الليشمانيا يفتك بالنازحين في مخيمات إدلب

27 يوليو 2023
تشكو مخيمات إدلب من غياب المياه النظيفة (عز الدين قاسم/الأناضول)
+ الخط -

تنتشر الأمراض الجلدية بشكل متسارع في مخيمات شمال غرب سورية، لا سيما مرض الليشمانيا، نتيجة نقص الرعاية الصحية والتلوث البيئي. والليشمانيا عدوى طفيلية تنتقل بواسطة لدغات ذباب الرمل المصاب بالطفيلي.

ويتحدث النازح أحمد العبود (46 عاماً) عن معاناته بعد إصابة ابنه بالليشمانيا قائلاً: "أقطع أسبوعياً مسافة 10 كيلومترات للوصول إلى أقرب نقطة طبية بهدف علاج ابني من الليشمانيا"، في ظل انعدام المرافق الصحية في مخيمات النزوح. ويقول: "نواجه صعوبة في تأمين العلاج، ويتوجب علينا الذهاب إلى مدينة إدلب أو معرة مصرين أو المراكز التي يتوفر فيها العلاج، ما يتطلب قطع مسافات طويلة". 
ويشكو العبود، حاله حال الكثير من العائلات المقيمة في المخيم، عدم اهتمام المسؤولين بالمخيمات التي أصبحت مرتعاً للحشرات والبعوض والذباب الذي يزداد عاماً بعد عام، والاستهتار الملحوظ بحياة النازحين من خلال ضعف الخدمات الطبية والتوعوية، بالإضافة إلى عدم وجود تحركات جدية لتحسين واقعهم المأساوي.
وتعاني مديحة البركات (11 عاماً)، النازحة من الريف الشرقي لمدينة معرة النعمان إلى مخيم كفرعروق شمالي إدلب، من مرض الليشمانيا منذ أكثر من ثلاث سنوات من دون أن تجد علاجاً مناسباً حتى اليوم، ما ترك ندوباً على وجهها ويديها تحتاج إلى وقت وعلاج طويل لتندمل. وتقول والدتها: "الظروف البيئية التي نعيشها في هذا المخيم تساعد على انتشار الإصابات بالليشمانيا من جراء عدم معالجة الصرف الصحي وتراكم النفايات، بالإضافة إلى قلة توفر المياه النظيفة، وانتشار الحشرات والقوارض مع ارتفاع درجات الحرارة".
وتشير إلى أن بقعاً حمراء بدأت تظهر على وجه ابنتها. اعتقدت في البداية أنها مجرد لسعات بعوض ستختفي سريعاً، ولكن كبر حجمها وتأخر شفاؤها وظهرت تقرحات على الجلد، فقصدت طبيباً أكد إصابتها بالليشمانيا. وتقول إنها تستخدم الأعشاب الطبية والثوم والكركم لعلاج ابنتها من دون أي فائدة تذكر، في ظل عدم توفر وسائل النقل للوصول إلى النقاط الطبية البعيدة عن مكان إقامتها، بالإضافة إلى ندرة الأدوية والعلاجات في المراكز الصحية. وتبين أن حالة ابنتها النفسية سيئة جداً، وتشعر بالخجل من شكلها نتيجة الندوب التي تركها المرض على وجهها، ما جعلها انطوائية وتفضل العزلة عن الآخرين معظم الأحيان.
من جهته، يتحدث مدير مخيم عشوائي في قرية كفربني شمالي إدلب، علي السلوم (42 عاماً)، عن أوضاع النازحين في المخيم، قائلاً: "نعاني من ارتفاع درجات الحرارة وانتشار الأمراض وخصوصاً الليشمانيا، وسط غياب العلاجات وغلاء الأدوية".

تشكو العائلات غياب المياه النظيفة (عز الدين قاسم/ الأناضول)
أزمات مخيمات النزوح السورية متفاقمة (عز الدين قاسم/ الأناضول)

ويلفت إلى أن المخيم يضم أكثر من 200 عائلة تغيب عنها المياه النظيفة والمعقمة، والبنى التحتية الخاصة بالصرف الصحي، ما شكل بؤرة لتجمع مياه آسنة وفّرت بيئة مناسبة لتكاثر وانتشار ذبابة الرمل الناقلة للمرض. ويناشد الجهات الإنسانية والطبية العمل على تكثيف حملات الكشف والعلاج المجاني لداء الليشمانيا وتوفير الأدوية بمختلف المراكز الصحية، وخصوصاً في المخيمات. 
إلى ذلك، يقول الطبيب المتخصص بالأمراض الجلدية عبد الكريم السماحي (31 عاماً) من مدينة سرمدا، إن "قلة الخدمات الطبية في المخيمات مع انتشار الذباب الناقل للجراثيم، تسببت بانتشار مرض الليشمانيا بين النازحين، والذي يظهر كبقع حمراء كبيرة على الجلد". ويوضح أن المرض قد يُصيب الأعضاء الداخلية ويسمى داء الليشمانيات الحشوي المعروف أيضاً بالكالازار، وهو مميت في 95 في المائة من الحالات إذا تُرٍك من دون علاج، ويتميز بنوبات غير منتظمة من الحمى، وفقدان الوزن، وتضخم الطحال والكبد، وفقر الدم. وقد يعاني بعض المصابين عدوى صامتة، أي من دون أعراض، ولكن إذا ظهرت الأعراض فإنها تكون في صورة ارتفاع درجة حرارة الجسم، وفقدان الوزن، وتضخم الطحال والكبد، ونقص في عدد خلايا الدم الحمراء، ونقص في عدد خلايا الدم البيضاء، ونقص في عدد الصفائح الدموية.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الوقاية من داء الليشمانيات ومكافحة انتشاره أمر معقد ويتطلب توافر العديد من الأدوات. وتشمل الاستراتيجيات الرئيسية الكشف المبكر والتدبير العلاجي الفعال والفوري للحالات، مكافحة النواقل التي تساعد على الحد من انتقال هذا المرض أو إيقافه عن طريق تقليل عدد ذباب الرمل، والترصد الفعال للمرض واتخاذ الإجراءات أثناء الأوبئة والحالات التي تكون فيها معدلات وفيات الحالات التي تخضع للعلاج مرتفعة، ومكافحة المستودعات المضيفة الحيوانية، والتعبئة الاجتماعية وتعزيز الشراكات.
وفي مايو/ أيار الماضي، حذرت مديرية الصحة في إدلب من تسجيل أعداد متزايدة من الإصابات بالليشمانيا الحشوية القاتلة، الأمر الذي يوجب ضرورة اتخاذ الإجراءات الوقائية ومراجعة أقرب مركز صحي عند ظهور أيٍ عارض من أعراض الإصابة.
ويقاسي النازحون في مخيمات إدلب الفقر والتهجير والتشرد والعيش وسط ظروف قاسية، ما يؤدي إلى انتشار الأمراض والأوبئة التي تزيد أوجاعهم وتهدد أمنهم وسلامتهم، وتخلف وراءها آثاراً جسدية ونفسية في صفوف المصابين وذويهم.

المساهمون