أيتام الزلزال في إدلب... آلام نفسية وجسدية

25 اغسطس 2023
نشاط ترفيهي لبعض أيتام الزلزال في إدلب (العربي الجديد)
+ الخط -

بعد مرور أكثر من ستة أشهر على وقوع الزلزال المدمر الذي تسبب بموت أمها وأبيها وكل إخوتها، لا تزال سلمى الصالح (7 سنوات) من مدينة حارم، تصحو كل ليلة على كوابيس، ولا تكف عن البكاء والصراخ في فترات متقطعة. يقول عمها أحمد الصالح، والذي ضمها إلى أسرته ليتكفل برعايتها: "دمر الزلزال البناء المؤلف من أربعة طوابق الذي كانت تقطنه عائلة أخي مع عوائل أخرى، وكانت سلمى الناجية الوحيدة من أسرتها، وتم انتشالها حية من تحت الأنقاض، وإسعافها إلى المشفى، وكانت حينها تعاني من جروح ورضوض في سائر جسدها، لكن بعد خضوعها للرعاية الصحية اللازمة، باتت حالتها الصحية مستقرة، لكنها لا تزال تعاني من القلق والخوف، ولا ينتهي حزنها على فراق أهلها". ويؤكد الصالح أنه يعتني بها جيداً، ويحاول جاهداً دمجها ضمن أسرته لتخفيف نوبات البكاء والهلع الشديد التي تنتابها، لكن من دون جدوى حتى الآن. 
الطفل صالح الخروب (12 سنة) نازح من مدينة معرة النعمان إلى بلدة بسنيا في شمال إدلب، وقد نجا من الزلزال مع شقيقه الأصغر، وهما يقيمان حالياً مع جدتهما، لكنه لا يزال حبيس آلامه، إذ أصيب بنوع من الشلل في ذراعه اليمنى، ويقول لـ"العربي الجديد": "أصبت بتلك الحالة بعد الزلزال، وبقيت أكثر من شهرين غير قادر على تحريك ذراعي، وكنت أعيش على المسكنات والضمادات. الحالة الصحية الحرجة التي عشتها جعلت الأطباء يقررون بتر يدي. تخلصت بعدها من الألم الجسدي، لكنني سأعيش مع آثار الإعاقة لبقية حياتي". 
أمام قسوة الكارثة، نشطت جمعيات إنسانية لمتابعة أوضاع الأطفال الأيتام في مناطق شمال غربي سورية، فقامت مؤسسة "بسمة نور" بافتتاح مركز "كرماء" في مدينة إدلب، والذي يتولى رعاية الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم في الزلزال. 

يقول مدير مركز "كرماء"، حسن محمد الجنيد، لـ"العربي الجديد": "تسبب الزلزال المدمر في الشمال السوري بفقدان كثير من الأطفال لأسرهم، وبعضهم أصبحوا يتامى الأبوين. من هنا جاءت فكرة تأسيس المركز بهدف احتواء هؤلاء الأيتام، وتقديم كافة أنواع الرعاية اللازمة لهم. المركز يقدم للأطفال الخدمات المعيشية من غذاء ومأوى، إلى جانب الخدمات التعليمية والصحية، والرعاية النفسية، ويوفر لهم الأنشطة الرياضية والترفيهية". 

يحتاج الأطفال إلى الرعاية النفسية أيضا (العربي الجديد)
يحتاج الأطفال إلى الرعاية النفسية أيضا (العربي الجديد)

ويلفت الجنيد إلى أن "المركز يضم كادراً متميزاً يشمل وجود مشرفين تعليميين، وعاملين في مجال خدمات الطعام والنظافة، فضلاً عن وجود داعمين نفسيين. يضم المركز 52 طفلاً وطفلة، والعدد قابل للزيادة، وتبلغ الطاقة الاستيعابية نحو 100 طفل". ويلفت إلى أنّ المركز يستقبل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 إلى 12 سنة، وضمن معايير محددة، من بينها أن يكون الطفل يتيم الأبوين، ويعيش عند أحد أقاربه في ظروف سيئة، أو أن يكون يتيم الأب وأمه متزوجة ويعيش عند أقارب يعانون من ظروف مادية سيئة، أو يتيم الأب ويعيش مع أمه التي تعاني شظف العيش، ولا تستطيع توفير الخدمات التعليمية والصحية والمعيشية له. 

محاولات لدمج أيتام الزلزال في مركز "كرماء" (العربي الجديد)
محاولات لدمج أيتام الزلزال في مركز "كرماء" (العربي الجديد)

الطفلة ياسمين الشحود (10 سنوات) إحدى الناجيات من الزلزال، وهي تستفيد من خدمات المركز، وتقول لـ"العربي الجديد": "كنت أعيش مع أسرتي المؤلفة من 6 أشخاص، وعند وقوع الزلزال كنت نائمة، وحين انهار المنزل وجدت نفسي فجاة وحيدة بين الأنقاض، وبعد ساعات من العذاب تحت الركام، قامت فرق الإنقاذ بانتشالي وإسعافي، وحين استيقظت من هول الصدمة وجدت نفسي وحيدة في الحياة". وتضيف: "أعيش حالياً في مركز كرماء، وقد وجدت فيه كل الرعاية والاهتمام، وهو يوفر لنا كافة الخدمات. أشعر بالأمان في المركز، حيث نعيش في جو من المحبة والألفة كأننا أسرة واحدة". 

من جهتها، تقول المرشدة النفسية، رغدة الحبوش: "كانت آثار الزلزال صعبة على الكبار، لكنه كان كارثياً على الأطفال، ولا يمكن فصل احتياجات هؤلاء الأطفال العينية عن احتياجاتهم النفسية، إذ لا يزال الكثير منهم تحت هول الصدمة، ويعانون من الاكتئاب والخوف والقلق والعزلة، وعدم الشعور بالأمان، خاصة الأطفال الذين عاشوا لحظات رعب، أو شاهدوا انهيار المباني فوق ساكنيها، أو جثث الضحايا، أو من فقدوا ذويهم. هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى العطف، وتوفير ظروف العيش الكريم لتعويضهم قدر الإمكان عن خسارة عائلاتهم، وتجاوز الأزمة". وتنصح الحبوش بربط الأطفال الأيتام بأقاربهم، إلى جانب تقديم الدعم النفسي لهم ليتمكنوا من التعبير عن أنفسهم، واستيعاب ما جرى لهم، مع توفير جو من المرح، وبيئة يمكن أن يندمج الطفل فيها مع أقرانه مجدداً، في محاولة لإعادته إلى الحالة الطبيعية.

المساهمون