"أيا صوفيا" مسجداً .. ملاحظات أساسية

16 يوليو 2020
الصورة

أيا صوفيا في ليل إسطنبول (11/7/2020/الأناضول)

الحديث بداية، للدقة، عن قرار المحكمة العليا الإدارية العليا في تركيا، يوم الجمعة 10 يوليو/ تموز الجاري، إعادة متحف آيا صوفيا مسجدا، كما كان خمسة قرون تقريباً، لا عن تحويل آيا صوفيا من متحف إلى مسجد، كما يتحدث بعضهم. والمحكمة هذه (مجلس الدولة) هي أعلى محكمة مختصة في تركيا، وفحصت القضية سنوات، وراجعت آلاف الوثائق. وقد اشتمل قرارها تسجيل مبنى آيا صوفيا في سند الملكية (الطابو) ضمن وقف السلطان محمد الفاتح، ولا يجوز قانوناً تغيير الصفة والمكانة. وبناء عليه نفذ الرئيس، رجب طيب أردوغان، الحكم القضائي، ناقلاً مرجعية المبنى وملكيته إلى مجلس الشؤون الدينية، وبالتالي إعادته إلى مسجد كما كان حاله مئات السنين.

قصّة الطابو شائقة هي الأخرى، حيث كتب السلطان محمد الفاتح، في ما يشبه الوصية، ومستشعراً بحسّه، القيادي والتاريخي، ما حدث بالضبط أن المبنى هو مسجد "ضمن الوقف"، ولا يجوز تحويله أو المساعدة في ذلك أو حتى السكوت عنه. حتى أنه لعن من قد يقوم أو حتى يفكر بفعل ذلك، وهو السند نفسه الذي استندت إليه المحكمة في حكمها التاريخي قبل أيام، والذي ألغى قرار مجلس الوزراء التركي، واتخذه في العام 1934 الرئيس السابق مصطفى كمال أتاتورك، وكان قرارا سياسيا اتخذ ضمن توجه عام للدولة، ولم يتعرض للفحص أو المراجعات القانونية، كما لم يمر أصلاً في بيئة ديمقراطية مؤسساتية، مثل قرارات أحادية جبرية وقهرية أخرى فرضها أتاتورك على الدولة والشعب التركيين، مثل إلغاء الخلافة العثمانية ووقف استخدام الحرف العربي في اللغة التركية، والاستعاضة عنه بالحرف اللاتيني، وقطع صلات تركيا الحضارية التاريخية العميقة والممتدة قرونا مع الشرق العربي الإسلامي، لصالح العلاقة مع الفضاء الحضاري الغربي. وقد زعم أتاتورك أنه يريد جعل آيا صوفيا إرثا للإنسانية جمعاء، وهذا لا يقتضي بالضرورة تحويله إلى متحف، لأن عديدا من المباني والمؤسسات ودور العبادة الإسلامية والمسيحية تعتبره إرثاً للإنسانية، وما كان يستلزم الأمر تغيير الصفة بشكل أحادي جبري وغير قانوني، كي تصبح كذلك. ومن هنا، تأتي أهمية الحكم الذي أعاد الاعتبار للقانون والمؤسسات، مكرّساً، من جهة أخرى، فكرة أن ما فرضه أتاتورك بشكل أحادي جبري وقهري يتم تصحيحه، ولكن بشكل ديمقراطي قانوني ومؤسساتي. 

كانت إعادة آيا صوفيا إلى وضعه الطبيعي مسجداً مسألة وقت، منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة قبل عقدين

كانت إعادة آيا صوفيا مسجدا حلماً ومطلباً شعبياً في تركيا لعقود، وتحدّث الرئيس أردوغان عنه عندما انتخب رئيساً لبلدية إسطنبول قبل نحو ثلاثة عقود. ولكن ما كان بالإمكان تحقيق ذلك بشكل فوري أو جبري وصادم، أو غير قانوني كما فعل أتاتورك نفسه، وإنما بشكل ديمقراطي، وضمن سلّة أولويات، مع الانتباه إلى أن 12 سنة استغرقها أردوغان لإعطاء حرية لبس الحجاب في المدارس الإعدادية والمؤسسات الحكومية، و20 سنة تقريباً لإعادة آيا صوفيا إلى مسجد، وهو أمر ما كان بالإمكان فعله خلال السنوات الماضية، بقرار إداري من مجلس الوزراء المنتخب، وليس التابع لنظام الحزب الواحد، كما فعل أتاتورك، غير أن البيئة وسلّم الأولويات لم تكن مناسبة أبداً، تحديداً الداخلية منها.

وفي ما يتعلق بقرار المحكمة، بدا لافتاً ترحيب المعارضة بشقيها، أي رفاق أردوغان السابقين وخصومه الحاليين الرئيس عبد الله غل ورئيس الوزراء السابق رئيس حزب المستقبل أحمد داود أوغلو، ونائب رئيس الوزراء وزير الاقتصاد السابق زعيم حزب الديمقراطية والتقدم، علي باباجان، وخصومه الدائمين من اليمين واليسار، زعيمة حزب الجيد القومي (اليميني) ميرال أكشينار، ومرشح حزب الشعب الجمهوري اليسارى للانتخابات الرئاسية الماضية، محرم أنجي.

اختلفت اللغة بين الجانبين، على الرغم من التوافق على تأييد الحكم طبعاً. تحدّث رفاق أردوغان السابقون بلغة شبيهة بلغته لجهة تقديم التهنئة للشعب التركي، بعد تحقيق أمل هذا الشعب وحلمه، واعتبار هذا إنجازاً لحكم القانون والمؤسسات.

جاءت ردود الفعل الدولية متوقعة ومسيّسة، وستخفت مع الزمن، خصوصا مع التأكيد أن القرار شأن سيادي وداخلي تركي

أما المعارضون الدائمون فتحدثوا بلغة سياسية بحتة، أكشينار مثلاً هنأت أردوغان، واعتذرت له، بعدما زعمت أنه لن يستطيع مواجهة الضغوط وتنفيذ حكم القانون وإعادة آيا صوفيا إلى مسجد، علماً أن المزاج القومي مؤيد بشدة طبعاً لقرار الرئيس. أما محرّم أنجي فتحدّث عن دعم القرار من زاوية وطنية، وأنه شأن سيادي تركي خاص بالمؤسسات المعنية، ولا ينبغي لأي أطراف خارجية التدخل به.

وفي إعلانه القرار، كان الرئيس أردوغان حريصا على إظهار عدة أمور رمزية وجوهرية، منها وصية أو سند وقف مسجد آيا صوفيا بتوقيع السلطان محمد الفاتح، وصورة شهيرة لصحن المسجد بعدسة مصور تركي، وأغنية خاصة أيضاً من غناء مؤدٍّ تركي وتلحينه. أما في الجوهر فتحدث الرئيس عن الانتصار للقانون والمؤسسات والانعتاق وتحرير الإرادة والمكان، واعتبار المناسبة عيدا ومصدر فخر للأتراك والمسلمين، مع التركيز على استمراره مفتوحاً أمام مواطني العالم من دون استثناء، والحفاظ عليه إرثا حضاريا للإنسانية جمعاء. 

الاستخلاصات والعبر كثيرة، وتتعلق بترتيب الحكم الرشيد سلم الأولويات، وإعادة بناء المؤسسات بشكل سلمي وديمقراطي، بما فيها التعديلات الدستورية التي حجمت العسكر 

وقد جاءت ردود الفعل الدولية متوقعة ومسيّسة، وستتلاشى وتخفت مع الزمن، خصوصا مع التأكيد أن القرار شأن سيادي وداخلي تركي، كما على الحفاظ على معالم المكان واستمرار أبوابه مفتوحة أمام السياح والزائرين، تماماً كمسجد السلطان أحمد "مسجد القبة الزرقاء" البديع والمجاور. وفي كل الأحوال، كانت إعادة آيا صوفيا إلى وضعه الطبيعي مسجدا مسألة وقت، منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة قبل عقدين، غير أن الاستخلاصات والعبر هنا كثيرة أيضاً، وتتعلق بترتيب الحكم الرشيد سلم الأولويات، وإعادة بناء المؤسسات بشكل سلمي وديمقراطي، بما فيها التعديلات الدستورية التي حجمت العسكر ومنعهتم من التأثير على الحياة السياسية، ثم إخضاعهم للقيادة المنتخبة، كما الحال في أي نظام ديمقراطي، وعدم خوض معارك فاشلة داخلية وخارجية، أو القيام بخطوات واتخاذ قرارات لا يمكن تنفيذها أو الدفاع عنها، ومواجهة الضغوط الخارجية تجاهها. وفي الجوهر، وفي السياقات السياسية القانونية والمؤسساتية، لا يختلف الأمر عن تنفيذ عمليات عسكرية خارجية في سورية، أو توقيع التفاهمات البحرية والأمنية مع ليبيا، والتدخل لدعم حكومة الوفاق الشرعية في طرابلس، والدفاع عنها، كما عن المصالح التركية المتماهية مع مصالح الليبيين والعرب شرق المتوسط. وعموماً يمكن وضع المعطيات السابقة جميعها في سلة واحدة، عنوانها حكم القانون والمؤسسات والقيادة الديمقراطية المنتخبة التي تدافع عن آمال مواطنيها في الداخل والخارج، وحقوقهم ومصالحهم.