جريمة الزرقاء... صدمة في الأردن من وحشية الجناة

17 أكتوبر 2020
الصورة
حاجز أمني في الزرقاء (خليل مزرعاوي/ فرانس برس)

فتحت جريمة تعذيب فتى في الأردن الباب أمام استعادة وقائع إجرامية عدة يعتبرها البعض دخيلة على البلاد، فيما يضع آخرون اللوم على عادات مجتمعية متأصلة أبرزها الأخذ بالثأر، مع المطالبة بأقسى العقوبات

جريمة بشعة ووحشية، تلك التي كان ضحيتها الفتى صالح، في محافظة الزرقاء (وسط الأردن) فقد تكتلت مجموعة من الأشخاص، من أصحاب السوابق، على ابن السادسة عشرة، فاختطفوه وبتروا يديه وفقأوا عينيه وألقوا به على الطريق العام، من باب الثأر والانتقام، فيما ارتفعت الأصوات المطالبة بتنفيذ أشد عقوبة بحق الجناة الذين أقدموا على ارتكاب الجريمة. 
في التطور الأخير بخصوص الجريمة، ذكرت وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا) أنّ "مدعي عام محكمة الجنايات الكبرى القاضي عبد الإله العساف أوقف الجمعة جميع المتهمين على خلفية جريمة الزرقاء، 15 يوماً في أحد مراكز الإصلاح والتأهيل" من دون أن يحدد عددهم. وأوضحت الوكالة أنّ "المدعي العام أسند لجميع المتهمين، جناية الشروع بالقتل العمد بالاشتراك، وإحداث عاهة دائمة بالاشتراك، والخطف الجماعي بالاشتراك، وجرائم أخرى".

لم يعتد المجتمع الأردني مشاهدة تلك الأحداث البشعة بالصورة والصوت، لكنّ مقطع فيديو صوّر الحادثة جرى تداوله بشكل واسع، خلق رأياً عاماً ساخطاً، وأجج مشاعر الغضب بين الأردنيين، الذين اعتبروا أنّ الحادثة غريبة عن المجتمع، لكنّ الواقع يشير إلى أنّ هناك ارتفاعاً بمعدلات الجرائم المرتكبة في الأردن، بحسب التقرير الإحصائي الجنائي للأمن العام الأردني، فقد ارتفع معدل الجرائم في المملكة العام الماضي، بنسية 7 في المائة، مقارنة بعام 2018.
كشف التقرير أنّ أبرز دوافع ارتكاب جرائم القتل العمد في الأردن خلال عام 2019، كانت الخلافات الشخصية بنسبة 48 في المائة، تلتها جرائم الخلافات العائلية بنسبة 31 في المائة، في حين جاءت دوافع الثأر والدفاع عن النفس بعد ذلك.
تقول أستاذة علم الجريمة، خولة الحسن لـ"العربي الجديد"، إنّ جريمة الزرقاء تندرج تحت تصنيف جرائم الثأر والانتقام ولهذه الجرائم خصوصية، وفكرة الثأر والانتقام تتأجج داخل الشخص، لافتة إلى أنّ والد الفتى الضحية، هو قاتل لخال الجاني في مشاجرة قبل شهرين، وهناك قضية ثأر. 
وتوضح أنّ المجرم هو مجرم مكرر، له أسبقيات وصاحب قيود جرمية، وعليه 172 قضية، وهذا يعني أنّ الجاني معتاد على دخول السجون والخروج منها، ومعتاد على ارتكاب الجرائم، ومن يرتكب هذه الأسبقيات وصل إلى حدّ "البلطجة" وهناك مقاطع فيديو انتشرت على مواقع التواصل "تؤكد أنّه من فارضي الإتاوات في محافظة الزرقاء". وتضيف: "هو شخص عنيف وحتى إن لم يكن عنيفاً، فقد تعلم العنف، وارتكب كثيراً من الجرائم واكتسب خبرات إجرامية إلى درجة احترافية. ربما في المرة الأولى دخل السجن بجريمة واحدة، لكن اليوم لديه 172 في سجله، أي خبرات متراكمة جعلته يعرف أين الثغرات القانونية". 
وتقول: "لو أراد المجرم بهذه الجريمة إنهاء حياة الشاب لقضى عليه، لكنّه يريد إيصال رسالة أنّه ينتقم ويثأر ليقهر والد الشاب في سجنه، ويقهر الأم وابنها". وترى أنّ طبيعة جرائم الثأر في المجتمع الأردني لها سيكولوجية خاصة، فمن يقوم بعملية الثأر، هو شخص يحقق مكسباً، وهناك أعراف اجتماعية تقدّر هذا المجرم بأنّه أخذ بالثأر، مشددة على أنّ ثقافة الثأر هي عرف مجتمعي، منذ النشأة، فقبل أن تتشكل شخصية الطفل، يتربى على الثأر، "وإذا لم تنتقم لنفسك فأنت لست رجلاً، وهناك وصمة اجتماعية ستلاحقك". 
وتتساءل الحسن عن برامج السجون ولماذا لم تكتشف وتدرس شخصية مرتكب الجريمة، ولم تتنبأ بسلوكه وأنّه خطر على المجتمع، خصوصاً مع توفر برامج متنوعة لتأهيل السجناء اجتماعياً ومهنياً. وتضيف: "هل برامج تأهيل السجناء فاعلة، وإلى أيّ مدى منعت تكرار الجريمة؟ نجاح البرامج وكفاءتها تتضح عند تغير السلوك". وتلفت الحسن إلى الجريمة التي ارتكبت قبل أشهر في جرش، عندما فقأ رجل عينيّ زوجته، مشيرة إلى تشابه الجريمتين في أنّهما أصبحتا الشغل الشاغل للأردنيين على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنّ جريمة جرش باتت اليوم في طيّ النسيان، والجريمة الجديدة ستُنسى أيضاً في ظل قرارات منع النشر، وانتقال الرأي العام بسرعة إلى قضايا مختلفة على وسائل التواصل الاجتماعي.

من جهته، يرى عميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة "مؤتة" حسين المحادين، أنّ التنفيذ الجماعي للجريمة تحول خطير لا بدّ من دراسته بعلمية ونظرة أمنية متخصصة للوقاية المستقبلية كي لا يتكرر، وهو نوع من التحدي الجديد لأنماط الجريمة المعروفة في المجتمع الأردني، في انتقال الجريمة من فعل فردي إلى جماعي. ويقول إنّ فيديو الجريمة البشعة، خلق إحساساً افتراضياً لدى المتلقي مفاده: ماذا يمنع أن أكون أنا أو أيّ شخص عزيز هدفاً للخارجين عن القانون؟ مما ساهم بزيادة الضغط العام على الحكومة لمتابعة الجريمة. 
ويضيف: "يشهد المجتمع الأردني برمته تحولات عميقة، منها مظاهر التفكك والتغير من القيم الجمعانية إلى القيم الفردانية، في ظلّ اقتصاد سوق مفتوح، وهو اقتصاد بلا قلب، هدفه مراكمة رأس المال، وصنع أشخاصاً يخالفون القانون أكثر عدداً مما ألفه المجتمع، وربما إجراءات المحاكم بسبب زيادة عددهم، ما جعل بعضهم يتوهم أنّه بعيد عن العقوبة، لكنّ الواقع يشير إلى أنّ هناك تدرجاً وتنامياً في جلب المطلوبين إلى العدالة. 
ويلفت إلى أنّ الإحصاءات الرسمية تشير إلى أنّ "نسبة العودة إلى الجريمة في الأردن تزيد على 30 في المائة وهي مرتفعة جداً، وستبقى مهددة لأمن الإنسان في مجتمعنا الآخذ في التغير بسرعة لافتة، ما يستلزم تعديل برامج الوقاية والإصلاح والتأهيل اللاحق لمرتكبي الجرائم من قبل أصحاب الاختصاصات".
بدورها، تقول رئيسة قسم الإرشاد النفسي في جامعة "فيلادلفيا" الأردنية الدكتورة لينة عاشورة لـ"العربي الجديد": "علينا ألا نفسر السلوك الإجرامي من منطلق الأمراض النفسية، فنسبة قليلة جداً ممن لديهم المرض النفسي جناة، فيما الأكثرية هم ضحايا". وتضيف: "جريمة الزرقاء مرتبطة بالشخص نفسه، فالسلوك الإجرامي اختيار، من الممكن أن تساهم به مجموعة ضخمة من العوامل، منها أساليب التربية ومنظومة المجتمع وعامل جيني بسيط. لكنّ السبب الرئيسي هو اختيار الشخص الخروج عن المنظومة الاجتماعية، عندما يقوم بسلوكيات فيها انعدام للضمير، ويبرر سلوكه بما يتناسب مع حاجاته المرتبطة بلوم الآخر، ومن حق المنظومة القانونية والاجتماعية محاسبته". 
وتلفت إلى أنّ هناك ما يسمى بالاضطرابات الشخصية، وهناك الاضطرابات النفسية، ولا يستطيع الاختصاصي الاجتماعي أو النفسي، أن يقرر بشكل قاطع ما هو تصنيف هذا الشخص، إلا في حال مقابلة هذا الشخص بشكل مباشر، والتقييم يتم بناء على المقابلة، ليحدد إن كان هذا السلوك نتاجاً لاضطراب نفسي أو اضطراب شخصي. توضح أنّ من لديه اضطراب شخصي يكون مسؤولاً عن تصرفاته بشكل كامل، أما الاضطراب النفسي فقليلون الذين من الممكن أن يرتكبوا هذا السلوك، فالسلوك مرتبط بعدد من العوامل لكنّه اختيار شخصي، وهناك عوامل مساعدة وهي عدم تطبيق القوانين، والتساهل في الحقوق المدنية للأفراد، وطول أمد التقاضي.
من جانبه، يقول الدكتور هاني جهشان، مستشار الطب الشرعي، والخبير في حقوق الإنسان ومواجهة العنف لـ"العربي الجديد" إنّ ما حدث مؤخراً في ما عرف بجريمة الزرقاء ينطبق عليه نص المادة 158 من قانون العقوبات الأردني، بأنّها جريمة تشكيل العصابات المسلحة بقصد سلب المارة والتعدي على الأشخاص أو الأموال أو ارتكاب اللصوصية، وتكون العقوبة الإعدام إذا أدت هذه الأفعال إلى موت أو تعذيب إنسان، وأيضاً ينطبق عليها نص المادة 335 المتعلقة بإحداث عاهة دائمة قصداً، وتكون العقوبة بحد أقصى الأشغال الشاقة المؤقتة عشر سنوات، يضاف إليها فترة من ثلثها إلى نصفها إذا ارتبطت بتعذيب المجني عليه، وأيضاً قد تندرج تحت جريمة الخطف. 
ويضيف: "واقع الحال يشير إلى أنّ أنماط جرائم الفتيان، أو جرائم العصابات المسلحة عموماً غير شائعة في الأردن، وقد تكون هناك بعض جرائم سلب المال من المحال التجارية بما يعرف بالإتاوات أو جرائم الإيذاء المقصود ما بين أصحاب الأسبقيات الجرمية، لكنّها لا تصل إلى مرحلة تشكيل عصابة، كما حدث مؤخراً بجريمة الزرقاء، وحدوث هذه الجريمة بهذا الشكل، وبالرغم من الادعاء بوجود دافع الثأر، مؤشر خطير على وجوب التدخل العاجل وقائياً لمنع هذا النمط من جرائم الفتيان". 

يتابع: "مطالبة الشعب الأردني بتشديد العقوبة بالإعدام لمرتكب جريمة الزرقاء أمر متوقع، وهو ردّ فعل انفعالي غير مستغرب، لكنّ القانون لدينا في الأردن وضعي، والنصوص لا تسمح بالإعدام، وإن سمحت بجرائم محددة فإنّه لا ينفذ، وفي كلّ الأحوال وبمرجعية علم الجريمة، فإنّه لم تثبت الدراسات أنّ تشديد العقوبة في أيّ جريمة يؤدي للردع العام في المجتمع من دون برامج وقائية تتعامل مع جذور الجريمة وكبح بواعثها، بحيث تكون هذه البرامج معدة بما يتناسب مع المجتمع، ويكون هناك رصد لتنفيذها وقياس لنتائجها، على أن تشمل هذه البرامج تأهيل المجرمين لمنع التكرار من النواحي النفسية والاجتماعية والمهنية".
يُذكر أنّه في الآونة الأخيرة، شهد الأردن جرائم عدة، فقبل أقلّ من عام، فقأ رجل عيني زوجته ما تسبب بفقدانها البصر كلياً إثر خلافات بينهما، فيما أقدم رجل على قتل ابنته في الشارع العام بعدما هربت منه والدماء تسيل من رقبتها، لكنّه أمسكها وحطم رأسها بحجر على قارعة الطريق إلى أن فارقت الحياة، ثم جلس ليشرب كأساً من الشاي كأنّ شيئاً لم يحدث.