"حيط الخير"... تجربة إنسانية تحتضنها جدران بيروت

16 اغسطس 2017
الصورة
مبادرون يسعون لتشجيع فعل الخير (فيسبوك)


فكرة تحويل حائط في أحد شوارع بيروت إلى "حيط الخير" يعلّق عليه الناس ما لا يلزمهم، ويأخذون منه حاجتهم، ليست ابتكاراً بقدر ما هي تجديد لمبدأ التبادل والشعور بالآخر والعطاء من دون وسيط.

مجموعة من اللبنانيين استوحت فكرة "حيط الخير" الموجودة في أكثر من مدينة في العالم، ونقلتها إلى بيروت. تلك الفكرة التي انتشر صداها شمالاً وجنوباً فصار لها مثيل في مدينتي طرابلس الشمالية وصور الجنوبية، عبر أشخاص شكلوا مجموعات أخرى أحبوا جعل الجدران العامة مساحات للأخذ والعطاء، والتبادل غير المباشر بين الناس.

يريد أفراد المجموعة التي زاد عددها إلى نحو 25 شخصاً أن تبقى أسماؤهم مجهولة. ويقول أحد المبادرين لـ"العربي الجديد" الذي عرّف عن نفسه بأنه (ح.ش) أن مجموعتهم التي تضم أفراداً من عمر 25 إلى 60 عاماً باختصاصات متنوعة جمعتهم المبادرة وسعوا معاً إلى إنجاحها.

وبادروا في البداية بالاتصال بمحافظ بيروت القاضي زياد شبيب، وبرئيس بلديتها جمال عيتاني، لأخذ الموافقات، وكان لهم ذلك وحصلوا على الترخيص الذي أتاح لهم ترتيب الحائط وتلوينه ووضع لوغو "حيط الخير" عليه، وإعداده ليصبح جاهزاً لاستقبال ما يستغني عنه الناس من ملابس وأحذية ولوازم، وإبقاء المكان مرتباً ونظيفاً حتى يتمكن المحتاج من اختيار ما يريد وما يناسبه.

ويوضح أن مهمتهم انتهت تقريباً بعد إعداد الحائط وتجهيزه، فصار مكاناً خاضعاً لعفوية الناس ورغبتهم بفعل الخير كلّ على طريقته، فمن يضع كيس ملابس وأغراض على عجل، يأتي آخر من دون تكليف أو طلب فيفرغ الكيس ويرتب محتواه حتى يراه المارة. ومن كان محتاجاً لقطعة ملابس أو حذاء ولم يجد ما يناسبه يأتي بعده من يعيد تعليقها وطيّها وترتيبها.

يستكشف أفراد المجموعة عن بُعد سير العمل عند "حيط الخير"، بدون تدخل مباشر، لكن تبقى متابعة العمل من مسؤوليتهم، خصوصاً أحد شروط استمرار المشروع ألا يتسبب بأي إزعاج لسكان الشارع وأية فوضى. ويخبرنا (ح.ش) أن حائط الخير الذي كان من ضمن المشروع في منطقة السوديكو في بيروت توقف الآن بعد فشل التجربة هناك لأنه تعرض للتخريب أكثر من مرة.


ويشير إلى أن التجربة الناجحة في شارع عبد العزيز في بيروت هي بمثابة اختبار للنفس وللآخرين، ومدى قابلية الناس واستعدادهم لفعل الخير. ويعتبر أن ما اختبروه، حتى الآن، يثبت أن محبي الخير ليسوا قلّة، وإن كانت الأجواء العامة في البلد لا توحي بذلك.


وعن الأسباب التي تساعد على نجاح هذا النوع من المبادرات، يقول: "نحن لسنا مؤسسة، والناس لم تعد تثق كثيراً بالمؤسسات الخيرية، لأنهم لا يعرفون إذا كانت تبرعاتهم تذهب لمن يستحقها، ولكن حيط الخير مكان واضح يضعون أغراضهم بأنفسهم عليه بدون وسيط، وهذا له منفعة مزدوجة الأولى أنهم يضمنون مبدأ إعادة الاستخدام والتدوير بدل رمي الأغراض وتلفها، ويشعرون بفرح ضمني كبير عندما يتمكنون من مساعدة الغير".

ويعتبر أنه من الصعب على كثير من اللبنانيين وسط الظروف المعيشية البائسة التبرع من رواتبهم التي لا تكفيهم حتى نهاية الشهر غالباً، لذلك تكثر مشاريع ومبادرات الدعم غير المادي من طعام وأثاث وملابس وغيرها، فيقدم الراغب بفعل الخير من جهده ووقته حسب المجال الذي يتقنه، فنرى ونسمع عمن يعدّ الطعام ويقدم الوجبات للمحتاجين، أو يتطوع في مجالات متعددة لخدمة الناس، وحيط الخير أحدها".

ويركز على ناحية تستحق الإشارة إليها، وهي أن العطاء وفعل الخير لا يرتبط مطلقاً بإمكانيات الناس المادية، بل إن المحتاج يدرك أكثر مِن المكتفي حاجات الآخر ويشعر به، لذلك تأتي أغلب الموجودات من أشخاص لا يظهر عليهم الغنى المادي.

ويخبرنا أنهم التقوا أشخاصاً أخذوا بعض حاجاتهم من "حيط الخير" لكنهم أعادوها عندما اكتشفوا أنها لا تناسبهم في الشكل ربما أو المقاس، وعند سؤالهم عن الأمر أكدوا أنها لا بد أن تفيد غيرهم. ومن الناس من أخذ شيئاً وعاد بعد أيام حاملاً أشياء لم يعد يريدها ويتركها لآخرين.

ويلفت إلى أن فئة من الناس لا ترغب في المجاهرة بعملها في هذا المجال، تريد أن تعطي بدون انتظار المقابل، بهدوء وبدون ضجة، تفضل أن تبقى مجهولة. لذلك "حيط الخير" مكان مفتوح على مدار الساعة بدون رقيب، لمن يعطي ومن يأخذ، فيختار الإنسان الوقت الذي يناسبه للمشاركة بدون أي إحراج.

ويؤكد (ح.ش) أن فعل الخير ليس حكراً على أناس دون غيرهم، ويعتبر أن روح الناس مجبولة على الخير، ولكن بعضهم يحتاج إلى من يحرك هذا الجانب داخلهم. ويقول "أحياناً تحركنا كلمة أو صورة أو مقطع فيديو أو ربورتاج من أي مكان في العالم، يوقظ فينا أحاسيس إنسانية موجودة لدينا بالأساس".

عدوى الخير تنتقل بين الناس(فيسبوك) 


ويجد أن أكثرية الناس ترغب بفعل الخير، لكنها لا تعرف كيف ومن أين تبدأ، فتأتي المبادرات لتسهّل تسيير دورة التبادل والأخذ والعطاء بأبسط الوسائل الممكنة ومباشرة بدون تعقيد ولا وسطاء، مثل الشعار المكتوب على "حيط الخير" في شارع عبد العزيز، وهو "خلينا ناخذ ونعطي".

جدران الخير التي تحيي مبدأ المقايضة إلى حدّ ما بين الناس، سبق لها أن انتشرت في مدن إيرانية وهندية وباكستانية وفي دبي وغزة. وهي حيطان مثل المرايا تعكس نبض الشوارع وحياة ناسها، والخير جزء من هذا النبض والحياة.



دلالات

تعليق: