"الحرب الكبرى": فلسطين عشية سقوط الإمبراطورية العثمانية

19 سبتمبر 2018
الصورة
(محطة القطار الرئيسية في حيفا، 1920)

كرّس أستاذ علم الاجتماع الفلسطيني سليم تماري (1945) مؤلفّاته البحثية بشكل أساسي لتناول التاريخ الاجتماعي لفلسطين وبلاد الشام، محاولاً تثبيت صورة حيّة بكافة تفاصيلها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لهذه المنطقة قبل نكبة فلسطين، في توثيق لا ينقصه عمق التحليل وغنى المراجع والوثائق التاريخية التي يعيد قراءتها.

عند السادسة من مساء غدٍ الخميس، يقام حفل إطلاق كتابه الجديد "الحرب الكبرى وإعادة تشكيل فلسطين" في "رواق مركز المعمار الشعبي" في مدينة رام الله، والذي يتعرض خلاله إلى تاريخ فلسطين في العقد الأخير من عمر الإمبراطورية العثمانية وللتيارات الفكرية والاجتماعية الناشئة فيها.

يسعى الكتاب، من خلال توظيف "الإثنوغرافيا" والسير الذاتية النادرة والخرائط والصور غير المنشورة، إلى توضيح التكوين الذاتي والواعي للمجال العام الفلسطيني الحداثي؛ حيث أن الحرب العظمى حفّزت إنتاج إحيزات مدنية جديدة من مدارس وآثار وحدائق عامة وخطوط سكك حديد وطرق، تم ذكرها بالتفصيل من قبل تماري لتظهر لعالم يتحدى الإنكار السياسي لوجود فلسطين كفضاء جغرافي وثقافي وسياسي واقتصادي.

يضيء تماري على أبعاد جديدة تُضاف إلى كتابه "عام الجراد: الحرب العظمى ومحو الماضي العثماني من فلسطين" الذي صدر عام 2008، حيث قارب تأثير الحرب العالمية الأولى (1914 – 2018) بالعودة إلى مذكرات جنود عايشوها، وقرأها في مستويين؛ بلورة الهوية الوطنية القومية، واستبطان تجربة الحداثة في أحاسيس الناس، حيث يظهر هذان المستويان للوعي بعد مضيّ قرن من الزمن وكأنهما خطاب واحد متكامل على الرغم من كونهما تجربتين منفصلتين في وجدان الناس الذين عاشوا أهوال تلك الحرب.

ويرى صاحب "الجبل ضد البحر: دراسات في إشكاليات الحداثة الفلسطينية" أن الحداثة انعكست في ظهور الفردانية، والحب الرومانسي، وزيادة فرص الحراك المهني، والحياة المستقلة عن العائلة (وإن كانت حياة تعتمد على حيّز العائلة)، وهي تحولات خاضها الناس كتجارب لم ترتبط بأذهانهم بالضرورة بتبلور وعي قومي جديد في فلسطين مع أن الظاهرتين تزامنتا (بلورة الهوية الوطنية واستبطان الحداثة).

كما يشير إلى أنه على الرغم من ارتباط هذين الحدثين معاً – بمعنى أن التغيير الأول أوجد الإطار الهيكلي لحدوث الثاني - فالواقع أنهما كانا منفصلين كتجربة حياتية، فقد كان ظهور الفردانية المستقّلة عن إطار العائلة والقوم تجربة حادة وواضحة المعالم واتخذت شكل التمرد الإبداعي والاستقلال الفردي، وكان التعبير عن الهوية الوطنية كانتماء متعدٍ للارتباطات المحلية – بعكس المتوقع – هلامياً ومجرداً.