"سيلفي" بعيون السعوديين

13 يوليو 2015
الصورة

ناصر القصبي في "سيلفي"

تكثر المسلسلات والبرامج التلفزيونية في رمضان، وعلى الرغم من أن الشهر الكريم في السنوات الأخيرة حافل بالدراما والتراجيديا، والكوميديا السوداء، خارج المسلسلات، بفعل الأحداث التي نعايشها في العالم العربي، فإن بعض المسلسلات ما زالت قادرة على إثارة جدل اجتماعي واسع. في هذا الموسم الرمضاني، أثار مسلسل "سيلفي" نقاشاً اجتماعياً في السعودية، وهو من بطولة نجم الكوميديا السعودي الأبرز، ناصر القصبي، الذي اعتاد على إثارة الجدل، طوال عشرين سنة ماضية، في حلقات مسلسله الشهير "طاش ما طاش"، مع شريكه آنذاك، عبدالله السدحان، حيث تطرق المسلسل لعدة قضايا اجتماعية وفكرية، ووجه نقداً للتيار المحافظ، تسبب في هجوم هذا التيار بشراسة على القصبي بالذات وما يطرحه، وهو هجومٌ تواصَلَ في مسلسل "سيلفي".

غاب النقد الفني للمسلسل، على الرغم من وجود ضعف فني يمكن الإشارة إليه، غطَّى بعضه ناصر القصبي ببراعته التمثيلية، وطغى النقد المتعلق بالقضايا الاجتماعية والسياسية، ولعل الاهتمام بردود فعل السعوديين على المسلسل يشير إلى قضايا ما زالت موضع شد وجذب في الداخل السعودي، ويصل بنا إلى استنتاجات تخص اهتمامات الجمهور، والأزمات التي يعايشها.
أبرز ما يلفت النظر في ردود الأفعال الهجمة التي شنها التيار الإسلامي المحافظ على الحلقة الأولى من المسلسل، لأنها سخرت بشكل معين منه. وللوهلة الأولى، تثير التعجب هذه الحدّة في الهجوم، لأنه، مع مرور الوقت، وتراكم النقد لهذا التيار، في قنوات ومؤسسات إعلامية مختلفة، وفي أعمال القصبي الدرامية، يبدو من المنطقي أن يحصل تعوّدٌ على هذا النقد، وتعايشٌ معه، بما يجعل الاعتراض عليه أقل حدة، لكن المشهد الاجتماعي بعد الحلقة الأولى أعاد التذكير بمفردات الصراع الاجتماعي، بين الليبراليين والمحافظين، وهو صراعٌ يتعلق تحديداً بالمسائل الاجتماعية، والحريات الشخصية، ويجري تحت سقف محدد، وتعطيه المراوحة في عدد من القضايا الاجتماعية زخماً أكبر.
لكن التعجب من حدة الإسلاميين، ينتهي سريعاً، إذا أخذنا بالاعتبار ما استجد من تفاؤلهم، بتغييرٍ ما في توازنات القوى الاجتماعية، في العهد الجديد، وهذا التفاؤل، كان في موضع الاختبار، عبر رفع الصوت بالشكوى من ناصر القصبي ونقده، والإصرار على محاسبته، وإيقاف مسلسله، أيْ دفع أجهزة الدولة لاتخاذ إجراءٍ بحقه، يشير إلى نهاية حقبة من نقد الإسلاميين المحافظين، في المؤسسات الإعلامية السعودية، ويعيد الاعتبار لسيادة هذا التيار اجتماعياً، وتمكينه من العودة إلى فرض وجهات نظره الاجتماعية، من دون منافسة مع خطابات أخرى. وقد وصل التفاؤل إلى حد إعلان أحد الدعاة المعروفين، في برنامج حواري رمضاني، أن قواعد اللعبة تغيرت في السعودية، لكن الواقع يشير إلى عدم وجود تغيير في قواعد اللعبة، والمسألة لا تتعدى أوهاماً عند هؤلاء.
خلال أكثر من 15 عاماً، تمكن الخطاب الليبرالي، أو الخطاب المناهض لخطاب الصحوة الإسلامية بشكل عام، أياً تكن تصنيفاته، من ترسيخ وجوده في الفضاء العام، وإيجاد شرائح اجتماعية مؤيدة له، وقد حصل ذلك من خلال تبني طرحه من مؤسسات إعلامية كبيرة، وترويجه، وهو ما كسر تسيّد التيار المحافظ للساحة من دون منافس، وأحدث نوعاً من التوازن في المشهد الاجتماعي السعودي، وهذا التوازن لن يتم الانقلاب عليه، كما يتوهم بعضهم، ولا المزاج الاجتماعي العام، بفعل تأثيرات العولمة، وتراكماتٍ كثيرة، يقبل إعادة إنتاج صحوة إسلامية جديدة، وما يقدمه القصبي من نقد، يشهد على بقاء التوازنات، وهو أكثر ارتياحاً في نقده اليوم، من سنواتٍ مضت.

لم تقتصر ردود الفعل على الصراع الاجتماعي بين الليبراليين والمحافظين، بل تعدتها إلى المسألة الطائفية، الملتهبة في هذه الفترة، إذ قدّم القصبي حلقة عن تنظيم داعش، ثم حلقة أخرى في نقد الطائفية. وعلى الرغم من رد الفعل الإيجابي غالباً على الحلقتين، فإن أصواتاً عديدة طالبت القصبي بنقد تنظيماتٍ شيعية في الإقليم، كما نقد داعش. يفترض هذا المنطق أن على القصبي توزيع نقده بالتساوي، والعدل بين الشيعة والسنة، والليبراليين والمحافظين، وهذا ليس دور أي فنان، أو صاحب وجهة نظر، فهو يعبر عن رؤيته وأفكاره، وليس دوره أن يوزع اللوم بالتساوي، لإرضاء الأطراف المختلفة، إضافة إلى أن هذا الطرح، كما تنبَّه القصبي نفسه، يصدر من منطلقات طائفية، تسعى إلى محاصصة طائفية في النقد، داخل عمل درامي، وترى كل شيء بالعين الطائفية، ووفق منطق الانقسام بين جماعتين، سنية وشيعية، تتبادلان الاتهامات، ولا تستطيع النظر إلى تنظيم داعش إلا بوصفه "سنياً"، مع أن هذا التوصيف ليس صحيحاً ولا مقبولاً، وإيجاد مقابل شيعي له لإحداث توازن، وجرِّ الأعمال الدرامية، والمثقفين، وكل الناس، إلى المستنقع الطائفي.
تشير ردود الفعل على "سيلفي" إلى أطراف اجتماعية متنوعة، تتفاعل مع ما يطرحه المسلسل، وأهم ما فيها التأكيد على أن الصورة لم تتغير كثيراً، وأن التوازنات هي نفسها، وقواعد اللعبة هي نفسها، بل ومشكلات كثيرة تحتاج إلى معالجة، هي نفسها. لذلك، تبرز أهمية التقاط صورة "سيلفي" للواقع الاجتماعي، إذ تذكّرنا بحقيقة ما نعايشه، والحاجة لتغيير أمورٍ عديدة.

دلالات

تعليق: