"الاختيار" ليس بين اثنين فقط

02 مايو 2020
الصورة
لم أشاهد مسلسل "الاختيار" الذي تذيعه قناة "أون تي في"، شبه الرسمية المصرية، ولكن المعارك الضارية بشأنه على مواقع التواصل ليست عن تفاصيله الفنية، بل عن حدود معسكرات استقطاب سياسي حاد، بين مؤيدي النظام المصري ومعارضيه الذين بدورهم ينقسمون بشكل رئيسي أيديولوجياً بين الإسلاميين وخصومهم.
حاول معارضون النيْل من شخص العقيد البطل أحمد المنسي، من دون أن يجدوا ولو واقعة واحدة تدينه، بل بالعكس، ليست فقط شهادات كل من خدموا معه، والتي أجمعت على أخلاقه ومعاملته الكريمة الجنود وأهالي سيناء، بل أيضاً شهادات أفراد محسوبين على الثورة، مثل معتقل سياسي سابق قال إن منسي أنقذه من عساكر كانوا ينهالون عليه ضرباً.
ومع ذلك تم استدعاء صورة وحيدة تجمع المنسي مع سالم أبو لافي، أحد وجوه قبيلة الترابين، الذي تعاون مع الجيش فاغتاله تنظيم داعش، وقالوا إن أبو لافي تاجر مخدرات وقاتل ضباط شرطة سابقاً. والعجيب هنا أن هذه كانت رواية وزارة الداخلية زمن حبيب العادلي، آخر وزرائها في عهد حسني مبارك، والتي صدرت بسببها أحكام غيابية على سالم قبل الثورة، فكيف تصدّقونها حيناً وتكذّبونها حيناً حسب الهوى؟ وماذا عن التباكي على انتهاكات الجيش ضد "أهالي سيناء"، كأن أبو لافي ليس من هؤلاء الأهالي؟ أو أن ذبح "داعش" قيادات دينية وقبلية، فضلاً عن مذبحة المصلين في مسجد الروضة، ليس ضد "الأهالي"؟
طرح هزلي اعتذاري آخر حول أن الضابط السابق الذي حكم عليه بالإعدام، هشام عشماوي، انفعل بمعاناة أهالي سيناء، وأنه كان مجرّد رد فعل لفصله من الجيش، بسبب التزامه بالقرآن والأذكار، لكن عشماوي بدأ رحلته في عام 2012 وليس في 2013، وتشهد كلماته بنفسه "أعيدوا حق الله" في 2015، و"ولا تهنوا ولا تحزنوا" في 2017، بأفكاره السلفية الجهادية الخالصة. لا يتحدّث الرجل بكلمة واحدة عن الرئيس محمد مرسي أو الانتخابات أو ظلم شخصي، بل حديثه عن "تحكيم شرع الله"، والأمة الإسلامية من بورما إلى العراق، كما يليق بشخص مثله، حافظ على ولائه الأصيل لتنظيم القاعدة... ولافت هنا أنه حين خصّص مدون الفيديو عبد الله الشريف إحدى حلقاته لقصة عشماوي، مروّجاً هزليات اعتذارية، رد عليه كل من محامي عشماوي ومحامي زوجته لا غيرهما!
في المقابل، بالغ أيضاً بعض المنتمين لمعسكر الموالين، إلى حد اعتبار كل من يعارض سياسياً يقدّم دعماً للإرهاب ولعشماوي، وتم استغلال القصة لمهاجمة معارضين سلميين ومنظمات حقوقية، وبالطبع رفض أي نقد لأي انتهاك حقوقي مارسه أفراد من الجيش، بل استعاد بعضهم تأييد مذبحة ميدان رابعة العدوية في صيف 2013، بوصفها انتقاماً مبكّراً، وبمد الخط يصلون إلى سُباب ثورة يناير التي أدّت إلى كل ما حدث.
ولافت هنا أن اختيار لحظات بالتاريخ القريب كبداية درامية بهدف التوظيف السياسي هو مما يستوي فيه الفريقان، بينما واقعياً تاريخ الحركات الجهادية في سيناء يرجع إلى تأسيس خالد مساعد جماعة التوحيد والجهاد في 2001.
لسنا بحاجة إلى هذا "الاختيار"، فالمفترض أن أي مصري من أي تيار لن يتردّد أن يكون مع البطل منسي، وضد الإرهابي عشماوي، في معركةٍ عسكريةٍ مكانها الميدان الذي يتحد فيه المصريون، ولا علاقة لها بالخيارات السياسية.
يمكن أن تقول في جملة واحدة: "ندعم حرب الجيش ضد إرهاب داعش، بالضبط كما ندعم الحفاظ على المعايير القانونية والدستورية في توقيف ومحاكمة المتهمين"، أو "ندين الإرهاب الذي يمارسه داعش، والذي لا علاقة له بإدراج نشطاء سلميين بقوائم الإرهاب، مثل زياد العليمي".
المزيد من تعميق الاستقطاب لا يخدم أي طرف شعبي، كما أن تعمد إيلام الخصم بإهانة ما يمثل قيمة عزيزة لديه لا يحمل أي فائدة. وبالعكس، طرح المواقف النقدية على أرضية البحث عن المساحات المشتركة الممكنة، هو مما يزيد من المصداقية والفاعلية. وبقربنا نشهد تجربة لافتة لتفاهمات حركة حماس والنظام المصري على أرضية التعاون ضد العدو الإرهابي المشترك، مع التسليم بالاختلاف الكبير بين السياقين.
خيارات المصريين يجب أن تكون أكثر بكثير من اثنين.
تعليق: