نتائج الانتخابات المغربية: عودة المشهد السياسي إلى ما قبل 2011

نتائج الانتخابات المغربية: عودة المشهد السياسي إلى ما قبل 2011

09 سبتمبر 2021
لم يدرك العدالة والتنمية التغييرات بمزاج الناخب المغربي (العربي الجديد)
+ الخط -

كشفت النتائج المؤقتة للانتخابات المغربية التشريعية التي جرت أمس الأربعاء، عن تحولات في اتجاهات تصويت الناخبين تؤسس لمشهد حزبي جديد يعود إلى مرحلة ما قبل تشريعيات 2011، بعدما شكّل التراجع المفاجئ والكبير للقوة السياسية الأولى في البلاد منذ 2016 نقطة تحوّل في المشهد السياسي لما بعد اقتراع الثامن من سبتمبر/أيلول.

وفي وقت كانت توقعات غالبية المتابعين للشأن السياسي في المغرب أن تنحصر المنافسة في اقتراع الثامن من سبتمبر/أيلول بين أحزاب "العدالة والتنمية" و"التجمع الوطني للأحرار" و"الأصالة والمعاصرة" و"الاستقلال"، مع إمكانية حصول تغيير في ترتيب تلك الأحزاب في المراتب الأربع الأولى؛ بات يُطرَح العديد من التساؤلات حول أسباب تغير اتجاهات الناخبين، والتراجع الكبير لحزب رئيس الحكومة المغربي، سعد الدين العثماني.

وفقاً للنتائج المؤقتة التي أعلن عنها وزير الداخلية المغربي عبد الوافي لفتيت، في الساعات الأولى من صباح الخميس؛ فإن التفاوت الكبير في نسبة الأصوات بين "التجمع الوطني للأحرار" و"الأصالة والمعاصرة" و"الاستقلال" من جهة، وبين "العدالة والتنمية" يشير إلى أن واقعاً جديداً بدأ في التشكّل بعد نحو 10 سنوات على وصول الإسلاميين إلى قيادة الحكومة مستفيدين من هبوب رياح الربيع العربي.

 

 

ويشير تحليل الأرقام التي حصلت عليها الأحزاب في تشريعيات 2021 إلى تراجع كبير في ترتيب حزب "العدالة والتنمية"، بين محطتي 2016 و2021 وبفارق لافت يقدر بـ 113 مقعداً نيابياً من أصل 395. فبعدما تصدر نتائج الانتخابات البرلمانية التي أجريت يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2016 بحصوله على 125 مقعداً؛ لقي الحزب الإسلامي هزيمة مدوية في اقتراع أمس، بحصوله على 12 مقعداً لن تسعفه حتى في تشكيل كتلة نيابية (تقتضي التوفّر على 20 مقعداً وفق القانون الداخلي لمجلس النواب المغربي).

ويبدو أن الحزب الإسلامي يدفع فاتورة تدبيره للشأن العام لنحو عشر سنوات بتصويت عقابي جراء قرارات اتخذت في عهدي عبد الإله بنكيران، الأمين العام السابق، وسعد الدين العثماني، والتي مسّت شرائح عدة متعاطفة مع الحزب، وأثّرت في دخولها ووضعياتها الاجتماعية، خصوصاً الطبقتين الوسطى والفقيرة، من قبيل إصلاح صندوق المقاصة ونظام التقاعد.

كما كان لما اجتمع على الحزب الإسلامي، منذ الانتخابات التشريعية في 2016، من تحديات تنظيمية وسياسية داخلية، جراء ما عاشه من هزّات؛ نصيب كبير في ما لحقه من هزيمة لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع حصولها.

وفي مقابل انحدار "العدالة والتنمية"، حققت الأحزاب الثلاثة تقدماً كبيراً، وحافظت على قوتها الانتخابية رغم مرور بعضها بأزمات داخلية، حيث استطاع حزب "التجمع الوطني للأحرار" أن يحقق قفزة نوعية في ظرف خمس سنوات، بحصوله على 97 مقعداً، إلى حدود اللحظة، مقابل 37 مقعداً في تشريعيات 2016.

وعلى الرغم من أنه عاش قبل نحو عام من الانتخابات على إيقاع أزمة حادة في قيادته وفروعه، بإعلان ولادة "حركة تصحيحية" للقطع مع ما سموه منطق المقاولة الذي أصبح يدار به الحزب؛ فإنّ الحزب تمكّن من تفادي تبعات تلك الأزمة بسرعة، والانتقال إلى تنفيذ حملته التي وعد بها منذ أشهر، والمتمثلة في تنظيم تجمعات في 100 مدينة مختلفة من مدن المغرب. وكانت بحسب قيادته بمثابة مختبر لجمع المعلومات عبر مساهمة المواطنين وخروج من نهج صياغة التقارير المصاغة عن بعد، "بنهجه لمبدأ اللاتمركز، والإنصات للمواطن في جميع ربوع المملكة انسجاماً مع مساعي المغرب في جهوية موسعة".

كما نجح الحزب الذي تأسس سنة 1977 على يد أحمد عصمان، صهر الملك الراحل الحسن الثاني وعرف باسم "الحزب الإداري" العامل في سياق كسب رضا الدولة، في التعافي من تأثيرات المقاطعة الاقتصادية التي طاولت ثلاث علامات تجارية عام 2018، من ضمنها شركة توزيع المحروقات المملوكة لرئيسه رجل الأعمال ووزير الزراعة، عزيز أخنوش.

من جهة أخرى، تمكن حزب "الأصالة والمعاصرة" من المحافظة على رتبته الثانية في ترتيب الأحزاب، رغم أن حصيلته تراجعت بين انتخابات 2016 و2021 بـ20 مقعداً؛ فبعدما حل ثانياً في تشريعيات 2016 بحصوله على 102 مقعد من أصل 395 مقعداً هي إجمالي مقاعد البرلمان؛ تمكن من الظفر بـ82 مقعداً، ما يؤشر على أنه أفلح في الحفاظ على قوته الانتخابية رغم تأثير اعتماد قاسم انتخابي جديد يقوم على احتساب عدد المسجلين في القوائم الانتخابية العامة بدل عدد المصوتين على حصيلته.

ويبدو انطلاقاً من الأرقام المسجلة، أن قيادة الحزب أفلحت في تجاوز تبعات الأزمة التي يعيشها منذ المؤتمر الرابع الذي عُقد بين 7 و9 فبراير/شباط 2020، حيث يعيش "الأصالة والمعاصرة" على وقع الخلافات والصراعات، بعدما تمكن الأمين العام الحالي، عبد اللطيف وهبي، بمعية باقي قياديي "تيار المستقبل"، من حسم "معركة كسر العظام" مع خصومه في "تيار المشروعية" بقيادة عبد الحكيم بنشماش، الأمين العام السابق، لمصلحته، في جو اتسم بالتوتر، وسيطرت عليه مظاهر الاحتجاجات والتشابك بالأيدي والانسحاب الجماعي من سباق الأمانة العامة.

بدوره، حقق "حزب الاستقلال" قفزة كبيرة بالمحافظة على مرتبته الثالثة التي حققها في تشريعيات 2016 بحصوله على 46 مقعداً نيابياً، وزاد غلّته الانتخابية بنحو 32 مقعداً، في دلالة على بدء أعرق الأحزاب المغربية تعافيه من الأزمة التي عاشها خلال المؤتمر الأخير بسبب معركة "كسر العظام" التي خاضها الأمين العام السابق، حميد شباط، مع خليفته نزار بركة.

ولعل أهم دلالات نتائج الانتخابات التشريعية تتمثل في تقدّم الأحزاب الثلاثة الكبرى ومحافظتها على قوتها الانتخابية مقابل انكفاء الحزب الإسلامي، وبداية انحداره، في تكرار لسيناريو ما عاشه حزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية"، من تقهقر بعد تجربة التناوب الديمقراطي في المغرب مع الراحل عبد الرحمن اليوسفي.

ويربط أستاذ العلوم السياسية عبد الحفيظ أدمينو، بين النتائج التي حققها حزبا "الأصالة والمعاصرة" و"الاستقلال" بنسبة الترشيحات التي تقدم بها هذان الحزبان وتغطيتها الدوائر الانتخابية بنسبة 100%، مشيراً في حديث مع "العربي الجديد" إلى أنه من الطبيعي في ظل هذا الوضع أن تكون حظوظ تلك الأحزاب أوفر وأقوى.

وبحسب أدمينو، فإن وقع المفاجأة الذي شكلته النتائج التي حصل عليها "العدالة والتنمية" لا ينبغي أن يخفي ما عاشه الحزب من مشاكل تنظيمية بمناسبة تدبيره لترشيحات اقتراع 8 سبتمبر/أيلول، وكان من نتائجها مغادرة 140 عضواً اكتسبوا خبرة انتخابية، وكان لهم امتداد شعبي، مشيراً إلى أن الترشيحات التي تقدم بها الحزب من خلال وجوه مألوفة من قبيل وزراء وقياديين للناخبين قوبلت بعدم الاستحسان وهو ما ترجم عبر صناديق الاقتراع.

وبرأي أستاذ العلوم السياسية، فإن الناخبين، من خلال النتائج المعلن عنها، "حاسبوا العدالة والتنمية عن تجربتين حكوميتين عرفتا اتخاذ العديد من القرارات التي، وإن كانت ضرورية اقتصادياً، فإنه كانت لها تداعيات على الطبقة المتوسطة والموظفين الصغار، الأمر الذي يفسر بعضاً من أسباب التراجع الكبير لنتائج الحزب".

من جهته، اعتبر الباحث في العلوم السياسية محمد شقير، أن رد الفعل الانتخابي تجاه حزب "العدالة والتنمية" اتخذ شكلاً عقابياً ترجم السخط السياسي الذي كانت تحس به شرائح واسعة صوتت للحزب في الولايتين السابقتين، لكنها أحست أن الحزب قد استغل ثقتها وخذلها بشكل مريع.

تقارير عربية
التحديثات الحية

وفي الوقت الذي يتم فيه الربط بين التعديلات التي أدخلت على القانون الانتخابي، باعتماد قاسم انتخابي جديد، وبين السقوط المدوي للحزب الإسلامي؛ يعلق شقير، بالقول إن "من المفارقة أن القاسم الانتخابي الذي عارضه حزب العدالة والتنمية على اعتبار أنه سيفقده مقاعد كان قد استفاد منها في الانتخابات السابقة، هو الذي أنقذ الحزب من هزيمة مدوية. وهذا يدل على أن الحزب كان غير مستوعب لكل التغيرات التي عرفها المشهد السياسي، وكان يعيش على أحلام وضع انتخابي سابق دون أن يعي أن السلطة تنهك. وبالتالي افتقدت القيادة للكثير من التبصر والقدرة على الاستشراف".

ويشرح الباحث المغربي أنه لو لم يكن القاسم الانتخابي الجديد متبوعاً في اقتراع 2021 لحصلت اللوائح الأولى على مقعدين ببعض الدوائر، ما سيحرم "العدالة والتنمية" من مقاعد لأنه احتل في أغلبها الرتبة الأخيرة، مشيراً إلى أن التعديلات التي أدخلت على القوانين الانتخابية تمنح الأحزاب الفائزة مقعداً لكل حزب وتمنعه من الفوز بمقعدين.

ويمثل شقير لذلك بنتائج التصويت في دوائر انتخابية من قبيل دائرة القنيطرة، حيث حصل الحزب الأول "الأحرار" على 33 ألف صوت ضمنت له مقعداً واحداً، في حين تمكن "العدالة والتنمية" من الحصول  على سبعة آلاف صوت منحته مقعداً، في حين كان سيفقده في حال اعتماد القاسم الانتخابي السابق الذي يقوم على احتساب القاسم على أساس المصوتين. وتكرر الأمر ذاته في دائرة مكناس، حيث نجح حزب الأحرار في الفوز بمقعد نيابي بعد حصوله على 20 ألف صوت، وبسبب استحالة الحصول على مقعد ثانٍ تمكن القيادي في حزب "العدالة والتنمية" عبد الله لوانو، من الظفر بمقعد بخمسة آلاف صوت فقط.

وبالنسبة لأستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، رشيد لزرق، فإن نتائج اقتراع الثامن من سبتمبر/أيلول تشير إلى أن الخريطة الانتخابية في البلاد عادت إلى ما قبل الربيع العربي، مضيفاً: "الآن يمكن القول إن المغرب قد تجاوز موجة الربيع، وإنه نموذج لكونه البلد الوحيد الذي تم فيه إسقاط الإسلاميين ديمقراطياً".

واعتبر لزرق، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "المغرب حقق تداولاً للسلطة بصعود قوتين انتخابيتين هما حزب الأصالة والمعاصرة والاستقلال إلى المرتبتين الثانية والثالثة"، لافتاً إلى أن ذلك يمثل "النموذج المغربي بالتغيير داخل الاستمرارية".

المساهمون