"المسكيت" المسكين

09 اغسطس 2019
الصورة
شجرة متهمة (آدم جان/ فرانس برس)
+ الخط -
مسكينة هي شجرة "المسكيت"، فالكلمة في بلادها الأصلية (أميركا الوسطى والجنوبية) تعني "نحو الوفرة"، لكنّها في السودان صارت تعني قلة المزروعات الأخرى في وجودها. وقد وصفت في دوائر المزارعين بأنّها سرطان غزا الحقول والبساتين، وأعاق مياه الريّ، وأغلق قنوات الريّ، والسبل بين المزارع، وظل ينافس الأشجار المحلية، ويوفر المأوى للآفات والحشرات، بل هي مرتع ومخبأ للخارجين على القانون حول المناطق السكنية.

انضمت شجرة "المسكيت" إلى الأشجار المستجلبة مثل "النيم" و"الدمس" و"الكاسيا" و"التيك" منذ عام 1917، حين أُدخل "المسكيت" التشيلي نسبة إلى توافر عناصر النموّ السريع، على العكس من أشجار البيئة المحلية بطيئة النموّ، والمعرضة لضغط الرعي في مراحل النموّ الأولى، ولقدرتها الكبيرة على مقاومة الجفاف، وتثبيت الكثبان الرملية. في الفترة من 1928 إلى 1938 زُرع "المسكيت" حول العاصمة الخرطوم، ومدن أخرى شمال وشرق وغرب السودان، وأثبتت جدواها في تعمير الأراضي الصحراوية ذات معدلات الهطول المتدنية، في كلّ هذه المناطق المتباينة المناخ والجغرافيا. ولم يثبت أنّها في تلك الفترة قد انفلتت من عقالها كما حدث في المرة الأخيرة، حين أُعيد إدخالها بواسطة بعض المنظمات العالمية لمجابهة قسوة الجفاف، وشدة الزحف الصحراوي في سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي، حين طمرت الرمال المتحركة الأراضي الزراعية النيلية في ولايتي نهر النيل والشمالية، ولم يكن من خيارات شجرية سوى "المسكيت". وما هي إلّا سنوات قليلة حتى أصبح انتشارها واستيطانها في بعض المشاريع الزراعية محلّ خلاف، فبدأ المزارعون ينظرون إليها كمارد دخيل، وطفيل يغزو أراضيهم ويستعمرها، فيما يرى فيها الرعاة فوائد جمّة، إذ توفر العلف والظلّ للحيوانات، وخصوصاً في فترات الجفاف.

علمياً، تصنف شجرة "المسكيت" في كونها أحد أفراد العائلة البقولية، وتفرز موادّ نيتروجينية تفيد النباتات الأخرى، وتخصب التربة، كما لا تحتاج إلى الريّ كثيراً، ففي خلال أقل من عام يكتمل نموّها من دون أن تتهددها الحيوانات بأكل أوراقها أو ثمارها غير الناضجة، ذات المحتوى العالي من الموادّ السكرية والبروتينية والزلالية في قمة نضجها.




حرب شعواء اشتعلت في منتصف التسعينيات ضد "المسكيت"، إلى حد مناقشة السلطات على أعلى مستوياتها "مشروع قانون إبادة المسكيت (فبراير/ شباط 1995)"، وجوبهت الحملة من قبل أهل الغابات وخبراء المراعي بإبراز محاسن الشجرة المتمثلة في طول العمر الحيوي، وسهولة وسرعة النموّ والإثمار، والعديد من الفوائد الطبّية لمستخلصات ثمارها. فهل نتوقع صدور رأي علمي واضح بشأن أضرار "المسكيت" المحتملة في الأيام المقبلة؟

*متخصص في شؤون البيئة

المساهمون