"المركز العربي" يبحث في "تجارب دولية في دسترة التحول الديمقراطي"

26 سبتمبر 2020
الصورة
من الجلسة السادسة في دسترة التحول الديمقراطي (المركز العربي)

ناقش المؤتمر السنوي التاسع لقضايا الديمقراطية والتحوّل الديمقراطي الذي ينظّمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع المنظمة العربية للقانون الدستوري، اليوم السبت، عدة "تجارب دولية في دسترة التحول الديمقراطي".
وقدم المحاضر في العلوم السياسية بجامعة ابن طفيل في المغرب، أحمد إدعلي، بحثا ألقى الضوء على الدستورانية البراغماتية في جنوب أفريقيا، مشيرا إلى أن الفاعلين بالانتقال الدستوري الديمقراطي توسلوا لتيسير مسيرة الانتقال وإنجاحها، واحتكموا إلى المسلسل التأسيسي التوافقي والشامل سبيلا إلى وقف دوامة العنف، ووظفوا القاعدة الدستورية لإعادة بناء المؤسسات على نحو ديمقراطي.
وأقر إدعلي بأن تجربة جنوب أفريقيا جسدت نموذجا للترابط بين مسلسل الانتقال الدستوري الديمقراطي والانتقال الديمقراطي؛ إذ اهتدى المتفاوضون إلى قواعد دستورية عملت نواظمَ لخفض منسوب التردد الملازم للفترات الانتقالية، وساهم المتفاوضون بمنطق التوافق في تحويل معياري للمجتمع والدولة، وأن تلك التجربة أظهرت حسنات المسلسل التأسيسي الشامل، ونجح الدستور عبر إخضاع الجيش للسيطرة المدنية، وجعله حاميا للتجربة الديمقراطية، وتبدو مظاهر نجاح تجربة الانتقال الدستوري في جنوب أفريقيا مفيدةً للدول التي تعرف تجارب تحوُّل.
وفي الجزء الثاني من الجلسة السادسة، تناول الباحث في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين في طنجة المغربية، محمد أحمد بنيس، موضوع "دستورانية التحول الديمقراطي في إسبانيا"، وعزا نجاح هذا التحول إلى عدة عوامل، أهمها توافقُ النخب على دستور جديد استوعب تناقضاتها الأيديولوجية والسياسية، وأعاد صياغتها في منظومة جديدة، كما أن الدستور أدى دورا كبيرا في تتويج هذا التحول بتأطيره للتوافق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي شهدته إسبانيا في الفترة من 1976 إلى 1978.
وخلص بنيس إلى أن الخبرة الإسبانية قدّمت حالةً فريدة لعلاقة المسألة الدستورية بالتحول الديمقراطي، فقد غدا التحول آلية لإضفاء الشرعية على الدستور، وعلى عملية إعادة بناء المجتمع والدولة.


وتحت عنوان "التعديل الدستوري طريقا إلى الانتقال الديمقراطي في تشيلي"، قدم أستاذ علم اجتماع التنظيمات بمعهد التنمية الاجتماعية بالرباط، محمد نعيمي، بحثا في الجزء الثالث من الجلسة، تناول مكانة المسألة الدستورية في التحول الديمقراطي الذي عرفته تشيلي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، مشيرا إلى أن النجاح الذي حققته التجربة لا يخلو من حدود ترتبط أساسا بالمسألة الدستورية، خاصة عبر استمرار ما عُرِف بالجيوب السلطوية في الدستور الموروث عن الحكم العسكري، لكن تظل لها أسباب أخرى تقترن بالإشكال الاقتصادي الذي ظل يطرحه الخيار النيوليبرالي المتبع منذ إرساء الديكتاتورية.
وخلص نعيمي إلى نتائج منها أن الحركات الاجتماعية أدّت دورا مهما في الاحتجاج السلمي المتواصل ضد النظام العسكري، غير أن المسار الاحتجاجي يلزمه في لحظة معينة من تطوره أن يبحث عن السبل الكفيلة بالتقاطع والالتقاء مع المسار السياسي، وأن النضال السياسي والاجتماعي في أي مجتمع لا يغني عن قيام النخب التي تقود المسلسل الانتقالي بتسطير أسس وقواعد دولة القانون في وثيقة دستورية، تكون بمنزلة القانون الأسمى المعبر عن عقد اجتماعي معين بين الحكام والمحكومين.

وتناولت الجلسة السابعة بحثين، الأول قدمته أستاذة العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة مروة فكري، بعنوان" تصميم الدساتير وبناء الثقة: دراسة في تجارب الانتقال الديمقراطي من منظور مقارن"، وألقت الضوء على دور عملية تصميم الدساتير في الدفع بأطراف الانتقال الديمقراطي نحو التعاون، بدلا من الصراع في ضوء ما تتسم به عملية الانتقال الديمقراطي من قدر كبير من عدم اليقين فيما يتصل بالمستقبل، وارتكزت على أربع حالات ناجحة في تحقيق الانتقال الديمقراطي، هي بولندا وتشيلي وجنوب أفريقيا وإندونيسيا، للوقوف على العوامل المشتركة التي ساهمت في هذا النجاح.

وأكدت فكري أن تصميم الدستور عمليةٌ سياسية اجتماعية أكثر منها قانونية، وأنها تتطلب قدرا كبيرا من المساومات والمفاوضات، كما تتطلب مساعي لإحداث التوازن، والملاءمة بين الفواعل وتكوينات سياسية واجتماعية قائمة، موضحة أن الحالات محل الدراسة عكست اختيار مسار الاستمرارية الدستورية خلال الفترة الانتقالية، باستثناء حالة جنوب أفريقيا، فيما اتخذ الانتقال في الحالات الأربع مسارا تدريجيا لا ثوريا، كما اتسمت عملية تصميم الدستور في الحالات جميعها بالشمول؛ إذ لم يُستبعد أيّ فاعل من الفواعل السياسية الأساسية، بما فيها عناصر النظام القديم، والقوى المتحالفة معه، بغضِّ النظر عن الجرائم أو الفظائع التي تم ارتكابها في الماضي.
وقدم الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أحمد حسين، بحثا عن "التجربة الدستورية للاتحاد الأوروبي: السياقات والإخفاقات"، واعتبر أن المعاهدات المشتركة بين الدول الأعضاء في الجماعة الأوروبية، منذ تأسيسها في خمسينيات القرن الماضي، جسدت الإطار القانوني الناظم لعملية التعاون والتكامل ضمن مؤسساتها، موضحا أنه في كل مرة تتوسع فيها الجماعة وتضمُّ أعضاء جددا كانت المفاوضات بين الدول الأعضاء تفضي إلى معاهدات جديدة تتناسب وعملية
التكامل والتعاون، على نحوٍ جعل من تجربة التعاون والتكامل الأوروبية نموذجا مميزا في نجاحها بين دول كانت حتى وقت قريب متنافرة ومتحاربة.
ويواصل المؤتمر عقد جلساته عن بُعّد، عبر منصة "زووم"، حتى يوم الثلاثاء المقبل، وتبث الجلسات عبر حسابات المركز العربي على شبكات التواصل الاجتماعي، وتعقد، غدا الأحد، جلسات عمل تناقش "الدستور وقضايا الهوية: تجارب عربية"، و"الدساتير العربية: قضايا وإشكاليات مقارنة".