"سايبر" سعود

17 ديسمبر 2015
الصورة
سعود الحربان (العربي الجديد)
أوثّق بالصورة والفيديو اللحظات الجميلة مع ابني سعود، البالغ من العمر ستة أشهر، كما أني أحتفظ بكل صورة له تصلني عبر برامج التواصل (واتس اب، سناب شات)، حتى ضاقت المساحة المتاحة في الجوال، فأقوم بين حين وآخر بتفريغ الصور في قرصٍ صلب، هو بالمناسبة يحتوي على جميع الصور التي أصورها بالجوال، وجميع الصور التي تصلني من خلاله. وليس القرص الصلب هو المكان الوحيد الذي أحتفظ به بالصور، فكل صورة أو مقطع فيديو ألتقطه بالجوال يُحفظ أوتوماتيكياً في حسابي الخاص بالصور على غوغل.


أستخدم حالياً 43% من المساحة المتاحة لي (100 غيغا بايت)، وهي مساحة لا أجد أي كلفة في دفع 1.99 دولار شهرياً للحصول عليها، فأنا أهتم جداً بموضوع الحفظ والتخزين.

ليس هذا فقط، أنوي أن أبدأ بتدوين هذه اللحظات في مدونة خاصة، ليرافق الصورة شرح مختصر عن اللحظة التي التقطت فيها، الحكاية التي خلفها، أو المشاعر التي رافقتها.

هل من مزيد؟ نعم، سأعلم زوجتي، أم سعود، على أحد البرامج التي تحفظ السجل الصحي، لتكون لابني ذاكرة صحية يستحضرها أي طبيب خلال أي مراجعة متى شاء.
هل سيؤثر ذلك على ابني في المستقبل؟ أم أني أب مُصاب بهوس حفظ الصور والبيانات.

يستعرض كل من غوردن بيل وجيم غيمّل في كتابيهما التذكّر الكامل Total Recall هذا الموضوع المثير (تخزين الحياة)، استعرضا الوسائل، التحديات، وفوائد ذلك التخزين! صدر الكتاب في عام 2009، أي قبل أن يهتم معظم الناس بتخزين جزء كبير من حياتهم بشكل لا إرادي عن طريق برامج الانستغرام والسناب شات، والصور والفيديو، خاصة بعد انتشار كاميرات مثل GoPro وتطور جودة كاميرات الجوالات. رغم ذلك لم يكن ما كتباه نظرياً، إنما طبق أحدهما ذلك بشكل عملي، وقام بتخزين ما يمكن تخزينه من حياته على ذاكرات إلكترونية؛ الكتب التي قرأها، الصور التي لديه، التُحف (صورها من جميع الجهات واحتفظ بالصور)، كل الأرصدة، الأوراق الرسمية، التقارير الطبية، المقاطع الموسيقية، كل شيء تقريباً!

قبل أن يتناولا الوسائل والخطوات التي يجب على الشخص أن يتبعها إذا ما أراد أن يخزن حياته، وهي بالمناسبة سهلة وفي متناول الجميع اليوم، ركّزا في القسم الثاني من الكتاب على أثر ذلك في مجال العمل، الصحة، التعلم، والحياة اليومية. أما أبرز التحديات فهي:

- ضياع البيانات وفسادها.
- تشابك البيانات. ليست جميع بياناتك ملكك، رسائل البريد الإلكتروني الخاص بالعمل مثلاً.
- التكيف مع الخضوع للتسجيل. قد تكون لحظة التسجيل في أفضل سلوك لك، وقد تكون في وضع لا تُحسد عليه، يصعب عليك النجاة منه مع الكثير من الكذب!
- والتكيف مع المزيد من معرفة الذات. أن تُسجل نفسك، وتراجع هذا التسجيل من خلال ذاكراتك الإلكترونية، يعني أنك ستجد نفسك شخصاً ماثلاً أمامك، قد يُعجبك ذلك الشخص، وقد يُحبطك!
- المحكمة! هل بإمكان إدارة المرور مثلاً أن تُحرر لي مخالفة سرعة بناءً على بيانات الجي بي اس الموصولة بسيارتي؟ هناك قضايا كثيرة تنقلب رأساً على عقب في ظل وجود البيانات والتسجيلات.

بعيداً عن كل التطبيقات المفيدة المُتناولة في الكتاب، وكل التحديات والمخاطر والأسئلة والإجابات، دعوني أطلعكم على ملمح من ملامح المستقبل، والتي قد تكون مخيفة اليوم، ولكن عادية جداً بعد عقود من الآن.

يجلس الحفيد العاشر لحفيد ابني سعود، أمام حاسوبه الموصول بجهاز عرض ثلاثي الأبعاد، ويقرر أن يستمع إلى جد جده (ابني سعود) الذي لم يلتق به يوماً ولم يسمع صوته، فيظهر سعود على هيئة ثلاثية الأبعاد إلى جانبه، وبفضل كل المعلومات والبيانات المحفوظة في ذاكرات سعود الإلكترونية، والبرامج المتقدمة لاستدعاء البيانات وترتيبها، يستطيع ذلك الحفيد المستقبلي البعيد جداً أن يسأل جد جده (ابني) أسئلة عن حياته وذكرياته، ويجيبه ابني السايبيري "cyber" ويحاوره، بل ويستعرض معه صوراً ومقاطع فيديو تزيد من حديثه متعة وتشويقاً! أرجو ألا تنس الذاكرات الإلكترونية حينها لحظاتي معه، وأرجو أن تكون تلك اللحظات سعيدة ورائعة.

رغم ما في الأمر من تعقيد، وما يثيره من أسئلة أخلاقية وجدلية، إلا أن (تخزين الحياة) يحدث اليوم بشكل أو بآخر، بنسب تتفاوت واستخدام الناس للبرامج ووحدات التخزين وغيرها من المنصات ذات العلاقة. ما هو مستقبل الأمر برمته؟ كيف سيستخدم العالم هذه البيانات؟ وهل ثمة أسرار ستظل موجودة؟ وكيف سيتم ترتيب حفظ بيانات الشخص بعد وفاته؟ كل ذلك تجيب عنه ثورة قادمة لا محالة، بالإمكان التنبؤ ببعض ملامحها، ويستحيل الإلمام بكافة تفاصيلها وتداعياتها، وككل اختراع وثورة تكنولوجية، يبقى التحدي: الاستعداد، والسعي لتحقيق أكبر فائدة مرجوة، وتقليل المخاطر قدر الإمكان.

(البحرين)
تعليق: