"صفقة القرن": نعيٌ لمسار السلام و"ملهاة لزعيمين قذرين"

30 يناير 2020
الصورة
خطة ترامب انتصار لليمين الإسرائيلي (ألكس وونغ/Getty)
لم تحتل "صفقة القرن"، أو خطة تصفية القضية الفلسطينية كما تطرحها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، صدارة عناوين الصحف الغربية، اليوم الأربعاء، وليس معروفاً إذا كان الأمر يعود إلى "وضاعة" الصفقة، أو "هلع كورونا" الصيني الذي يعتبر حدثاً أولاً عالمياً، أو لأن هناك من يرى أن مسار السلام في الشرق الأوسط قد مات فعلاً، ومنذ وقت طويل. ولعل ضعف الاكتراث بإبداء رأي مؤثر، وعادل، بقضية شعب تقترب من بلوغها القرن، قد يكون تتويجاً لمسار من تقصد التعتيم وضغط اللوبيات المهيمنة، امتد وقتاً، لنصل إلى تغطية غربية تحاول ادعاء التوازن، بأقل الكلام، الممكن. وقد يكون الإجماع في صحف اليوم، أن توقيت إعلان "الصفقة" يصبّ في مصلحة حملات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأن الخطة تدق المسمار الأخير في نعش السلام.

وتحت عنوان "ترامب ونتنياهو يحوّلان البيت الأبيض إلى محطةٍ للحملة الانتخابية"، كتب كوبين لينش وروبي غرامر، في مجلة "فورين بوليسي"، أن خطة ترامب للشرق الأوسط هدفها مساعدة رئيس الوزراء الإسرائيلي، والإشارة إلى الإسرائيليين بأنهم ينبغي لهم "إعادة تشغيله"، أي التصويت له، معتبرين أن الزعيمين الأميركي والإسرائيلي حاولا في السابق مساعدة بعضهما البعض للفوز في الانتخابات، لكن ترامب رفع هذا التعاون أول من أمس الثلاثاء إلى مرحلة أكثر تقدماً، محولاً "احتفالاً للسلام" إلى رافعة انتخابية له ولنتنياهو، وفي الوقت الذي وجهت فيه لوائح اتهام بالفساد إلى الأخير في تل أبيب. ورأت المجلة أن ترامب اختار هذا التوقيت ليمنح ضيفه في البيت الأبيض حبل نجاة، ما ردّ عليه نتنياهو بقوله إن الرئيس الأميركي "أعظم صديق لإسرائيل في تاريخ البيت الأبيض". وأشارت "فورين بوليسي" إلى أن امتنان نتنياهو قد يكون مفهوماً، إذ إن "خطة السلام" التي أعلن عنها "فرضت طلبات مؤلمة قليلة جداً على الإسرائيليين"، كذلك فإنها رمت جانباً سياسةً أميركية مُتبعة منذ عقود، بأن حلاً نهائياً للصراع يجب أن يكون معتمداً على حدود عام 1967. وقالت المجلة إن ترامب استغل الحدث في البيت الأبيض، كذلك، للترويج لنفسه أمام قاعدته، بمن فيهم المسيحيون الإنجيليون الداعمون لإسرائيل.

ونقلت المجلة عن الباحث في معهد ويلسون، آرون ديفيد ميلر، اعتباره أن خطة ترامب تقوّض السياسات التي اتبعها الرؤساء الأميركيون الثلاثة السابقون، أي باراك أوباما وبيل كلينتون وجورج بوش الإبن، وقد تكون المسمار الأخير في نعش الجهود لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. وقال ميلر إنه حاول مرة إقناع كوشنر بأنه لا يستطيع حلّ الصراع في الشرق الأوسط، بخطته، لكنه من الممكن أن يجعله "أسوأ". وللأمانة، يضيف الباحث الأميركي، فإن ترامب "ورث مساراً ميتاً للسلام، واقتراح حلّ دولتين كان يتنفس بجهاز اصطناعي، وقد يدفنه ترامب بيديه".


من جهتها، رأت صحيفة "واشنطن بوست" أن "صفقة ترامب" ليست "صفقة" على الإطلاق. وكتبت الصحيفة، أنه "في أولى مراحل رئاسته، كان من الممكن الاعتقاد أن شخصاً فريداً مثل دونالد ترامب، بإمكانه فكّ عقد السلام في الشرق الأوسط، لكن بدلاً من أن يعمل على جسر الهوة العميقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، التي أرهقت صُنّاع القرار في الولايات المتحدة لعقود، أمضت إدارته ثلاث سنوات تُراكم التنازلات للإسرائيليين، في مقابل وضع الجزمة على رأس الفلسطينيين". واعتبرت الصحيفة أنه "لهذه الأسباب، لم يكن مفاجئاً أنه حين عرض البيت الأبيض خطته، لم تُبدِ هذه الخطة سوى وثيقة استسلام على الفلسطينيين توقيعها".

وبعدما استعرضت بنود الخطة، ومواقف بعض الدول العربية، استعادت "واشنطن بوست" تصريح الرئيس الفلسطيني محمود عباس فور إعلان البيت الأبيض "صفقة القرن"، الذي قال فيه إن "الفلسطينيين لن يركعوا"، معتبرة أنه على الرغم من ذلك، فإن الكشف عن خطة ترامب يشكّل نهايةً لعباس، الذي لم يكن دورُه سوى أن يحرس عملية سلام كانت تحتضر، وكان من المفترض أن تقود إلى حلّ الدولتين. لكن بنود "صفقة القرن" هي كلّ شيء عكس هذا الحل.

وكما "فورين بوليسي"، لم يفت "واشنطن بوست" الإشارة إلى توقيت الإعلان، أي "فيما يقاتل الرجلان (ترامب ونتنياهو) لإنقاذ حياتهما السياسية".

وفي مقال آخر، انتقدت الصحيفة الأميركية عدم إقدام إدارة ترامب على فعل أي شي للحصول على دعم القادة الفلسطينيين، معتبرة أن فرص حياة اقتراح سلام كهذا ضئيلة جداً، ناقلة عن مسؤول عربي مطلع على محادثات سابقة جرت بين دول عربية ومسؤولين من فريق ترامب لإعداد الصفقة، قوله إن أحداً من ممثلي هذه الدول التي حضر سفراء بعضها أمس في البيت الأبيض، أمكنهم الاطلاع على النسخة النهائية من الخطّة قبل كشفها.

أما صحيفة "نيويورك تايمز"، فنقلت عن خبراء في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي قولهم إن الهدف الأكبر لترامب ونتنياهو، نقل نقطة انطلاق أي مفاوضات مستقبلية بقوة لمصلحة إسرائيل، مع جعل الفلسطينيين في وضعية دفاعية بقولهم لا"، فيما اعتبر ديفيد ماكوفسكي، الباحث في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن "إعلان الخطة أعاد تأكيد أسوأ المخاوف، وهو أن هذه الخطة هي خطة ضمّ (لأجزاء من الضفة)، أكثر من خطة سلام".

من جهته، تساءل الكاتب توماس فريدمان في "نيويورك تايمز"، مستنداً إلى توقيت إعلان الصفقة، عما إذا "كانت خطةً لدولتين ولشعبين، أو ملهاة لزعيمين قذرين"، مرجحاً الخيار الثاني. ورأى الكاتب، متهكماً، أن وجهة نظره لطالما كانت أنه "حتى نتمكن من الابتسام بفرح عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، على التغيير أن يبدأ بهم، معتبراً أن كل أمر وضعت الولايات المتحدة يدها فيه أفسد. وبرأيه، إن ذلك ما يفسر أن تونس قد تكون الاستثناء الوحيد في الربيع العربي، لأن "الولايات المتحدة لم تتدخل بها". هذا الكلام لم يمنع فريدمان من انتقاد الزعماء الفلسطينيين المنقسمين، إلا أن "النقد" الأكبر كان من حصة "بيبي" (بنيامين نتنياهو)، الذي "لطالما طالب رؤساءَ البيت الأبيض بامتحانه باتفاق سلام جيّد، ليختبروا مدى قدرته على أن يكون زعيماً عظيماً، لكنه ليس أكثر من مسؤول فاسد يناور للهروب من السجن".

الصحف الفرنسية، بمعظمها، استخدمت عناوين توحدت حول فكرة واحدة مفادها الانزياح الأميركي التام، ليس لإسرائيل، بل ليمينها. واعتبرت صحيفة "لوموند" أن الخطة تضمنت "تنازلات أميركية هائلة" عن الخط المعهود لواشنطن، فيما رأت "لوفيغارو"، أن نظرية "رقصة التانغو التي تحتاج إلى اثنين" انقلبت مع ترامب، الذي تكمن جرأة طرحه بأن السلام ممكن أن يأتي مع قرارات أحادية يفرضها القوي على الضعيف. وعنونت "لوبوان": "خطة ترامب... انتصار لليمين للإسرائيلي". بريطانياً، رأت صحيفة "ذا إندبندنت" أن "كل ما ينقص من خطة ترامب للسلام الفلسطيني الإسرائيلي هم الفلسطينيون أنفسهم"، معتبرة أن الخطة ليست سوى "لائحة تمنيات" لطالما حلم بها الإسرائيليون.