"الوحدة 8200" الإسرائيلية: محاولات تجنيد الفلسطينيين باستغلال أوضاعهم الصحية

"الوحدة 8200" الإسرائيلية: محاولات تجنيد الفلسطينيين باستغلال أوضاعهم الصحية

13 سبتمبر 2014
الصورة
يُحوَّل الكثير من المعلومات إلى جهات سياسية(أحمد غرابيلي/فرانس برس/Getty)
+ الخط -

تكشف الرسالة الأولى من نوعها التي وجهها ضباط وجنود إسرائيليون من وحدة الاستخبارات العسكرية المختارة "8200" إلى كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع موشيه ياعلون، لإبلاغهما عن رفضهم مواصلة الخدمة العسكرية والتي تتضمن بشكل أساسي التجسس على الفلسطينيين خطورة رفض الخدمة في وحدة مختارة.

لكن الأهم أنها تكشف أيضاً عن جوانب خطيرة في عمل الوحدة المذكورة التي تختص بالتجسس الالكتروني ومراقبة الهواتف وحسابات البريد الالكتروني وشبكات التواصل لاصطياد المعلومات، وقبل ذلك ربما اصطياد فلسطينيين مدنيين يعانون أوضاعاً خاصة أو ظروفاً صحية وضائقة مادية لابتزازهم وتحويلهم إلى عملاء لإسرائيل مقابل تقديم العلاج لمرضاهم مثلاً أو السماح لهم بالسفر إلى الخارج لمواصلة تعليمهم وغيرها من الظروف التي قد يمرّ بها كل فلسطيني تحت الاحتلال.

ورغم أن نشاط الاستخبارات الإسرائيلية وعمليات تجنيد العملاء لإسرائيل عبر ابتزاز حالات كهذه، كان معروفاً مسبقاً، إلا أن اعترافات جنود وضباط الوحدة المذكورة تشكل مفاجأة جديدة ليس فقط للإسرائيليين وإنما أيضاً لحقيقة وضع مئات آلاف الفلسطينيين تحت المراقبة وليس فقط العناصر أو المقاومين العسكريين أو السياسيين في مختلف الفصائل، بل أيضاً توسيع دائرة التجسس والتنصت على أقربائهم ومعارفهم.

فقد أقرّ عدد من الجنود الذين وقّعوا على الرسالة المذكورة، في تقرير موسّع نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" بأن القاعدة الرئيسية في العمل تقول إن "كل الأوامر الصادرة لهم هي أوامر قانونية ولا توجد أوامر غير قانونية، كما أقرّوا بأن القيادات وأصحاب الرتب العليا في الوحدة لم يتورعوا عن الكذب على الضباط والجنود، وتضليلهم لضمان استمرار عملهم في الوحدة بجمع المعلومات".

انكسار الجنود العاملين في الوحدة نفسياً والكوابيس التي طاردتهم دفعتهم إلى صياغة الرسالة، بالرغم من علمهم بأن الثمن الذي سيدفعونه سيكون باهظاً، وأنهم سيتحولون من أبطال في نظر الإسرائيليين إلى "خونة".

ورغم ذلك يقرّ أحد الجنود بأن بداية نمو بذور هذا التمرد كانت في أول عملية للاحتلال في عدوان الرصاص المصبوب عام 2008، عندما قصف طيران الجيش كلية الشرطة التابعة لـ"حماس"، والذي أسفر عن مقتل 89 شرطياً فلسطينياً بدلاً من استغلال الساعات الثمينة الأولى لقصف "أهداف أكثر أهمية يساعد قصفها على منع أو تقليل خطر الهجمات الصاروخية على إسرائيل".

ويسرد "ن" الذي عمل مترجماً من العربية إلى العبرية في الوحدة، أنه عندما كان طيران الاحتلال يصيب هدفاً بناءً على المعلومات والصور التي زودتها به الوحدة 8200 كان الفرح والابتهاج يسود غرفة القيادة في مقر الوحدة، من دون أن يفكر أحد من الموجودين في هوية القتلى ومن هم ومن الذين أصيبوا من العملية إضافة إلى هدفها الحقيقي.

وهو ما حدث مثلاً عند قصف منزل القيادي في "حماس" نزار ريان في عدوان 2008-2009، إذ قتل في العملية 18 مدنياً فلسطينياً. وحتى في عملية أخرى عندما يتبين أن القصف أخطأ الهدف وأصاب الأبرياء فقد كان رد الفعل لدى الموجودين هو خيبة أمل لا أكثر من عدم إصابة الهدف من دون أي تأثر بالضحايا الأبرياء.

وتحكي "ج" وهي مجندة خدمت في الوحدة، عن وضع مشابه وعن حادثة كانت هي فيها ميدانياً، تم خلالها استهداف فلسطيني، ولكن بعد انقشاع الدخان، خرجت امرأة تصرخ بحثاً عن ولدها وتبين أن الضحية هو طفل. تقول "ج" "أدركنا أن العملية فشلت، ولكن مع ذلك واصلنا عملنا الاعتيادي".

وتشرح أن المجندين والعاملين في الوحدة يحتمون بأن عملهم هو في الأساس تقني، تسليم معلومات وخرائط، وبالتالي، تضيف "لم يكن واجبي أن أوجه الأسئلة ولا أعرف أصلاً ما إذا تم التحقيق في الحادثة أم لا".

وبحسب تقرير "يديعوت أحرونوت" أوضح الموقعون على الرسالة (43 ضابطاً وجندياً) أنهم كانوا يقومون بعملهم من دون أي تردد لأنه تم منذ البداية تدريبهم على أن كل الأوامر التي تصدر لهم هي قانونية ولا يوجد شيء اسمه أمر غير قانوني البتة.

لكن أخطر ما يكشفه التقرير وشهادات الجنود المذكورين ليس فقط التعامل "الآلي" مع الأوامر ومع سياسة التصفيات الجسدية، وإنما أيضاً حقيقة نشاط الوحدة التي تعتبر نخبوية، وعدم معرفة الجمهور الإسرائيلي بحقيقة هذا النشاط وحقيقة من تستهدفهم الوحدة في نشاطها.

ويقول الجنود إن الوحدة لا تستهدف في واقع الحال فقط المقاومين في التنظيمات الفلسطينية وإنما أيضاً، وعلى نحو كبير جداً، أناساً أبرياء ومدنيين لا ذنب لهم على الإطلاق ولا علاقة لهم بأي نشاط عسكري ضد إسرائيل، بل يتم التعامل معهم كباقي النشطاء الفلسطينيين، مع طلب توثيق وتسجيل كل معلومة تتعلق بهم وبحياتهم الشخصية وحتى بحالتهم الصحية والاقتصادية، وأيضاً ميولهم الجنسية، وتثبيت كل ذلك في بطاقات وملفات رسمية، حتى يتسنى استخراجها واستعمالها عند الحاجة، لتجنيدهم وتحويلهم إلى متعاونين وعملاء للاحتلال.

ويوضح "ن" أنه تم في إحدى المرات "إسماعه اتصالاً هاتفياً بين رجل أمن (استخبارات) إسرائيلي وفلسطيني عادي تم خلاله تذكير الفلسطيني بأن شقيق زوجته مريض بالسرطان وأن العلاج في المستشفيات الإسرائيلية أفضل له". ويقول إن الرسالة واضحة "دلّنا على قريبك المطلوب للسلطات تحصل على العلاج لشقيق زوجتك". ويعترف "ن" بأنه جمع خلال عمله في الوحدة معلومات عن مئات الأشخاص. ويقول "إذا كنت مريضاً وبحاجة للعلاج في إسرائيل أو خارجها، فإن إسرائيل ستجعلك تموت قبل أن تمنحك العلاج إذا لم تتعاون معها وتسلّم معلومات مثلاً عن قريبك إذا كان مطلوباً للسلطات الإسرائيلية".

من جهتها، تقرّ "ج" بأنها "وجدت أن لنشاطها تأثيراً كبيراً على حياة الفلسطينيين، فهي أحياناً قادرة على المسّ بحياتهم وأرواحهم، نحن نتحدث هنا عن الابتزاز الذي من شأنه أن يخرّب عليهم حياتهم".

ويسرد جندي آخر في الوحدة أنه ظن مع بداية تجنيده أنه يعمل لحماية مصالح أمنية، قبل أن يضيف "لكن تبين لي خلال خدمتي العسكرية أن الكثير من نشاطنا وجهدنا لا علاقة له بالأهداف الأمنية والمصالح الأمنية بل يصار إلى تحويل الكثير من المعلومات لجهات سياسية وليس للجهات الأمنية، ويجري استغلالها لمصالح سياسية لخدمة مواقف الحكومة والسياسيين في مواجهة الموقف الفلسطيني، وهو ليس من اختصاص عمل الوحدة أو الجيش".

ويصف جندي آخر أن "أفراد الوحدة كانوا يقضون أحياناً أوقاتهم بالتنصت على مدنيين فلسطينيين محددين وليس بصورة عشوائية، كما نسجل محادثاتهم الهاتفية، نعرف منهم من يخون زوجته ومن عشيقته، واتصالات أخرى عن قضايا ومشاكل يومية مثل عمليات جراحية صغيرة. كنا نسخر منها ونضحك عليها، وكنا نضع صور من نتابع اتصالاتهم ونتجسس عليهم، نسخر ممن يبدو أبناؤهم بشعين أو غير وسيمين، أو من صور أخرى غير محتشمة. وكان قادة الوحدة يعرفون ذلك ويعلمون بما كما نفعل، لكنهم كانوا يغضّون الطرف ويتجاهلون ذلك كلياً، باعتباره جزءاً من حياة الوحدة ومن سبل تعزيز الجو العائلي الداخلي في الوحدة".

دلالات

المساهمون