"رؤية سننية" في الاستبداد والترقِّي والانحطاط

11 سبتمبر 2020
الصورة

(عبد الرحمن الكواكبي)

+ الخط -

يحاول عبد الرحمن الكواكبي، بعد التفسير الشبكي الذي كان أهم ما أرشد إليه في كتابه القيم "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، أن يقدّم سلسلة من مفاهيم التأسيس، ليرسم أهم إشاراته وتنبيهاته في مقاومة الظاهرة الاستبدادية؛ هذه المنظومة المفاهيمية والإدراكية أول عتبات تأسيسه لرؤيته في المقاومة والمواجهة للاستبداد؛ سنن الحركة الحيوية، والأمة والهيئة الاجتماعية، وصنوف الرقي الستة، والعجز الطبيعي عن الترقّي من جرّاء الاستبداد المشؤوم، وحركة التدافع بين الرقي والانحطاط؛ والاندفاع والانقباض وعلاقة ذلك بالرّقي والانحطاط، النخبة رافعة الأمة وصوت الإيقاظ فيها. شبكة من المفاهيم تهيئ الوسط لمقاومة الاستبداد.

يلفت الكواكبي، في نظرة سننية عميقة وبصيرة، إلى سنن الحركة الحيوية للترقي الذي يراه حالة مناهضة لفعل الاستبداد، في مقابل سنن الانحطاط الذي يرى الكواكبي أنه أصل كل داء؛ "الحركة سُنَّةٌ دائبةٌ في الخليقة بين شخوصٍ وهبوط. فالترقّي هو الحركة الحيوية؛ أي حركة الشخوص، ويقابله الهبوط وهو الحركة إلى الموت أو الانحلال أو الاستحالة أو الانقلاب، وهذه السُّنّة كما هي عاملة في المادة وأعراضها، عاملة أيضاً في الكيفيات ومركَّباتها، والقول الشّارح لذلك آية: "يُخرِج الحيَّ من الميّت ويُخرج الميّت من الحي"، وحديث: "ما تمَّ أمرٌ إلا وبدا نقصه"، وقولهم: "التاريخ يعيد نفسه". وحكمهم بأنَّ الحياة والموت حقّان طبيعيان، وهذه الحركة الجسمية والنفسية والعقلية لا تقتضي السير إلى النهاية شخوصاً أو هبوطاً؛ بل هي أشبه بميزان الحرارة، كلُّ ساعة في شأن، والعبرة في الحكم للوجهة الغالبة، فإذا رأينا آثار حركة الترقّي هي الغالبة على أفرادها، حكمنا لها بالحياة، ومتى رأينا عكس ذلك قضينا عليها بالموت". 

يلفت الكواكبي، في نظرة سننية عميقة وبصيرة، إلى سنن الحركة الحيوية للترقي الذي يراه حالة مناهضة لفعل الاستبداد

ليس الترقّي في رأي الكواكبي هو الترقّي الذاتي والفردي، بل ترقّي الأمة التي تشكل أهم ساحاته الحضارية؛ والأمة في هذا الشأن الحضاري في هيئتها الجمعية والاجتماعية، وشبكة علاقتها الاجتماعية، وتماسك لحمتها الوطنية، هي مناط الترقي وساحته وعنوان الأمة ومكانتها من الترقي والانحطاط؛ "الأمّة هي مجموعة أفرادٍ يجمعها نسب أو وطن أو لغة أو دين، كما أنَّ البناء مجموع أنقاض، فحسبما تكون الأنقاض جنساً وجمالاً وقوّةً يكون البناء، فإذا ترقَّت أو انحطَّت الأمة ترقَّت هيئتها الاجتماعية، حتى إنَّ حالة الفرد الواحد من الأمّة تؤثِّر في مجموع تلك الأمة. كما إذا لو اختلَّت حجرة من حصن يختلُّ مجموعه وإنْ كان لا يشعر بذلك، كما لو وقفت بعوضة على طرف سفينة عظيمة أثقلتها وأمالتها وإنْ لم يُدرَك ذلك بالمشاعر. وبعض السياسيين بنى على هذه القاعدة: أنَّه يكفي الأمة رقيّاً أن يجتهد كلُّ فرد منها في ترقية نفسه بدون أن يفتكر في ترقّي مجموع الأمة". 

 الرؤية السننية التي تبنّاها الكواكبي تشكل مفتاحا مهما في حال الإصلاح المفضي للتخلص من الاستبداد

ضمن مساحات الترقي وصنوفه التي تتكامل ضمن المسيرة الحضارية في الحياة الإنسانية التي تحدّد الحالة الحضارية من ترقٍ أو انحطاط، تبدو لنا خرائط تصنيفاته المتعلقة بالترقّي البدني، والترقّي في حال القوة التي تستند الى ساقين مالية وعلمية، والترقّي النفسي خصائص وسمات وصفات، والترقي العائلي الأسري القاصد إلى الاستئناس والتعاون والتكامل، والترقّي بالدائرة الأوسع من العشيرة والعصبية، على ما يشير ابن خلدون، تماسكا وتناصرا، خصوصا في الأحوال الاستثنائية من المدافعة والطوارئ، متطوّرا إلى أعلى دائرة في الترقّي، وهي الدائرة الإنسانية الأعلى والأوسع. وهذه الصنوف الستة التي تنداح دوائرها مقترنة بنوع آخر من الترقّي، متعلق بجانب معنوي إيماني، موصول بالجانب الأخروي، وما يرتبط به من الترقّي على سلم العدل والرحمة والإحسان، فيرتقي بهم ذلك كله إلى حال من المسؤولية عن الإنسانية بأسرها والمسؤولية الكونية في خدمتها وعمرانها اهتماما بالمكانة المعنوية، وحسن الذكر في خدمة البشرية؛ "الترقّي الحيوي الذي يجتهد فيه الإنسان بفطرته وهمّته هو أولاً: الترقّي في الجسم صحّةً وتلذُّذاً، ثانياً: الترقّي في القوّة بالعلم والمال، ثالثاً: الترقّي في النفس بالخصال والمفاخر، رابعاً: الترقّي بالعائلة استئناساً وتعاوناً، خامساً: الترقّي بالعشيرة تناصراً عند الطوارئ، سادساً: الترقّي بالإنسانية، وهذا منتهى الترقّي، وهناك نوعٌ آخر من الترقّي ويتعلق بالروح وبالكمال، وهو أنَّ الإنسان يحمل نفساً ملهمة بأنَّ لها وراء حياتها هذه حياةً أخرى يترقّى بها على سلّم العدل والرحمة والحسنات. فأهل الأديان ما عدا أهل التوراة- يؤمنون بالبعث أو التناسخ، فيأتون بالعدل والرحمة رجاء المكافأة أو خوف المجازاة، وهم من قبيل الطبيعيين يعتبرون أنفسهم مدينين للإنسانية بحفظها تاريخ الحياة الطبيعية، فيلتزمون بخدمتها اهتماماً بحياتهم التاريخية بحُسن الذّكر أو قبحه". 

ليس الترقّي في رأي الكواكبي هو الترقي الذاتي والفردي، بل ترقّي الأمة التي تشكل أهم ساحاته الحضارية

طلب الإنسان الترقي طبيعي، فكل تلك الصنوف وهذه الدوائر التي تبدأ بالإنسان الفرد، ووجوده المادي، وهذه الترقّيات على أنواعها الستّة، لا يزال الإنسان يسعى وراءها ما لم يعترضه مانع غالب يسلب إرادته، جميعها محلّ طلبه وسعيه؛ إلا أن المانع لذلك الطلب الطبيعي إنما يتمثل في مانع غالبٍ سالبٍ للإرادة، حتى يكون وكأنه القدر المحتوم والعجز الطبيعي المقيم الذي هو في حقيقة أمره ليس إلا الاستبداد المشؤوم المفضي بمسيرته في الطريق العكسي للترقّي، مرتادا طريق الانحطاط ومسيرة التأخر، ووصولا إلى حال الفناء، لا النماء؛ فناء في شكل حفاظ على حياة حيوانية دنيئة، تسوّغ الاستبداد، وتمرّره، وتشكل له قبولا ظاهرا أو خفيا وقابليةً لكل أنواع استعباده وطغيانه، ".. وهذا المانع إمَّا هو القدر المحتوم، المسمّى عند البعض بالعجز الطبيعي، أو هو الاستبداد المشؤوم. على أنَّ القدر يصدم سير الترقّي لمحةً، ثمَّ يطلقه فيكرُّ راقياً. وأما الاستبداد فإنَّه يقلب السير من الترقّي إلى الانحطاط، ومن التقدّم إلى التأخر، من النماء إلى الفناء، ويلازم الأمة ملازمة الغريم الشحيح، ويفعل فيها دهراً طويلاً أفعاله التي تقدَّم وصف بعضها في الأبحاث السابقة، أفعاله التي تبلغ بالأمة حطّة العجماوات فلا يهمها غير حفظ حياتها الحيوانية فقط، بل قد تبيح حياتها هذه الدنيئة أيضاً الاستبداد إباحةً ظاهرة أو خفيّة. ولا عار على الإنسان أنْ يختار الموت على الذل، وهذه سباع الطير والوحوش إذا أُسِرَت كبيرة قد تأبى الغذاء حتى الموت".

الاستبداد كالعلق يطيب له المقام على امتصاص دم الأمة، فلا ينفكُّ عنها حتى تموت، ويموت هو بموتها

وتنقلب الأحوال من طلب وميل طبيعي إلى الترقّي إلى طلب التسفل؛ فتسودها كل القابليات الدنيئة لموافقة حال الأمة لطلبها للتسفل من طلب الحطة لا الرفعة وطلب الظلمة لا النور وطلب الشقاء بالاستعباد لا الحرية والتحرر فيكون الاستبداد سببا لمسيرتها في الانحطاط والتدهور والتسفل فتصل الأمة الى فناء لحياتها وإحيائها فتموت ويموت الإستبداد بموتها، وقد يبلغ فعل الاستبداد بالأمة أن يحوِّل ميلها الطبيعي من طلب الترقّي إلى التسفُّل، بحيث لو دُفِعَت إلى الرِّفعة لأبت وتألَّمت، كما يتألَّم الأجهر من النور، وإذا أُلزِمَت بالحرية تشقى، وربما تفنى كالبهائم الأهلية إذا أُطلِق سراحها. عندئذٍ يصير الاستبداد كالعلق يطيب له المقام على امتصاص دم الأمة، فلا ينفكُّ عنها حتى تموت، ويموت هو بموتها. هكذا يكون الاستبداد المشؤوم هو العجز الطبيعي عن الرقي، وطلب التسفل والانحطاط المفضي إلى الفناء الذي ليس من بعده وجود أو قيام. إن هذه الرؤية السننية التي تبنّاها الكواكبي في حديثه عن الترقّي إنما تشكل مفتاحا مهما في حال الإصلاح المفضي للتخلص من الاستبداد؛ وهو أمرٌ يجعل من ذلك استراتيجيةً مهمة في مواجهة الحالة الاستبدادية.