المحكومون بالإعدام في تونس... أحياء ــ أموات يحلمون بالعفو

24 أكتوبر 2020
الصورة
تعارض منظمة العفو الدولية عقوبة الإعدام (براكاش سينغ/فرانس برس)
+ الخط -

سجّلت تونس في الفترة الأخيرة، حوالي ستة جرائم قتل هزّت الرأي العام وحرّكت المطالبة بالقصاص وتنفيذ حكم الإعدام بحقّ مرتكبيها. وما زالت فاجعة مقتل الفتيات الثلاث، وصورهنّ محفورة في مخيّلة التونسيين، فعلى الرغم من اختلاف أماكن الجرائم، يشترك الجناة في فظاعتها وبشاعة التنفيذ بكلّ سادية وبرودة أعصاب. وتداول التونسيون بصدمة كبيرة، صور الضحية رحمة (29 عاماً)، التي قتلها مغتصبها في العاصمة تونس قرب ضاحية المرسى. ولا تختلف جريمة قتل هيفاء (24 عاماً)، في محافظة القيروان، في بشاعتها عن جريمة رحمة، حيث عمدت صديقتها ورفيقة دربها إلى مباغتتها داخل مشغلها المخصّص للخياطة، لتنهال عليها ضرباً بعصا غليظة، ومشت بعدها القاتلة في جنازة الضحية، لدرء الشبهات عنها. وفي محافظة بن عروس، عمد زوج إلى دهس زوجته الضحية عارم بسيارته، ثم نقلها إلى مكان ناءٍ ليقوم بدفنها حية بينما كانت لا تزال تئن وتطلب الرحمة. وفي محافظة القصرين، قُتل الطالب في كلية الاقتصاد، زاهي (21 عاماً)، على يد منحرف عمد إلى طعنه في جسده بآلة حادة، كما لم ينسَ التونسيون مقتل عجوز القيروان البالغة من العمر 98 عاماً، بعد أن عمد قاتلها لاغتصابها مراراً وتكراراً قبل أن تهلك على يديه. وتعكس الأرقام الرسمية الصادرة عن المحاكم التونسية والطب الشرعي، تنامي جرائم القتل رغم اختلاف أسبابها ودوافعها، حيث تبتّ المحاكم سنوياً في حوالي 400 قضية قتل، فيما تستقبل أقسام الطبّ الشرعي ما يزيد عن ألفي جثة، ضحايا الجريمة وحوادث المرور.

تاريخ الإعدام
تفيد دراسة حديثة أنجزها "المعهد العربي لحقوق الإنسان" و"الرابطة التونسية لحقوق الإنسان" إلى جانب "الائتلاف التونسي لمناهضة عقوبة الإعدام"، تحت عنوان "عقوبة الإعدام في تونس هل يكفي وقف التنفيذ؟"، أنّ تونس سجّلت تنفيذ 135 حكم إعدام، منها 129 إعداماً زمن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة و6 إعدامات نُفذت زمن الرئيس الراحل زين العابدين بن علي. وتعكس الدراسة الأبعاد السياسية والاجتماعية لعقوبة الإعدام التي كانت بمثابة وسيلة القمع في يد السلطة السياسية، المسلّطة على رقاب المعارضين. وشهدت فترة حكم بورقيبة (بين 1956 و1987) تنفيذ أكبر عدد من أحكام الإعدام، بلغ عددها 129 شخصاً، أغلبهم من المعارضين السياسيين، حيث تمّ تسليط هذه العقوبة مباشرة بعد الاستقلال، لقمع اليوسفيين من قبل المحكمة العسكرية الدائمة ومحكمة أمن الدولة، التي نفذت 12 حكماً بالإعدام، 10 أحكام شملت 5 عسكريين و5 مدنيين. ثم أُعدم اثنان آخران رمياً بالرصاص تنفيذاً لحكم المحكمة العسكرية الدائمة. ومع إنشاء محكمة أمن الدولة، أصدرت أحكاماً بالإعدام في مناسبتين مختلفتين، تتعلّق الأولى بما يُعرف بأحداث قفصة، وطاولت الأحكام فيها 13 عنصراً من مجموعة "المغاوير"، وارتبطت الثانية بمحاكمة المنتمين لحركة الاتجاه الإسلامي في سبتمبر/أيلول 1987، وآلت إلى إصدار حكمين بالإعدام نُفذا في 8 أكتوبر/تشرين الأول 1987 بحقّ، محرز بودفة وبلبابة دخيل. ولم يستعمل بورقيبة حقّه في العفو إلاّ في ثلاث مناسبات شملت 11 شخصاً.

لم تشهد تونس تنفيذ عقوبة الإعدام منذ 1991


وعند وصول بن علي للحكم، أمر بتنفيذ عقوبة الإعدام في عدد من القضايا، منها ما يعرف بقضية نصر الدمرجي، الشهير بسفاح نابل، الذي حُكم عليه بالإعدام سنة 1990. وتعلّقت الثانية بما يعرف بأحداث باب سويقة، المنسوبة لحركة (الاتجاه الإسلامي). وقدّم مرتكبو الهجمات للمحاكمة في مايو/أيار 1991، فحُكم على كلّ من محمد فتحي الزريبي، محمد الهادي النيغاوي ومصطفى بن حسين، بالإعدام، كما تم تنفيذ الحكم على متهمين في جرائم حق عام. وتفيد المعطيات أنّ العدد الإجمالي للذين نُفذ فيهم حكم الإعدام في تونس، منذ الاستقلال إلى اليوم، 135 شخصاً، ولم تشهد تونس تنفيذ هذه العقوبة منذ 1991، غير أنّ المحاكم واصلت إصدار أحكامها بالإعدام في قضايا الحق العام، بمعدل 7 إلى 10 أحكام في العام، ولم ينقص هذا المعدل إلاّ قليلاً بعد الثورة، ليصل إلى 4 أحكام في السنة، وفي عام 2016، تجاوز عدد الأحكام هذا المعدل إلى 9.

توزيع المحكومين
تفيد معطيات المنظّمات الحقوقية، بأنّ عدد المحكومين بالإعدام الذين تواصلت معهم بلغ 53 شخصاً، منهم 3 في قضايا إرهاب، والبقية في قضايا حق عام، ووجّهت تهم القتل العمد لـ47 منهم، والمشاركة في القتل للـ6 الآخرين. ويقيم 30 محكوماً بالإعدام في السجن المدني بالمرناقية، و3 في سجن برج العامري، 3 في سجن منوبة، 3 آخرين في سجن الكاف و2 في سجن القصرين و1 في سجن سيدي بوزيد، 4 في سجن المهدية، 3 في سجن صفاقس، 3 في سجن الناظور و1 في سجن برج الرومي. وتفسّر المنظمات تواجد المحكومين بالإعدام في هذه السجون العشرة فقط، لكونها تأوي سجناء الأحكام الطويلة ومحكومي الإعدام. وتظهر الدراسة ذاتها أنّ 94 في المائة من المحكومين بالإعدام هم من الرجال، في حين تبلغ نسبة النساء 6 في المائة. كما تتراوح أعمارهم بين 20 و52 عاماً، 60.5% منهم غير متزوجين، و26.4% منهم متزوجون، بينما 9.4% مطلقون و3.7% أرامل. وتعرّضت الدراسة إلى رأي المحكومين بالإعدام أنفسهم حول تطبيقها، فأكّد 63% منهم أنهم ضدّ العقوبة، و33% أنهم مع عقوبة الإعدام، فيما صرّح 4% بأنه لا رأي لهم.

إعدام يومي
وقال الكاتب العام للمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب وعضو الائتلاف المدني لإلغاء عقوبة الإعدام، منذر الشارني، في تصريح لـ"العربي الجديد" إنّ عدد أحكام الإعدام منذ 2010، قارب 160 حكماً، بين أحكام ابتدائية وأحكام نهائية وباتة، غير أنّ تنفيذها معلّق منذ التسعينيات، لالتزام الدولة أمام الأمم المتحدة بتعليق التنفيذ في اتجاه الإلغاء النهائي للعقوبة. 
ولفت المتحدث إلى أنّه رغم تحسّن ظروف معاملة المحكومين بالإعدام بعد الثورة، من خلال السماح لهم بلقاء أهلهم حتى ولو بصورة أقل من باقي السجناء، والسماح لهم بتلقي الوجبات من خارج السجن، إلا أنّ طرق معاملتهم تبقى مختلفة، من خلال عزلهم. 
وقال الشارني إنّ "المحكوم بالإعدام يعدم يومياً، ومع كلّ صباح"، فمنهم من يجهلون أنّ تونس علّقت تنفيذ العقوبة ويتصوّرون أنّ كلّ يوم هو يوم إعدامهم، وهناك من يتعرّض للتهديد اليومي بالإعدام، من قبل نظّار السجن وبعض الأعوان الذين يتعمّدون تخويفهم. وشدّد الشارني على أنّ ظروف المحكومين بالإعدام قاسية جداً وغير إنسانية، مشيراً إلى أنّ "منهم من قضى عشرين عاماً وأكثر في السجن.. وبقاؤه فيه غير مفهوم، فمن الأفضل أن يتم تأهيله وإطلاق سراحه"، حسب قوله.
وأكّد المتحدث أنّ "عقوبة الإعدام هي الجواب الخاطئ عن الجريمة، لأنه تجب معالجتها وفق مقاربة اجتماعية وتربوية، بالعودة إلى أسباب حدوث الجريمة". 
ويضيف الشارني أنّ "التشدّد في العقاب لا يحدّ من الجريمة ولا يلغيها، ففي البلدان التي تنفّذ العقوبة في حقّ مجرمي المخدرات والعقوبات السياسية، على غرار إيران والصين، لم تتقلّص معدلات الجريمة فيها".

أثار الرئيس جدلاً بإعلانه دعم تنفيذ عقوبة الإعدام 


وشدّد على "أنها عقوبة لاإنسانية وقاسية، لأنّ العدالة لا تقتل، وعلى الدولة ألا تنفذ العدالة بالقتل عبر حكم قضائي". وأشار إلى أنّه "هناك مؤسسات عقابية لردع الجرائم، فقضاء عقوبات سالبة للحرية لعشرات السنين كفيل بذلك". وأضاف المتحدّث أنّه "مع التضامن والتعاطف الكامل مع عائلات الضحايا، فإنّنا نطالب بجبر ضررهم وتعويضهم ومحاسبة مرتكب الجريمة بالسجن". وأوضح الشارني أنّ هناك توجها نحو إلغاء هذه العقوبة تدريجياً من القانون الجنائي التونسي، وسنّ قانون لإلغائها تماماً.
في المقابل، قال رئيس المكتب السياسي لائتلاف الكرامة ومساعد رئيس البرلمان المكلّف بالعلاقة مع الرئاسة والحكومة، عبد اللطيف العلوي، في تصريح سابق لـ"العربي الجديد"، إنّ تفعيل عقوبة الإعدام في قضايا "الإرهاب" وجرائم "الشرف" و"الخيانة العظمى"، ستكون أولى معاركه في المستقبل. وأشار إلى أنّه رغم عدم اجتماع هياكل ائتلاف الكرامة، فإنّ موقفهم لن يختلف كثيراً عن موقفه لأنهم يتقاسمون القيم والمبادئ نفسها، "وأنا، مع رفاقي في ائتلاف الكرامة، ننطلق من فلسفة وقيم ولكم في القصاص الحياة، وهو قانون كامل لتحقيق العدالة الإلهية". وقال العلوي: "دعوة من أعماق الأعماق إلى الرئيس قيس سعيد، لتفعيل عقوبة الإعدام، هو الذي قدّم نفسه باسم رئيس الشعب لتحقيق العدالة وتحمل المسؤولية وتحكيم الضمير"، وشدّد: "ستُسأل أمام ربك عن دماء رحمة وآلاماها وهي تذبح، وعن شرفها وعن فجيعة أهلها وأوجاعهم".

وأضاف العلوي أنّ "القضاء يصدر يومياً أحكام الإعدام، ولكنها لا تنفذ منذ تعليق تنفيذ حكم الإعدام في تونس سنة 1991 في جريمة السفاح ناصر، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد الرئيس يوقع على تنفيذ هذه الأحكام". وأكّد أنّ تونس "دخلت في مرحلة التوحّش الكامل، وفقدنا حقّ التنقل لأننا فقدنا الأمان، وصارت الجرائم استعراضاً لأبشع ما لا يمكن أن يتخيّله بشر".
وأضاف أنّ منظمات حقوقية ميّعت هذه القضايا، وتفكر في حق الفرد على حساب حقّ المجتمع، وشدّد على أنّه يرى أنّ "الإعدام حلّ من الحلول الردعية للحدّ من الجريمة ومقاومتها وإعطاء العبرة، حتى وإن لم يقضِ ذلك عليها تماماً". 
وأضاف العلوي أنّ كلّ المجتمع التونسي في حالة صدمة، مشيراً إلى أنّه يخشى اليوم على بناته الثلاث، فـ"لا الدولة ولا القانون يحمي بناتنا ممّا يحدث"، وشدّد على أنّه "في قضايا الشرف، لا يعترف بالدستور ولا بالدولة". 
وكان الرئيس قيس سعيد، أثار جدلاً كبيراً بإعلانه دعم عقوبة الإعدام بعد انتشار قضية الفتاة رحمة، وعبّرت عدّة منظمات حقوقية عن صدمتها من موقفه.

المساهمون