اعتداءات جنسية على أطفال المغرب

29 يونيو 2020
الصورة
ضحيّة محتملة؟ (راكيل ماريا كاربونيل باغولا/Getty)

لا شكّ في أنّ الاعتداءات الجنسية على الأطفال تُعَدّ من الجرائم الأكثر فظاعة. وفي هذا السياق، يشدّد معنيون مغاربة على ضرورة التشدد قانونياً.

اندلع سجال في المغرب عقب إطلاق سراح مغتصب الطفلة إكرام (ستة أعوام) في مدينة طاطا جنوب شرقي البلاد ثمّ إعادة اعتقاله بعدما تحوّلت الحادثة إلى قضية رأي عام. وما كاد هذا السجال ينتهي حتى برزت مخاوف من أن يتكرر السيناريو نفسه مع تسجيل حوادث اغتصاب جديدة أخيراً. ومع تزايد حالات الاعتداء الجنسي على الأطفال في المغرب وتعدّد الأحكام بالسجن التي غالباً ما تُعَدّ متساهلة، عمدت منظمات غير حكومية إلى إثارة النقاش مجدداً حول حماية القضاء حقوق الطفل وصرامة القوانين المغربية. وفي غياب الإحصاءات الدقيقة حول الاعتداءات الجنسية على الأطفال، كشفت دراسة صادرة في العام الماضي عن مؤسسة "الطفولة العالمية" ومقرّها الولايات المتحدة الأميركية، حصول المغرب على ترتيب سيّئ في ما يتعلق بهذه القضية، إذ احتلّ المرتبة 34 من بين 60 دولة.

وينصّ القانون الجنائي المغربي على معاقبة أفعال هتك عرض أو محاولة هتكه، مرتكبة في حقّ كلّ طفل أو طفلة تقلّ سنّه عن 18 عاماً، بعقوبة السجن لمدة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات بحسب الفصل 484 من القانون الجنائي. وتتضاعف العقوبة في حالة اقتران هتك العرض بالعنف ضدّ الطفل الذي تقلّ سنّه عن 18 عاماً أو العاجز أو المعوّق أو المعروف بضعف قواه العقلية، فيُحكم على الجاني بالسجن من عشر سنوات إلى عشرين. أمّا الاغتصاب المرتكب في حقّ فتاة تقلّ سنّها عن 18 عاماً أو العاجزة أو المعوّقة أو المعروفة بضعف قواها العقلية أو الحامل، فيُعاقب بالسجن من عشر سنوات إلى عشرين. وتتضاعف تقريباً هذه العقوبة إذا كان الفاعل من أصول الضحية أو ممّن لهم سلطة عليها أو وصاية عليها أو ممّن يقدّمون خدمة بالأجرة ونتج عن هذا الاغتصاب فضّ بكارة المجني عليها، بالتالي تتراوح مدّة السجن بين عشرين عاماً وثلاثين.



تقول رئيسة جمعية "ما تقيش ولادي" (لا تلمس أولادي) لحماية الطفولة، نجية أديب، لـ"العربي الجديد"، إنّ "العقوبات المخففة من الأسباب الرئيسية التي تساهم في انتشار حوادث اغتصاب الأطفال في المغرب"، لافتة إلى أنّه "يتعيّن الضرب بيد من حديد في هذا المجال وتطبيق القانون على المجرمين. لا عقوبات بالسجن سنة أو سنتَين حبسا أو حتى أربع سنوات، والمشرّع كان واضحاً في سنّ القوانين التشريعية في ما يخصّ جريمة الاعتداء الجنسي". تضيف: "نحن لا نضرب في قناعة القضاة، لكن عند الإدانة يجب تطبيق فصول المتابعة، وهي بالمناسبة واضحة في مسطرة القانون الجنائي التي تتضمن ظروف التشديد وتصل حتى أربعين سنة. المشكلة تكمن في تفعيل النصوص ومن يفعّلها".

وفي ظلّ التصاعد المستمر في وتيرة اغتصاب أطفال المغرب، على الرغم من التعديلات التي أُدخلت على الفصول المتعلقة بحماية الأطفال ضحايا الاغتصاب في القانون الجنائي، تطالب أديب بـ"سنّ قانون الإخصاء لمكافحة اغتصاب الأطفال، وهو قانون معمول به في دول ديمقراطية معروفة بتبنّيها حقوق الإنسان"، مشيرة إلى أنّ "تنفيذ الإخصاء في حقّ المغتصب هو عقاب له لما فعله بطفل، فيشعر ولو ببعض آلام ضحية ستبقى طول حياتها مدمّرة". وتسأل: "ما المانع من تنفيذ هذه العقوبة على هؤلاء الوحوش؟ لقد دمّروا أطفالنا. آن الأوان لتنفيذها، إذ بعد ذلك سيفكّر المغتصبون مليون مرّة قبل أن ينهشوا أعراض الأطفال. فالإخصاء مخيف جداً وهو بمثابة الموت البطيء لكل المغتصبين". وتتابع أديب أنّ "تلك العقوبة لا تعادل حجم الجريمة المرتكبة في حقّ أطفال أبرياء. لكن في حال تطبيقها، فإنّها ستكون سلاحاً رادعاً لكلّ من يفكّر مستقبلاً في ارتكاب مثل هذه الجريمة".

في السياق نفسه، يدعو رئيس جمعية "منتدى الطفولة"، عبد العالي الرامي، إلى "عدم التساهل مع جرائم الاعتداء الجنسي في حقّ الأطفال، وأن يكون القضاء سداً منيعاً أمامها، وكذلك الضرب بيد من حديد كلّ من سوّلت له نفسه اغتصاب طفل، ووضع حدّ لكلّ السلوكيات المشينة التي تمسّ كرامة الطفولة وهذه الفئة الهشة من المجتمع"، مؤكداً أنّ "اغتصاب الأطفال يبقى النقطة السوداء في مجال حقوق الطفل في المغرب". ويقول الرامي لـ"العربي الجديد" إنّ "التصاعد المستمر في اغتصاب الأطفال يتطلّب يقظة وطنية لحماية الطفولة وتفعيلاً للترسانة القانونية من أجل ردع الجناة، لا سيّما في ظل الاصطدام بإشكالية إثبات الجرم الذي يجعل المتهم يتملص من العقاب".



ويرى الرامي أنّ "الأمر يستدعى تدخلاً من قبل الحكومة لتحريك ملف الطفولة"، داعياً إلى "تعزيز فضاءات الترفيه والتنشيط التربوي ومراكز الرعاية الاجتماعية الكافية لأنّ غيابها في عدد كبير من المناطق يجعل الأطفال عرضة لمختلف أنواع الاستغلال". ويطالب الرامي الحكومة بـ"الالتفات إلى قضايا الطفولة وتفعيل مقتضيات الدستور وإشراك المجتمع المدني في هذه الورشة الإصلاحية التي ينبغي التعجيل بها كونها باتت ضرورة ملحة تفرض نفسها أكثر من أيّ وقت مضى". وإلى جانب الشق القضائي، يشدّد الرامي على "ضرورة اتخاذ تدابير أخرى، فالسجن وحده ليس حلاً، بل ينبغي أن تكون هناك متابعة نفسية لكلّ من الجاني والضحية، حتى لا تتكرر الجريمة من جديد عند الخروج من السجن، أو من طرف الطفل عندما يكبر". وعلى سبيل المثال، يتحدّث عن "قضية سفاح تاردونات (جنوب المغرب) الذي اغتُصب في صغره ثمّ راح يكرر الفعل نفسه انتقاماً حينما كبر".

دلالات