف بالـ Body-Shaming ووضع شكل واحد مقبول للمرأة لتكون امرأة جميلة. كانت من ضمن التعليقات على المُسلسل أيضًا أنه معادٍ للمثلية والميول الجنسية الأخرى، ليس ابتداءً بتعليقات الأصدقاء على المثلية وخوف "تشاندلر" منها، وتعليقات أصدقائه الساخرة عليهِ بسببها، وأيضًا بسبب زوجة شخصية روس الأولى، وكونها اختارت أن تكون مثلية بعد سنين من الزواج.

via GIPHY

ما لا يعرفه المُشاهدون الجُدد أنه وعند تصوير حلقة زواج "كارول" من حبيبتها المثلية كان هناك تخوف من المخرج والممثلين من ردة الفعل الجماهيرية على عرض الحلقة التي تظهر مثل هذا الزواج على الشاشة. ومن ضمن الأمور الأخرى التي علّق عليها المشاهدون بعد عرض المُسلسل على "نتفليكس"، كانت تعليقات شخصية "تشاندلر" على أبيه الذي اختارَ أن يكون متحولًا جنسيًا، وكانت من أكثر الأمور انتقادًا، لكن صُناع المُسلسل ردوا على كل الادعاءات ومن ضمنها هذا الأمر، وقالوا: "كان والد تشاندلر متحولًا جنسيًا"، وإن إظهار هكذا شخصية على الشاشة والتطبيع معها كان فعلًا تقدّميًا جدًا، حتى بالنسبة لتلك الفترة الزمنية.

أما دافيد كراين (مثليّ وأحد صناع المُسلسل)، قال إنهم توقعوا مثل ردات الفعل هذه عندما قرروا إعادة نشر المسلسل على شبكات البث، ولكنه ردّ بأنه شخصية "تشاندلر" كانت تعاني من بعض الاضطرابات والمشاكل النفسية، ولكنه لم يكن معاديًا للمثلية. وفي أحد التقارير، قال راي برادفورد مدير وسائل الإعلام الترفيهية في منظمة GLAAD للدفاع عن "مجتمع الميم": "حتى في 2018، لم يكن ما حصل مع شخصية والد تشاندلر أمرًا نكره رؤيته على الشاشة".

أشار برادفورد بوضوح إلى أهمية مُحاكمة أي عمل في سياقه التاريخي، وليس حسب معايير عصرنا وزمننا الحاليّ، فظهور شخصية متحولة جنسيًا، وتضمين حفل عُرسٍ لشخصيتين مثليتين في ذلك الوقت كان قفزة نوعية مقارنة بالعروض التلفزيونية آنذاك، خصوصًا في شبكات الكيبل المنزلي، ويجدر التنبيه إلى أن حلقة العرس قد حصلت على عدد من الجوائز والترشيحات عن أفضل حلقة كوميدية.

via GIPHY

ما يجعل عمل أمثال تود فيليبس صعبًا، ليس فقط الحساسية في المؤسسة، وإنما الحساسية الشعبوية تجاه كل فعل وكل لون وكل مفردة، وهذه الحساسية تكون متطرفة بعض الشيء أحيانًا، تكون تدميرية في أحيان أخرى، إذ تستخدم كل شيء باستطاعتها من منتجات القرن الواحد والعشرين من مواقع وبرمجيات وجيوش إلكترونية لإطاحة شخصٍ أو عملٍ مُعينْ، ولهذا نشهد انخفاضًا حادًا في الأعمال الكوميدية أخيراً، وارتفاعًا في أعمال الـ Anti-Hero والجريمة والأعمال المخصصة للمشاهدة العائلية.

لاحظ العديد من مشاهدي مُسلسل Friends على "نتفليكس" أن بعضًا من مشاهد المُسلسل الكوميديّة، قد حُذفت، فهم ينتظرون السطر الذي حفظوه قبل عشرين عامًا، ولكن فوجئوا بالقص المُتكرر سواء في منتصف الحلقات، أو في آخرها. تحدثت بعد النظريات على الإنترنت أن لهذا علاقة بحركة الـ Woke، ولكن المشاهد المحذوفة لا تحتوي على أي أسطر له علاقة بالحركة أعلاه.

via GIPHY

وعندما سُئل صُناع المُسلسل عن الأمر، قالوا إنهم حذفوا ما حذفوا وأبقوا ما أبقوا لأنهم شعروا أن هذا هو ما يعبّر عن المُسلسل حقًّا، وليس المشاهدة الإضافية التي كانت متوفرة للعرض على أشرطة الـ DVD والأسطوانات. ومع هذا، شعر المشاهدون القدامى بنوع من الاستياء على حذف تلك الأسطر الكوميديّة التي حفظوها غيبًا على مرّ السنوات، وأرادوا لأصدقائهم أو أبنائهم أو حتى أحفادهم أن يشاهدوها معهم.