مارادونا لم يكن مجرد لاعب

28 نوفمبر 2020
الصورة
العالم يودع مارادونا بشكل مفاجئ (Getty)
+ الخط -

رحيل الأسطورة مارادونا صنع الحدث في الأرجنتين ونابولي والعالم أجمع، وترك أثراً كبيراً في نفوس البشرية جمعاء، بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ كرة القدم العالمية، وحتى في تاريخ الإنسانية التي فقدت عبر الزمن نجوما كانت تعشقها في  ميادين الرياضة والفن والتمثيل والغناء وشتى مجالات الحياة.

لكنها لم تتأثر برحيلها بنفس الشكل والحجم، رغم أن الأمر يتعلق بلاعب توقف عن مداعبة الكرة منذ أكثر من عقدين من الزمن، وفي زمن يزخر بنجوم كثر في مجال الكرة تعلقت بهم الأجيال المتعاقبة، وربما كانوا أفضل منه من الناحية الشخصية. وكانوا قدوة من الناحية الاجتماعية والإنسانية. لكن العالم كله تأثر برحيل الفتى الذهبي، لأنه ببساطة كان متميزا ومختلفا بحسناته ومهاراته، ومساوئه وعيوبه، التي نسيها الجميع منذ توقف قلب مارادونا عن النبض، وكأن المتعة الكروية توقفت برحيله، أو كأنهم فقدوا متعة الكرة بعد رحيل المتعة في حد ذاتها.

الأرجنتينيون ذرفوا الدموع، ليس لأن مارادونا كان لاعباً موهوباً، بل لأنه في نظرهم بطل قومي، لذلك أعلن الحداد في البلاد لمدة ثلاثة أيام، وألقت عليه الجماهير النظرة الأخيرة في مقر الرئاسة. وشيع الأسطورة في جنازة شعبية ورسمية لم يسبق لها مثيل في البلد، بكى فيها الصغير والكبير، تكريما لإنجازاته التي لخصها أحد العشاق بقوله "في بعض الأحيان لم يكن لدينا ما يكفي من الطعام، لكنه كان يمنحنا السعادة والاعتزاز والافتخار".

 أما ميسي، فقد قال إنه "يقترب من مستوى مارادونا حتى ولو لعب الكرة مليون سنة"، في إشارة إلى المتعة والفرحة والفرجة التي منحها ديغو لبلاده وشعبه، خصوصاً عندما فاز بلقب كأس العالم 1986 في المكسيك بذلك الشكل الأسطوري والخيالي، وذلك الإبداع الذي لاتزال ترويه الأجيال، وتفتخر بها الأرجنتين مادام لم يتمكن ميسي من تحقيقه لحد الآن، رغم شعبيته الكبيرة وإبداعاته فوق ميادينها.

في نابولي، قرر عمدة المدينة تغيير اسم ملعب سان باولو الذي صار يحمل اسم اللاعب ديغو مارادونا الذي اضطرهم إلى مناصرته على حساب منتخب بلادهم في نهائيات كأس العالم في إيطاليا 1990، لا لشيء إلا لأنه أسعدهم في نادي نابولي وأعاد لهم كرامتهم، وصنع لهم أفراحا لم يسبق لها مثيل ولم تتكرر إلى حد الآن، فأحبهم وأحبوه، وبكوه بحرقة من دون أن يتمكنوا من إلقاء نظرة الوداع عليه وتشييعه إلى مثواه الأخير.

واكتفوا بإشعال الشموع في كل البيوت، ووضع أكاليل الزهور أمام النصب التذكاري الكائن بملعب ديغو مارادونا، سان باولو سابقا، وكلهم حسرة وألم على فقدان الفتى الذهبي الذي منحهم لقبي الدوري الإيطالي ولقب كأس الاتحاد الأوروبي، وسبع سنوات من عمره كانت الأجمل والأروع في تاريخ النادي الذي ينتمي إلى الجنوب الفقير الذي كسر جبروت أندية الشمال الإيطالي الغنية والراقية الممثلة في ميلان وإنتر ويوفنتوس.

أما في بقية أنحاء العالم، فقد كانت الحسرة كبيرة في أوساط عشاق الكرة، سواء الذين عاصروه واستمتعوا بمهاراته وفنياته في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، أو أولئك الذين اكتفوا بمشاهدة فيديوهات مجمعة لإبداعاته التي لم يجدوا لها مثيلا.

وأظهرت بأن النجوم الذين جاؤوا بعده مجرد لاعبين يمارسون اللعبة، بينما كرة القدم خلقت من أجل أن يبدع فيها مارادونا بموهبة خارقة وسحر فريد من نوعه سمح له بقيادة الأرجنتين ونابولي إلى سماء المجد، وإسعاد ملايين العشاق الذين أجمعوا على أنه كان وسيبقى الأفضل على الإطلاق، لم يوجد قبله ولن يأتي بعده من يداعب الكرة بنفس السحر والإبداع.

كان دييغو أرماندو مارادونا استثنائياً في مداعبة الكرة، استثنائياً في موته وتشييعه إلى مثواه الأخير، في حضور الآلاف من الأرجنتينيين وحسرة وأسف الملايين من العاشقين عبر العالم، خاصة في مدينة نابولي الإيطالية التي قضى فيها أجمل سنوات عمره. وكان يوم توديع مارادونا بمثابة تكريم جماهيري وتقدير من الشعب الأرجنتيني والإنسانية جمعاء لأكثر من مجرد لاعب ترك أثرا كبيرا في النفوس والعقول والقلوب لن يمحوها رونالدو وميسي.

بعيدا عن الملاعب
التحديثات الحية

قصة حياة مارادونا بما فيها من صعود وهبوط، ومشواره الكروي بما فيه من أفراح وأحزان، ثم توقّف قلبه ونهاية حياته وتشييع جنازته والحزن العميق الذي ساد أرجاء العالم، هي حكاية ستخلد في الذاكرة، تستحق التأمل والوقوف عندها، وتؤكد أن الأشياء الجميلة هي التي تترك الأثر الكبير، بغض النظر عن الألوان والأجناس والمعتقدات التي ذابت كلها في قصة عنوانها مارادونا الموهوب والساحر والمبدع الذي متع بسحره عشاق كرة القدم، فأكد تعاطف الناس معه بأنه لم يكن مجرد لاعب أرجنتيني، بل كان كرة القدم في حد ذاتها وأسطورة أسعدت العالم، لا يهم ما فعله في حياته بقدر ما يهمنا ما قدمه لعشاق الكرة.

المساهمون