"الحزام الناري" يصيب المسنات في مخيمات إدلب

07 اغسطس 2023
يصيب الحزام الناري كثيراً من المسنين (العربي الجديد)
+ الخط -

ألم شديد وحرقة في الجلد، عانت منهما المسنة السورية صباح الجنيد لمدة أسابيع، قبل أن تكتشف إصابتها بمرض الحزام الناري الذي ينتشر بشكل لافت بين المسنين في عدد من المخيمات العشوائية في إدلب، والتي تخلو من أدنى مقومات الحياة، وندرة الرعاية الطبية، والاستجابة الدولية لاحتياجات النازحين.

تقيم النازحة المقيمة في خيمة من النايلون المهترئ، ضمن مخيمات "قاح" شمالي إدلب، والتي تخلو من كل وسائل التبريد، وتزيد حرارة الشمس اللاهبة أوجاعها. بصوت خفيض وإعياء واضح، تقول الجنيد لـ"العربي الجديد"، إنها تعاني من الصداع وآلام في جسدها كله، ولا تستطيع الخروج من خيمتها جراء ما تعانيه من حرقة في ظهرها، وأجزاء من جسدها الذي أنهكته الأمراض المزمنة، ليأتي الحزام الناري ليزيد معاناتها.

والحزام الناري عدوى يسببها الفيروس الذي يسبب الجدري المائي نفسه، بعد انتهاء الإصابة بالجدري، ويظل الفيروس كامناً في الجهاز العصبي لسنوات، قبل أن يستعيد نشاطه، وهو ينتقل إلى الأنسجة العصبية في الحبل الشوكي والدماغ، وحين "يستيقظ" الفيروس، ينتقل عبر الألياف العصبية إلى البشرة على شكل الحزام الناري.

عصفت الأمراض بالمسنة صفية البرهوم، وهي أيضاً مصابة بالحزام الناري، وتقول إن الأمراض استوطنت جسدها الذي أتعبته السنون منذ نزوحها إلى مخيمات سرمدا شمال إدلب قبل قرابة خمس سنوات، حيث تقيم في خيمة صغيرة بصحبة زوجها، وتترقب عيناها باستمرار الباب، لعل زائراً يطل عليها ببعض الأدوية التي لا تجدها في المخيم. وأوضحت لـ"العربي الجديد"، أنها اكتشفت المرض بعد ظهور طفح على جسمها على شكل بقع حمراء، تطورت إلى بثور تشبه الحروق، من حيث الشكل، وبدأت تشعر بألم لا يطاق، لكنها لم تحصل على أي عناية طبية، رغم كل الأعراض التي تشمل الشعور بالحرقة، والطفح الجلدي، وألم في الجلد، إضافة إلى الصداع والقشعريرة، وشعور بالضعف العام، وآلام في المفاصل والعضلات، وما يزيد معاناتها الحمى المصاحبة للمرض، وسط لهيب الصيف الذي وصل لـ40 درجة مئوية في مخيمات شمال إدلب.

قصدت صفية مستوصف المخيم بمساعدة جيرانها لتحظى ببعض المسكنات التي لا تلبث أن تنتهي فعاليتها ليعود الألم مجدداً، وترى أن كبر سنها وضعف مناعتها والأوضاع المعيشية الصعبة التي تعيشها داخل المخيم وراء تأخر شفائها.

لا توجد مراكز صحية في معظم مخيمات إدلب (العربي الجديد)
لا توجد مراكز صحية في كثير من مخيمات إدلب (العربي الجديد)

ويقول الأخصائي بالأمراض الجلدية، مروان الجيعان، إن هذا النوع من العدوى الفيروسية يتميز بطفح جلدي، يظهر على شكل شريط من البثور على جانب واحد من الجسم، وعادة ما يكون في أعلى الظهر، ويصاب الشخص بإحساس حارق أو حكة أو وخز، ويصاحبه شعور بالصداع والحمى. يضيف الجيعان لـ"العربي الجديد"، أن "المرض يصيب البالغين، وخاصة من هم فوق الخمسين، ويرجع سبب الإصابة إلى التقدم بالسن، وما يتبعه من ضعف المناعة، والتوتر، إضافة إلى قلة العناية الشخصية. إهمال معالجة الحزام الناري يمكن أن يسبب مضاعفات قد تؤدي إلى الوفاة، خاصة بين المسنين، والأشخاص ذوي المناعة الضعيفة، والمصابين بأمراض تضعف جهاز المناعة".

ويتابع: "تستغرق مدة التعافي من الحزام الناري ما يتراوح بين 3 و6 أسابيع، وفي الغالب لا يصاب الشخص مرة أخرى بالمرض بعد الشفاء، لكن قد تتكرر الإصابة في بعض الحالات. الأدوية الموصوفة للعلاج تختلف بحسب الإصابة والشدة والعمر، ولكنها تشمل مرهم يوضع على البثور للمساعدة على تبريدها وشفائها، ومسكنات ومضادات حيوية ومقويات للجهاز المناعي، وينصح المرضى في المخيمات بالعلاج المنزلي لتخفيف الأعراض، عبر أخذ حمامات باردة لتنظيف البشرة، ووضع كمادات باردة مبللة على الطفح الجلدي لتقليل الألم والحكة، وتناول الأطعمة التي تحتوي على فيتامين أ وفيتامين ب 12 وفيتامين ج".
وتعد مخيمات الشمال السوري بيئة لانتشار أمراض عدة، خصوصاً مع الصرف الصحي المكشوف، وغياب المياه النظيفة الصالحة للشرب عن 47 في المائة من المخيمات، إذ وصلت أعداد المخيمات غير المخدمة بالمياه إلى أكثر من 658 مخيماً، فيما تغيب العيادات والنقاط الطبية عن أكثر من 84 في المائة منها. ويزيد المصاعب غياب الدور الفاعل للمنظمات الإنسانية، واقتصارها على جلسات توعية، إضافة إلى سوء الحالة المادية لأغلب النازحين، وعدم قدرتهم على تأمين العلاج. 

لجوء واغتراب
التحديثات الحية

ورغم أن معظم الإصابات في المخيمات ما زالت تصنف ضمن معدل يقع بين المنخفض والمتوسط، فإن هناك مخاوفَ كبيرة من ارتفاع معدلات الإصابة، ودعا فريق "منسقو استجابة سورية" السكان والنازحين في الشمال السوري، إلى ضرورة اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة لتفادي انتقال الأمراض، والعمل على تلقي التطعيمات.

ويؤكد "منسقو استجابة سورية" أن أكثر من 478 مخيماً للنازحين يعاني سكانها من أنواع من الأمراض الجلدية، وأن 29 في المائة من المخيمات تشهد تفشياً واسعاً لتلك الأمراض، والتي تعود أسبابها إلى سوء الأوضاع المعيشية والصحية في تلك المخيمات، فضلاً عن الاكتظاظ السكاني الذي يجعل انتشار أي مرض سهلاً. ويطلب من المنظمات الطبية العاملة في الشمال السوري العمل على رصد الأمراض الجلدية في المخيمات كافة، وتأمين مستلزمات علاجها، كعزل المرضى، وتأمين العلاج لهم، كما طلب من جميع المنظمات العمل على تأمين المياه النظيفة، وتقديم مستلزمات النظافة للنازحين، والعمل على تغطية شبكات الصرف الصحي المكشوفة.

المساهمون