"زلزال" أوسلو: اختلاف الصورة

09 مايو 2019
الصورة
إديث هاغنرود ـ ساند في مشهد من الفيلم (فيسبوك)
عام 1904، وقع زلزال مدمِّر في أوسلو، عاصمة النرويج، ترك أثرًا لا يُمحَى في ذاكرة المدينة وجدرانها. عام 2000، مع وقوع هزّة أرضية أخرى، أصيب الجميع بالهلع، رغم بساطتها، إذْ يعني هذا احتمال وقوع زلزال آخر، قريبًا، بالقوّة نفسها للقديم. عن هذا الهاجس، الذي يعيشه ناس أوسلو، أخرج جون أندرياس أندرسن "الزلزال" (The Quake)، المعروض حاليًا في مصر، وهو جزء مُكمِّلٌ لـ"الموجة" (The Wave)، الذي أخرجه روار أوتوغ عام 2015، في مرحلة باكرة في السباق على جائزة "أوسكار" أفضل عمل أجنبي حينها. ينتمي الجزآن إلى نوع "أفلام الكوارث"، التي ذاع صيتها في هوليوود في تسعينيات القرن الـ20، قبل أن يخفت وهجها لاحقًا. مرّة أخرى، في هذا العمل ذي الميزانية المحدودة جدًا بالمقاييس الأميركية (6 ملايين دولار أميركي فقط)، يُعوَّض فارق الإمكانيات بشيء أهم، تتناساه هوليوود مؤخّرًا: الحكاية والشخصيات، والمنظور الفردي للكارثة، الذي يورِّط المتفرّج أكثر من الإبهار التقني.
أولاً، يعتني "الزلزال" (2018) كثيرًا بخلق شخصيات وعلاقات واضحة المعالم، في ساعته الأولى (108 دقائق). تبدأ حكايته بعد 3 أعوام على وقوع كارثة تسونامي في "الموجة"، إذْ يبقى عالم الجيولوجيا كريستيان (كريستوفر يونر) في مدينة Geiranger لشعوره بالذنب، ولعدم تجاوزه الصدمة، ما يؤثّر على حياته وعلاقته بأسرته التي تركها في أوسلو، ولم يعد إليها إلا بعد وفاة زميل له في أحد أنفاق العاصمة. يظنّ كريستيان أن زلزالاً بقوّة زلزال 1904 ربما يضرب المدينة مُجدّدًا، فيحاول تحذير أسرته، لكن حالته النفسية السيئة منذ أعوام تجعلهم يتعاملون معه كأنه فاقد عقله، حتى وقوع الكارثة فعليًا، وتشقّق الأرض تحت أقدامهم في المدينة، فتبدأ محاولة نجاة خلال النصف الثاني من الفيلم.
يضيِّق "الزلزال" منظوره للكارثة، التي تظهر عبر 5 شخصيات فقط. لذا، فإنّ وقع ما يحدث يكون أكبر، إذْ لا توجد لقطات واسعة ومُبهرة تقنيًا للدمار، إلا 4 أو 5 مرات فقط، في مَشَاهد قصيرة، منفَّذة جيدًا رغم الميزانية الضئيلة. ما يبقى من وقتٍ في الفيلم يتمثّل بمحاولة الشخصيات النجاة من الكارثة: الأم والأب عالقان في المصعد، الابنة الصغرى ومساعدة الأب في الطابق الـ41 في مبنى نصفه مُهدَّم، والابن المراهق في قاعة المحاضرات. 3 أماكن و5 شخصيات في 45 دقيقة، في منظورٍ ضيق أكثر فاعلية وتأثيرًا عاطفيًا من مُشاهدة العالم منهارًا، كما في أفلام هوليوودية مختلفة.
إلى جانب الشخصيات والمنظور الضيّق والمحدَّد، ما يجعل النصف الثاني من الفيلم حابسًا للأنفاس، هناك إرساء قاعدة أن "لا أحد بعيد عن الخطر"، وأنه ليس بالضرورة أبدًا أن ينتهي العمل بشكل سعيد، أو أن ينجو أفراد الأسرة جميعهم لمجرد أنهم "أبطال" العمل. يتأسّس هذا مع تعرّض شخصية فرعية للخطر أولاً، وبعدها شخصيات رئيسية، فيصبح لكلّ لحظة أثرٌ أكبر وشعورٌ أعمق بأن الخطر قريب، وبأن الجميع في قلب الكارثة، وتحديدًا في مشهد الأب والابنة قبيل النهاية.
هذه الجوانب كلّها تجعل "الزلزال" فيلمًا مختلفًا، لا شك في أن مخرجه جون أندرياس أندرسن سينتقل قريبًا إلى هوليوود، كما حدث مع روار أوتوغ، مخرج "الموجة"، مع تمنٍّ بألاّ يفقد البصمة المميّزة، التي يمتلكها هنا، تحت وطأة الاستوديوهات الكبيرة.

دلالات