"الطاعون في العصر الأموي": صور أولى لأدبيات الأوبئة

22 فبراير 2018
الصورة
(مقطع من "لوح بردى"، فسيفساء المسجد الأموي في دمشق)

خلافاً لـالمكتبة الأوروبية التي تحتشد بدراسات حول الأوبئة التي عصفت بالقارة العجوز منذ القرون الوسطى وإلى اليوم، فإن المراجع العربية لم تلتفت كثيراً إلى تاريخ الأمراض التي عصفت بالمنطقة، وكيف تمّ التصدي لها، وصلتها بالأحوال الاقتصادية، وسجلها الطبي وتطوّره والخلفيات الاجتماعية والثقافية المتعلّقة بها.

تختلط الروايات التي تنقل أخبار المرض ضمن الكتابات التي تناولت الكوارث الطبيعية، والمجاعات، والأزمات الاقتصادية، من دون التفصيل في تواريخ وقوعه على وجه الدقّة، أو تعقّب حالات انتشاره، رغم أن بعض المؤرخين حاولوا الوقوف على أسباب حدوث كلّ وباء والتفريق بين الأوبئة، كما ورد مثلاً في كتاب "الولاة والقضاة" للكندي، و"أخبار الأول" للإسحاقي، و"تحفة الراغبين في بيان أمر الطواعين" للأنصاري.

لم تكن مناهج الكتابة التاريخية في العصور الإسلامية الأولى، قد تجاوزت كثيراً حدود الاهتمام بتاريخ السلاطين والولاة والجيوش والحروب وشؤون السياسة بشكل عام، ورغم تطوّرها منذ القرن الرابع الهجري، إلا أن مصادرها ظلّت شحيحة، وبقي تأويل أخبارها محدوداً حتى العصر الفاطمي والمملوكي، اللذين ظهر خلالهما مؤرّخون استفاضوا في تناول الأوبئة وربطها بالعوامل والمتغيّرات السياسية والاقتصادية.

في هذا السياق، صدر حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في الدوحة كتاب "الطاعون في العصر الأموي: صفحات مجهولة من تاريخ الخلافة الأموية"، للباحث المصري أحمد العَدوي، الذي يلقي الضوء على آثار هذا الوباء في تلك المرحلة.

يتتبّع المؤلّف تداعيات الوباء في ظلّ الأوضاع الديموغرافية في ذلك العصر، وانعكاساتها على النظم والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في بلدان الدولة وأقاليمها، في الشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا، أي حواضر الخلافة التي شهدت، دون غيرها، موجات كارثية عظمى من الطاعون، أبرزها طاعون ابن الزبير الجارف، وطاعون مُسلم بن قتيبة الذي ختم عهد الأمويين.

العدوي يعود في كتبه السابقة إلى قراءة مختلفة في المراجع التاريخية للإضاءة على الحياة الاجتماعية في التراث العربي، كما في دراسته المعنونة بـ"ملحوظات على اليوميات في الكتابة التاريخية الإسلامية" عبر تتبّعه ما يمكن تسميته بالمذكّرات والكتابات السيرية التي تضمّنتها بعض المؤّلفات، وإن جاءت على شكل شذرات ونُتف، معتبراً "شرح ابن عقيل" أوّل تمثيل لها في إطار حديثه عن شخصية الحلّاج.

في كتابه الجديد، يقف العدوي عند استدعاء الطاعون بوصفه كارثة إنسانية كبرى، مستعرضاً التساؤلات الدينية والفلسفية العيمقة حوله، في محاولة لفهم ما يمكن تسميته "أدبيات الطاعون" في صورتها الأولى في التاريخ الإسلامي، ومن جهة أخرى فإنه يجمع تقويماً إحصائياً لفورات الطواعين بما أتاحته المصادر على قلّتها.

لكن الأهم من ذلك؛ هو تقديمه صورة تقريبية لضحايا الطاعون حيث نسبة الناجين تقدّر بـ 1: 14، والمفارقة أنها لم تتغيّر كثيراً، إذا ما قارناها بما نقلته المصادر الحديثة حول ضحاياه في بلاد الشام مثلاً في القرن التاسع عشر، وكذلك تأثيره الحاسم في التغيّرات الديموغرافية وتهجير السكّان، واستحقاقاته السياسية، إذا يرى الكاتب مثلاً أن الثوار العباسيين اختاروا الوقت الملائم لإعلان ثورتهم على الأمويين بين طاعونين كبيرين أصابا الشام والعراق بين عامي 127 هـ/ 743 م، و131 هـ/ 748 م، ونجحوا في ذلك بالطبع.

يتألّف الكتاب من ثلاثة فصول، هي: "مكانة الطاعون في عالم العصور الوسطى"، و"فورات الطواعين في العصر الأموي"، و"الآثار الديموغرافية للطواعين وانعكاساتها على المجتمع والدولة في العصر الأموي".

تعليق: