عين المريسة... حياة بيروت يحفظها الكورنيش

عين المريسة... حياة بيروت يحفظها الكورنيش

14 مايو 2022
تبيع البالونات على الكورنيش البحري (حسين بيضون)
+ الخط -

 

للمدن ذاكرة لا تموت. نراها في وجوه روادها وعجوز اتخذ مقعدا جانبيا آلفه ليشاركه قصصه. فالمكان ليس حجارة ولا حدودا يرسمها معماريون، بل هو حالة تشكلها الشعوب. هو بيوت ونوافذ وأرصفة وضحكات يتشاركها الناس وصور في الذاكرة. ويقول الكاتب إبراهيم نصرالله عن المدن: "كل مدينة لم أتهاو على مقاعدها الرصيفية متعباً لا أستطيع القول إني عرفتها"، وكأن المدينة تحمل ثقل ذكرياتنا... تعبنا وفرحنا.

التغيّرات التي تصيب المدن لا تغير وقعها على سكانها. فبين الحنين إلى الماضي والحاضر خلطة سحرية تشكل هوية المدينة من جديد. ولواجهة بيروت البحرية وامتدادها من رملة البيضاء وحتى منطقة الزيتونة تاريخ طويل. عرفت باعة متجولين ومطاعم أصبحت جزءاً من ذاكرة بيروت. وتشكل صخرة الروشة هوية هذه المنطقة الجغرافية.  

لكورنيش عين المريسة البحري قصص نسجها روادها في يومياتهم وعايشوا تفاصيلها. ويعتبره البعض جسر عبور فوق انقسام اللبنانيين وتلوناتهم السياسية وفروقاتهم الطبقية. هو عبارة عن مساحة واسعة يجتمع فيها المواطنون لممارسة الرياضة، أو التنزه، أو لقاء الأصدقاء. هؤلاء يهربون من صخب المدينة اليومي وهموم الحياة ليكون متنفساً يقتسمون فيه بعض الفرح المتبقي في هذه البلاد. 

يقول أحد المخاتير القدامى في المنطقة لـ "العربي الجديد": "سُميت المنطقة عين المريسة نسبة لأسطورة قديمة"، لافتاً إلى أن الاسم تطور من عين المريسة ليصبح عين المريسة. وتقول الروايات إن الاسم ينسب لراهبة (الريسة) ويقال إن مركبها غرق في مكان قريب من الشاطئ لتكمل رحلتها على اللوح المتبقي من المركب وتصل إلى المنطقة. وتفيد الرواية بأنه كان إلى جانب الكورنيش عمود صغير بنت الراهبة ديرا مكانه. أما تسمية العين فتعود لوجود المنطقة قرب الشاطئ؛ فكلما حفروا عمق مترين وجدوا مياها فأصبح الاسم دلالة للعين وللريسة".

الصورة
الكورنيش البحري لبيروت 4 (حسين بيضون)
متنفس للبنانيين (حسين بيضون)

يتابع المختار نفسه: "حتى العام 1975، لم يكن شكل الكورنيش كما هو الآن. كان يصل إلى حدود الجامع الذي عرف حينها باسم جامع البحر. وكانت حدود هذه المنطقة تمتد من مطعم عرف قديماً باسم الطازج حتى حدود مسبح السان جورج. وتغير شكل البيوت. كان القرميد يزين أسطح البيوت التي تملكها عائلات بيروتية قديمة كعائلة الغندور، وأزيلت منازلهم بقرار من الدولة لبناء الكورنيش وفتح طرقات جديدة، على الرغم من منع البناء قرب البحر في السابق. ويرى أن الحداثة في المنطقة أكلت من جماليتها وتاريخها، فلا مصداقية بحفظ التراث".

يضيف: "في الجهة المقابلة للكورنيش، كان هناك مكان يسمى حمّام الجمل وحمّام النورمندي وهما متصلان واحدهما بالآخر". ويستطرد قائلاً: "حتى عائلات المنطقة تغيرت وأتت عائلات جديدة من خارجها". 

ولرواد كورنيش عين المريسة قصص مختلفة عن يومياتهم وذكرياتهم المرتبطة به. يمكن أن تجد مجموعة من الشباب تطلق على نفسها اسم أبطال الريشة، تلتقي يومياً في الصباح للعب الريشة الطائرة (تنس الريشة). ويقول حسين عساف وهو صاحب غاليري في منطقة الأوزاعي (جنوب بيروت) لـ "العربي الجديد": "نحن موجودون على هذا الكورنيش منذ عام 1990 بعد الحرب الأهلية وحتى اليوم صيفاً وشتاء. بدأتُ فكرة أبطال الريشة مع شقيقي خضر، قبل أن ينضم إلينا أشخاص جدد من رواد الكورنيش. ومن شروط اللعبة التركيز. وتعلق كثر بهذه الرياضة وأصبحوا أبطالاً. فعند وصول المتبارين إلى أعداد كبيرة نقيم مباريات خارج المنطقة في ملعب في منطقة الأوزاعي".

أما عن اختلاف شكل الكورنيش، فيقول حسين: "تغير شكله تماماً بعد الحرب، وتم تحسينه ليصبح مساحة مريحة لرواده. اعتدنا اللقاء هنا ونعتبره المتنفس الوحيد لممارسة هوايتنا الرياضية. نلتقي منذ الساعة السادسة صباحاً وحتى الثامنة والنصف لنتوجه إلى أعمالنا". 

الصورة
الكورنيش البحري لبيروت 2 (حسين بيضون)
هناك مساحة للجميع (حسين بيضون)

أما هشام مجدرة الستيني، وهو ابن بيروت وحكمٌ في مجموعة أبطال الريشة، فيقول لـ"العربي الجديد": "أواظب على النزول إلى ملاعب أبطال الريشة منذ أحد عشر عاماً. انضممت صدفة إلى هذا الفريق لدى مروري بالكورنيش، وتشجعت جداً لممارسة هذه الرياضة. ثم كونّا معاً تجمعاً وشكلنا لجنة بقيادة يوسف فحص، رئيس اللجنة. كما أسسنا صندوقاً نجمع فيه المبالغ شهرياً من الفريق، ونستخدمه لتأمين لوازم اللعبة". يتابع: "يواظب البعض على الحضور يومياً حتى خلال أزمة الوقود والعواصف في الشتاء. نعتبر أن هذه الرياضة كانت قيمة مضافة لنا وللمارة، الذين يتفرجون على اللاعبين ويشجعونهم".

ويقول: "بالنسبة إلي، هذه المنطقة مميزة جداً. كابن بيروت، أقصدها منذ طفولتي. سابقاً لم تكن كما الآن، وكانت صغيرة جداً وتمتد حتى الجامع. وفي الوقت الحالي، أجدها المساحة الأوسع بين المساحات الممتدة بحراً في أرصفتها وأشجارها. فالتحول العمراني جعلها متنفساً للناس، لكننا نفتقد في الوقت الحالي الميكروباصات التي كانت سابقاً تبيع القهوة، بالإضافة إلى بائعي الفول والترمس الجوالين، ونتمنى أن يعودوا".

الصورة
الكورنيش البحري لبيروت 1 (حسين بيضون)
تبيع الورود (حسين بيضون)

ويأتي أشخاص من مختلف المناطق ليمارسوا هواية الصيد. يقول رامي، وهو أحد الصيادين الهواة، إن ممارسته للصيد بدأت منذ عامين. "دفعني تأزم وضعي النفسي إلى ممارسة هواية الصيد على الكورنيش، حيث بدأت أتعرف على صيادين آخرين يأتون من مختلف المناطق، وأصبحنا مجموعة من الرجال والنساء تربطنا صداقة قوية وتجمعنا المحبة. نلتقي على الكورنيش عند الساعة السادسة صباحاً وحتى التاسعة مساء. وحين يكون الطقس جميلاً، نتشارك طعام الفطور معاً". يتابع: "حين يتجاوز الإنسان الخمسين من العمر، عليه البحث عن هواية لتجديد حياته واختبار تجارب جديدة، وإلا عانى من اليأس والوحدة". 

قضايا وناس
التحديثات الحية

أما لارا، وهي من إسبانيا وتدرس في لبنان، فتقول لـ"العربي الجديد": "قررت مع زميلي مراقبة شروق الشمس ليتحول الأمر إلى عادة يومية. نأتي من منطقة الأشرفية حيث نقيم ونتجول على دراجاتنا الهوائية. أشعر بالأسف لعدم وجود الكثير من الدراجات في بيروت بالمقارنة بعدد السيارات والتلوث في الهواء. وما يميز جولتنا رؤية الكثير من الناس باكراً ونبض الحياة في هذه المنطقة، الأمر الذي يشجعنا على الاستمرار".

المساهمون