هل يحسم الأميركيون من أصول ألمانية منازلة ترامب ــ بايدن؟

26 أكتوبر 2020
الصورة
عرفت علاقة ترامب وميركل توتراً كبيراً (Getty)
+ الخط -

تأخذ الانتخابات الرئاسية الأميركية المحددة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل حيزاً من النقاش والاهتمام الألماني، لا سيما في ظل وجود كتلة ناخبة كبيرة في الولايات الأميركية من الألمان المجنّسين، يقارب عددها الـ43 مليون شخص، يعيشون في مناطق تعرف بـ"المتأرجحة" أو غير محسومة النتائج.
ووفق صحيفة "تاغس شبيغل"، فإن غالبية الناخبين الألمان يعيشون في الولايات المتأرجحة، ويمكن أن يكونوا عاملاً حاسماً في نتيجة التصويت، أكثر من أي ناخبين آخرين، من أصول أوروبية، كالإنكليز والإيرلنديين والإيطاليين، أو من آسيا، إلى الأميركيين الأفارقة أو اللاتينيين. ويمتد الحزام الألماني من ولاية بنسلفانيا، خامس أكبر عدد بين سكان الولايات، إلى أوريغون في أقصى الغرب، وليشمل أيوا وأوهايو وميشيغن وفلوريدا وويسكنسن. ويصنف بعض هذه الولايات على أنها ساحة معركة للحملات الانتخابية، بعدما بات كل فارق بسيط مهما بالنسبة للمرشحين المتنافسين، وهي الولايات التي أعطت الفوز للرئيس دونالد ترامب، ولو بفارق ضئيل، وأهمها ويسكونسن وميشيغن وأوهايو وفلوريدا، وبشكل أوضح في بنسلفانيا وأيوا.

يمتد الحزام الألماني من ولاية بنسلفانيا، خامس أكبر عدد بين سكان الولايات، إلى أوريغون في أقصى الغرب

وتفيد التقارير بأن هؤلاء الألمان وصلوا بغالبيتهم منتصف القرن التاسع عشر، وبنوا الكنائس البروتستانتية، وأسسوا الشركات والمؤسسات، منها ما لا يقل عن 488 صحيفة ودورية باللغة الألمانية في أميركا، وعاشوا ثقافتهم من دون عائق، قبل أن يعود الرئيس الديمقراطي وودرو ويلسون ويفرض رقابة على صحفهم، بعد أن أعلن الحرب على ألمانيا في عام 1917، ما وضع الكثيرين منهم تحت الضغط.
وفي ظل وجود هذه الكتلة الناخبة من أصول ألمانية، رأى رئيس قسم السياسة الدولية والخارجية في جامعة كولن والباحث في العلاقات الألمانية الأميركية توماس ياغر، في حديث مع "فوكس أون لاين"، أن هذه الكتلة خارج رادار الاقتراع العام. وعما إذا كان بإمكان ترامب، الذي يتحدر جده من مدينة كالشتات الواقعة جنوب غرب ولاية راينلاند بفالس، أن يأمل في الحصول على أصوات الألمان الأميركيين مجدداً، قال ياغر "ربما لا، لأنهم اختاروه عام 2016 ليس لأصوله، ولكن لمنع وصول هيلاري كلينتون غير الودودة بالنسبة لهم، ولاعتقادهم بأن لها ارتباطاً بالفساد السياسي في البلاد".

وعما إذا كان من المُحتمل أن يطور ترامب صورته بطريقة تجذب هذه المجموعة مجدداً، استبعد ياغر هذا الأمر "لأنه أولاً، لم يفوّت ترامب، كرئيس، فرصة شغب مع ألمانيا. وثانياً على عكس مجموعات الناخبين الأخرى، ليس من السهل التعامل مع الأميركيين الألمان كمجموعة، حتى لو كانوا الآن منظمين بشكل أفضل قليلاً، فهم أقل تكويناً من الآخرين". وأعرب عن اعتقاده بأنه إذا فاز المرشح الجمهوري جو بايدن في فلوريدا وأريزونا، حيث يعيش أيضاً العديد من الأميركيين الألمان، فإن ذلك سيخّسر ترامب كثيراً. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه إذا تم تسييس مسألة هوية الولايات المتحدة وكيفية التعامل مع تاريخها، وهو ما يحاول ترامب استحضاره، ويثير تساؤلات حول تفضيل الناخبين البيض له من جديد، فقد يدفع الناخبين الألمان الأميركيين المحافظين بثقافتهم للاصطفاف مجدداً إلى جانب ترامب. مع العلم أنه في انتخابات العام 2016 فضّل أكثر من نصف الألمان الأميركيين ترامب، ولم تتمكن منافسته في حينها كلينتون من استمالة سوى 33 في المائة من اصواتهم.
اغتراب عبر ضفتي الأطلسي
لا يمكن إخفاء عن الناخب ذات الأصول الألمانية الاغتراب الحاصل عبر ضفتي الأطلسي، وتحديداً تدهور العلاقات الأميركية مع ألمانيا، القاطرة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، في عهد ترامب. وأرجع مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون جزءا من ذلك للهوس السلبي لترامب بألمانيا، وهذا ما تسبب في زعزعة القيم والروابط التاريخية والاقتصادية والثقافية إلى الحرب التجارية بين بلاده وألمانيا. وتجلى انزعاجه من برلين لعدم دفعها نسبة 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي نفقات دفاع حلف شمال الأطلسي، وهذا ما تحدث عنه أخيراً أمام ناخبيه في تولسا، قائلاً "إن ألمانيا مدينة للناتو بتريليون دولار، لأنها تنفق القليل على الدفاع منذ 25 سنة، وأن (المستشارة الألمانية أنجيلا) ميركل وعدت بتحقيق نسبة 2 في المائة بين أعوام 2030 و2032، وهذا لا يصلح، إلى جانب مد خط أنابيب الغاز نورد ستريم 2 من روسيا عبر بحر البلطيق مقابل مليارات اليورو، وتريد أن نحميها".

فرض ترامب تعريفات جمركية عقابية على بعض السلع الألمانية قد يترك آثاره في صناديق الاقتراع

كذلك، وبفعل العجز التجاري بين البلدين، قام ترامب بفرض تعريفات جمركية عقابية على بعض السلع الألمانية، إلى قراره سحب جزء من قوات بلاده من ألمانيا، هذا عدا عن الأخطاء والفضائح التي طاولته، وأهمها أخيراً تهربه من دفع الضرائب لسنوات. هذا الواقع، من المرجح أن يترك آثاره في صناديق الاقتراع، وقد يكون لهم مقاربة مختلفة لطروحات ترامب. وبعد أن فشلت الولايات المتحدة كقوة دافعة للتسويات، وفق "دير شبيغل"، فإن التعامل على مستوى الدبلوماسي جعل الاتفاقات الصغيرة صعبة، بفعل الافتقار إلى نية التعاون، في إشارة إلى السفير الأميركي السابق في برلين وأحد أعضاء فريق ترامب حالياً ريتشارد غرينيل. في وقت برزت تعليقات عن أن ترامب قد يضطر لتخفيف لهجته ضد برلين، مخافة من أن تُقلل من فرص إعادة انتخابه بين الأميركيين الألمان.
معيار النسب والأصول
وعليه، فإن التوقعات أو الحكم على الشخصية التي ستحسم النتيجة لصالحها سيظل موضوعاً صعباً، لا سيما أن البلاد تعاني من عدة أزمات، أهمها تفشي وباء كورونا، وقد تشكل إحدى نقاط التحول لدى الناخب الأميركي. يأتي ذلك وسط توقعات تتحدث عن أن من خرج إلى الشوارع للتظاهر في الولايات المتحدة لن يذهب إلى صناديق الاقتراع، فيما هناك وجهات نظر أخرى تعتبر أن هناك أيضاً فئات من الطبقة الوسطى البيضاء في أميركا لا تريد أن تكون بلادهم مقسمة بفعل السياسات التي اتبعها ترامب، وبالتالي سيصوتون لمنافسه بايدن، شرط أن يبقى الأخير متوخي الحذر، حتى لا يسمح لترامب بجره إلى نقاش حول الحرب الثقافية الأميركية.
كل ذلك، بعد أن باتت مجموعات الناخبين، وبخلفية استراتيجية انتخابية خالصة، تخضع في الولايات المتحدة للبحث والتقييم، ومن بينها "القياس بمعيار النسب والأصول"، والتخمين مثلاً إلى أي حزب تميل المرأة البيضاء، وكيف يختلف الأميركيون الكوبيون عن الأميركيين المكسيكيين، وما إذ كان يتعين بعد على المرشحين التنافس على أصوات الناخب الإيرلندي، خصوصاً أنه يمكن للمرشح أن يفوز بأصوات المقترعين، ويفشل في دخول البيت الأبيض، لأن الأهم الحصول على 270 من 538 من المجمع الانتخابي.

المساهمون