"الفوضى غير الخلّاقة" في تقديم الشعر العربي

05 نوفمبر 2019
الصورة
مقبول فدا حسين/ الهند

صدر مؤخرا في العاصمة الألبانية تيرانا كتاب بعنوان يثير الاستغراب "مختارات من الشعر العربي والفارسي: مرام المصري وجلال الدين الرومي"! من إعداد وترجمة ماكسيم راكيباي، وهو من عنوانه يعبّر عن الوضع الكارثي الذي آل إليه التعريف بالشعر العربي في اللغة الألبانية خلال الفترة الانتقالية ما بين "الحكم الشيوعي" و"الحكم الديمقراطي".

فعلى الرغم من اهتمام ألبانيا الخوجوية (1945-1985) بالشرق و"قضايا التحرر من الإمبريالية"، حتى أن أنور خوجا خصّص أحد مؤلفاته عن "الشرق الأوسط"، إلا أن ألبانيا الأكاديمية لم تحتضن أي اهتمام أو قسم للدراسات الشرقية على الرغم من التراث الغني للمخطوطات الشرقية فيها والعلاقات التاريخية المتنوّعة بين الألبان والعرب، وهو الوضع الذي بقي على ما هو عليه حتى الآن. وعلى العكس من ذلك احتضنت يوغسلافيا التيتوية (التي كانت تضم حوالي نصف الألبان) أول نواة لـ "الاستشراق الألباني" في 1973 حين تمّ تأسيس ثالث فرع للاستشراق في جامعة بريشتينا.

صحيح أن هذا القسم كان بطابع يوغسلافي، أي أنه كان يضم نخبة من المستشرقين من كل أرجاء يوغسلافيا (حسن كلشي، وراده بوجوفيتش، وفتحي مهديو، وأسعد دوراكوفيتش، وحارث سيلاجيتش، وإسماعيل أحمدي وغيرهم) إلا أنه أسّس نواة "الاستشراق الألباني" وهو الذي أصبح واضحا مع انهيار يوغسلافيا، حيث تفرّق الجميع بين جمهورياتهم الجديدة التي جاؤوا منها.

ونظرا لقرب المسافة بين تيرانا والعاصمة الكوسوفية بريشتينا فقد أصبح قسم الاستشراق بطابعه الجديد يشدّ إليه بعض الطلبة من ألبانيا، التي بقيت من دون قسم أكاديمي للدراسات الشرقية حتى الآن. وربما يرتبط هذا بفورة التحرر من "الشرق الإيديولوجي" بعد "الشرق العثماني"، على حدّ تعبير الروائي إسماعيل كاداريه آنذاك، ورغبة الانسلاخ السريع عن الشرق والاندماج السريع بالاتحاد الأوروبي. ولكن على الرغم من هذا فقد تعزّز الاستشراق الألباني عام 2008 بقسم جديد في جامعة تيتوفو بمقدونيا الغربية، ذات الغالبية الألبانية، وحتى أنه توسّع ليضم برنامج ماجستير ودكتوراه.

في هذه الظروف أصبح ما يصدر في تيرانا من كتب عن الأدب العربي دونما ضوابط، سواء من خلال لغات وسيطة (الإنكليزية والفرنسية والإيطالية إلخ) أو لافتقاده معايير مهنية أساسية. وربما أفضل ما يعبّر عن هذا الكتاب الأخير الصادر عند دار "يوجن" بعنوان "مختارات من الشعر العربي والفارسي: مرام المصري وجلال الدين الرومي وغيرهما"، الذي أعدّه وترجمه ماكسيم راكيباي.

وربما ينطبق المثل العربي "الفرس من الفارس" على هذا الكتاب ومترجمه. فماكسيم راكيباي (1951) ، كما يرد في التعريف عنه، تخرّج في الأكاديمية العسكرية البحرية وأصبح ضابطا في الجيش الألباني، واعتقل في 1977 وحكم عليه بالسجن 15 سنة قضى منها في السجن سبع سنوات ثم بعد سقوط الحكم الشيوعي عمل في البحرية التجارية إلى عام 2002 حيث استقر في إيطاليا وتنطّع للترجمة من الإيطالية إلى الألبانية فأصدر مختارات شعرية "عشرون قصيدة حب وقصيدة حزن" ومختارات من أشعار بابلو نيرودا وكتاب "النبي" لجبران خليل جبران (مع أنه كان قد ترجم مرتين إلى الألبانية قبل ذلك).

ومع الاطلاع الأولي على الكتاب وما فيه يبدو من الصعب أن يستحق العنوان الذي يحمله (مختارات) لأن من يقوم بإعداد مختارات يفترض أن يكون عارفا بالتراث الشعري وتياراته للأدب الذي يقدّمه وأن يكتب مقدمة وافية تعرّف بذلك وأن يحدّد معايير الاختيار التي اعتمد عليها للشعراء الذين اختارهم وترجم لهم، وأن يعرّف بهم في نهاية الكتاب وغير ذلك مما أصبح متعارفا عليه في الألبانية منذ أن صدرت "مختارات من الشعر العربي الحديث" في بريشتينا عام 1979. ولكن كل هذا لا يوجد في الكتاب ولا يوجد حتى التزام بالعنوان نفسه، لأن المترجم يفاجئنا بوجود قسم ثالث: الشعر الأفريقي!

بالنسبة للشعر العربي نفسه نجد أن المترجم قد جمع في القسم الأول (شعر عربي) أربع قصائد لأربع شعراء من ثلاثة بلدان مختلفة (حمدة خميس من البحرين ، أحمد الشهاوي وفاطمة ناعوت من مصر وظبيه خميس من الإمارات) من دون أن يوضح المعيار الجغرافي أو الشعري لجمع هؤلاء معا. أما القسم الثاني (العراق) فقد ورد فيه قصيدة واحدة لكل من أمل الجبوري وعبد الوهاب الجبوري ودنيا ميخائيل وسبع قصائد لنازك الملائكة.

ومع تخصيص القسم الثالث لإيران نجد في القسم الرابع (الكويت) قصيدة واحدة لسعدية مفرح، وفي القسم الرابع (لبنان) لدينا قصيدتان لحفيظة حيدر وعشر قصائد لجمانة حداد وقصيدة من خمسة أبيات لإميل معلوف، وفي القسم الخامس (المغرب) لدينا قصيدتان لأمينة المريني. في القسم السادس (فلسطين) لدينا مفاجأة حيث أورد فيه قصيدتين لطفلين فلسطينيين في الرابعة عشرة من عمرهما محمود أبو عروج وطائل سوريك وقصيدتان لفدوى طوقان، وكذلك الأمر في القسم السابع (سورية) حيث لدينا مفاجأة أخرى. ففي هذا القسم احتلت مرام المصري أكثر من ربع الكتاب (ص 74-144 من أصل 229 صفحة) مع 65 قصيدة، وخمس قصائد لعائشة أرناؤوط وقصيدة واحدة لكل من فرج بيرقدار وحسين حمزة وقصيدتان لمحمد الماغوط و11 قصيدة لنزار قباني وقصيدة واحدة لسلوى النعيمي. في القسم الثامن (الصومال) لدينا قصيدتان لنور الدين فرج، ويختم القسم التاسع (تونس) العالم الشعري العربي بقصيدتين لأبي القاسم الشابي.

وبالعودة إلى العنوان نجد أن القسم الثالث الموجود بين شعراء العراق والكويت قد خُصّص للشعر الإيراني المعاصر، ولكن لا نجد فيه سوى سبع قصائد لفروغ فاروق زاد وأحمد شاملو وسهراب سبهري. وبعد أن يجول الكتاب في أرجاء العالم العربي يعود فجأة في القسم العاشر ليعرّف بالشعر الفارسي القديم من خلال فريد الدين العطار وفضولي وحافظ شيرازي وجلال الدين الرومي، ثم يفاجئنا بقسم جديد (الحادي عشر) تحت عنوان "أشعار أفريقية" تضم قصيدة لنلسون مانديلا من جنوب أفريقيا وقصيدتين من نيجيريا لسابل سيغون وكن سارو ويوا.

وبعد هذه الأقسام ينتهي الكتاب فجأة دونما نُبذ تُعرّف بالشعراء الموجودين التي تساعد في فهم المعايير المعتمدة التي همّشت بعض الشعراء الذين يستحقون أكثر ونفخت كثيرا في شعراء لا يستحقون أكثر من قصيدة بينما غيّبت تماما شعراء أساسيين. فهل يمكن أن تمثّل فلسطين بطفلين ويتمّ تغييب الشاعر محمود درويش؟

في هذا العمل المسيء إلى الشعر العربي، حسب رأينا طبعا، هناك تخبّط بل تراجع عما تمّ تقديمه إلى القرّاء الألبان قبل أربعين سنة (1979)، بل يمكن القول إن الكتاب لا يمثل "مختارات" لأن المختارات في الأصل تعتمد على معرفة واسعة لمن يقوم بإعدادها مقدمة وافية عن الشعر المختار ومعايير اختيار الشعراء، وهذا كله لا يوجد في هذا الكتاب، بل إن ما هو موجود "تجميع" لما وجده المترجم في اللغة الإيطالية. والأكثر من ذلك لا يوجد في هذا الكتاب احترام للقارئ الذي يتوقع أن يجد في الكتاب بعض ما في العنوان، أي ما الذي يجمع الشعر العربي الموجود مع الشعر الفارسي/الإيراني وما الذي يجمع مرام المصري مع جلال الدين الرومي!

وأخيرا لدينا في "الكتاب" مشكلة أخرى بكون معظم هذه القصائد تمثّل "ترجمة الترجمة"، أي أنها تُرجمت من الأصل إلى الإيطالية ومن ثم إلى الألبانية. وفي حالة مقارنة واحدة تمّت مع قصائد عائشة أرناؤوط اتضّحت المسافة بين الأصل والواصل الآن إلى القارئ، بل إن هناك قصيدة لم يتمّ التعرّف إلى مصدرها الأصلي!