"الحركات الاحتجاجية في المغرب" كظاهرة سوسيوسياسية

22 اغسطس 2019
الصورة
(من احتجاجات مدينة الحسيمة شمالي المغرب، 2017)
لطالما أشارت الدراسات التي تناولت الحراكات الشعبية في المغرب، إلى خصوصية النظام الذي تعود مؤسساته ونظمه الأدارية إلى أكثر من ثلاثمئة عام متواصلة، ما شكّل قدراً من الواقعية قاد إلى سلسلة من الإصلاحات نهاية التسعينيات اعتبرها باحثون سبباً في عدم انفجار الأوضاع عام 2011، خلافاً لبلدان عربية أخرى.

في سياق يتعلّق بتحليل مغاير للواقع، صدر حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" كتاب "الحركات الاحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن الاستمرارية" للباحث المغربي الحبيب استاتي زين الدين.

يحللّ المؤلّف الحركات الاحتجاجية في المغرب علمياً، ليس باعتبارها ردات فعل جماعية على أوضاع سياسية واجتماعية معيّنة وبطرائق غير عنيفة فحسب، وإنما بوصفها ظاهرة سوسيوسياسية تعبِّر عن يقظة شعبية، وتكرِّس الحق في التعبير عن الرفض والاختلاف، وبلورة مواقف تجاه قضايا مختلفة، وممارسة الضغط السلمي على السلطة.

ينطلق زين الدين في الفصل الأول "زمن الاستئناس بالاحتجاج في ظل ثلاثية المخزن والقبيلة والمستعمر"، من مسلّمة جوهرية قوامها أن الحفر في ظاهرة الاحتجاج يفرض على الباحث العودة إلى التاريخ بوصفه دراسة رموز، قائمة حاليّاً ودالة على تلك الحوادث التي عاشها الإنسان في الماضي، سواءً أكانت هذه الرموز من منظور عبد الله العروي بقايا مادية أم نقوشاً أم شهادات شفوية.

في الفصل الثاني "من الاحتجاج على التسلط إلى سلطة الاحتجاج"، يسعى الباحث إلى فهم طبيعة التغير الذي مسّ الفعل الاحتجاجي بانتقاله من رفض الفاعل السياسي تمظهرات القهر والتحكم في السلطة وتوجيه دفتها خلال سنوات الاحتجاج الممنوع، إلى ظهور فاعلين جدد أكسبوا هذا الفعل سلطة رمزية لها القدرة على المساءلة والضغط والتنبيه إلى ضعف الاختيارات التنموية للحكومات المتعاقبة، على نحو يشير إلى ميلاد وعي جديد في إطار ما يمكن أن نطلق عليه المقاربة الانفتاحية على المعارضة في العقد الأخير من القرن العشرين، بضرورة بناء دولة المواطَنة، والتحرر من التبعية وإقرار الديمقراطية وتحقيق التنمية.

أما في الفصل الثالث وعنوانه "أشكال الممارسة الاحتجاجية وملامحها"، فيعتمد المؤلف آليتي التحليل والمقارنة لتبيان مختلف أشكال الممارسة الاحتجاجية وملامحها في أفق التحديد الدقيق لما هو مستقِرّ ومتجدِّد فيها.

لكن المؤلف، في الفصل الرابع الموسوم "الاحتجاج السلمي بين التضمين القانوني والتمكين الواقعي"، يحاول تقريب مضامين النصوص القانونية المنظِّمة الحق في الاحتجاج السلمي على المستويين الدولي والوطني من ذهن القارئ، وتيسير فهمه مأزقَ المقاربة الأمنية التي تسلكها الإدارة في تدبير ثنائية الحق في الاحتجاج السلمي وواجب احترام النظام العام، موازاةً مع جعله يتنبه إلى صعوبات نجاح القضاء في مهمة التوفيق بين إكراهات السلطة ومستلزمات الحرية في ظل مجتمع تراهن ديناميته على إحداث التغيير في إطار الاستمرارية.

يرى المؤلف في الفصل الخامس، "حركة 20 فبراير ورهان التغيير في سياق الاستمرارية"، إلى تشخيص محفِّزات الحراك المغربي وتداعيات عدوى انتشاره، بتعبير صامويل هنتنغتون، من خلال تسليط الضوء على السياق العام والخاص لبروز حراك "20 فبراير"، ومكوناته الأساسية، والمطالب التي انبثقت عنه، فضلاً عن الاستراتيجية التي نهجها النظام السياسي لمصاحبته واحتوائه، وردات فعل الحركة والمآلات التي بَلَغتْها إلى حدود عام 2017.

وفي الفصل السادس، "الفعل الاحتجاجي في ضوء السوسيولوجيا السياسية"، يستعين زين الدين بالتراكمات الفكرية للسوسيولوجيا السياسية، في مسعى إلى فهم هذه الظاهرة المتعددة الأوجه، مع الانتباه إلى الاختلافات النظرية، والانتقادات التي وُجِّهت إلى أطروحاتها، ومراعاة السياقات التي تتحكم في الفعل الاحتجاجي، خصوصًا أن الحقل التجريبي لهذه النظريات داخل المؤسسات الجامعية والمراكز البحثية في البلدان العربية، ومن بينها المغرب، ما زال بكراً.