معارك كاراباخ: شهر إسقاط الهدن

27 أكتوبر 2020
الصورة
تعد جولة القتال الحالية الأقسى منذ 1994 (فاليري شاريفولين/Getty)
+ الخط -

تدخل الحرب حول إقليم ناغورنو كاراباخ، اليوم الثلاثاء، شهرها الثاني، من دون أن يتمكن أيٌّ من طرفي النزاع، أرمينيا وأذربيجان، من حسم أقسى جولة من المعارك بينهما منذ العام 1994، ومن دون أن تجد أي من الهدن الثلاث التي تمّ الإعلان عنها منذ بدء المعارك طريقها إلى الصمود. وعمد الطرفان إلى إسقاط هدنتين برعاية موسكو وباريس، ولم تكد الهدنة الثالثة برعاية واشنطن تدخل حيّز التنفيذ أمس الإثنين، حتى تبادلت يريفان وباكو الاتهامات بخرقها.

وفي مؤشر إلى أن مصير "الهدنة الأميركية" لن يختلف كثيراً عن مصير سابقتيها، تبادلت أرمينيا وأذربيجان أمس، الاتهامات بانتهاكات جسيمة لوقف إطلاق النار في ناغورنو كاراباخ، بعد وقت قصير من سريان موعده في الساعة الثامنة صباحاً بالتوقيت المحلي. وفي حال استمرار خرق الهدنة المبرمة برعاية أميركية، فإنها تضاف إلى جهدين سابقين لكل من روسيا وفرنسا لم يفلحا في وقف المعارك. وفي حين سجّلت الولايات المتحدة حضورها المتأخر في جهود حلّ الأزمة من بوابة عضويتها في مجموعة مينسك للتسوية، يبدو أن حظوظها في تحقيق اختراق كبير متواضعة. في المقابل، تزداد فرص إنشاء إطار جديد للحل، بمشاركة روسيا وتركيا وإيران، قد يسهم في وقف المعارك، مقابل إنهاء حال الجمود في المفاوضات بين أرمينيا وأذربيجان. ومع ثقة المسؤولين الروس أن بلادهم هي الطرف الأقدر على التوسط في الصراع، تشي تصريحاتهم بميل أكبر نحو كسر الجمود ورفض تثبيت سياسة الأمر الواقع المتبعة من قبل قادة أرمينيا، خصوصاً في ظلّ عدم إسراع موسكو إلى دعم يريفان عسكرياً، كما حصل بين العامين 1991 و1994، والتزامها نهجاً غير معاد لباكو لاعتبارات سياسية واقتصادية وجيو- استراتيجية.

تبادلت باكو ويريفان الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار فور سريانه

واشنطن على خط التهدئة

ولم تفلح الجهود الأميركية في جمع وزيري الخارجية الأرميني زهراب مناتساكانيان والأذربيجاني، وجيهون بيراموف، على طاولة واحدة مع الوزير مايك بومبيو، لكنها أفضت إلى إعلان أن المباحثات أثمرت اتفاقاً لهدنة إنسانية ثالثة، بعد هدتني 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، برعاية روسية، و18 أكتوبر برعاية فرنسية. وقالت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني، أول من أمس الأحد، إنّ "وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية سيدخل حيّز التنفيذ في الساعة الثامنة (صباحاً) بالتوقيت المحلي (الرابعة فجراً بتوقيت غرينتش)" من يوم 26 أكتوبر الحالي". وأشار البيان إلى أن "الولايات المتحدة يسّرت مفاوضات مكثفة بين وزراء الخارجية والرؤساء المشاركين لمجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، لتقريب أرمينيا وأذربيجان من حلّ سلمي لصراع إقليم ناغورنو كاراباخ".

وفي تكرار لسيناريو الهدنتين السابقتين، وعلى الرغم من تأكيد كلّ طرف التزام الهدنة، تبادل الطرفان الاتهامات بخرقها. وقالت وزارة الدفاع الأذربيجانية أمس، إن مواقع للقوات الأذربيجانية ومناطق سكنية في كاراباخ تعرضت لقصف، مشيرة إلى أن الجانب الأرمني أطلق النار بعد 5 دقائق على بدء سريان الهدنة. وذكرت الوزارة أن أرمينيا قصفت وحدات عسكرية أذربيجانية في قرية سفيان بمدينة لاتشين، وقصفت المدنيين في مدينة ترتر غربي الإقليم. وأكدت وزارة الدفاع الأذربيجانية التزامها الكامل بوقف إطلاق النار. في المقابل، قالت وزارة الدفاع الأرمينية إن القوات الأذربيجانية ارتكبت "انتهاكاً جسيماً" لوقف إطلاق النار، عبر استهداف مواقع لمقاتلين في مناطق مختلفة عند الجبهات الأمامية بنيران المدفعية.  وأكد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، أمس الإثنين، عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، أن بلاده "تواصل الالتزام التام بوقف إطلاق النار" الذي تمّ التوصل إليه بين طرفي النزاع برعاية أميركية. من جهته، قال المتحدث باسم رئاسة جمهورية ناغورنو كاراباخ غير المعترف بها، فاهرام بوغيسيان، إن "الجانب الأذري انتهك بشكل فظّ اتفاق وقف إطلاق النار الإنساني للمرة الثالثة".

لكن حكمت حاجييف، أحد مساعدي الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، أكد أن أرمينيا هي التي انتهكت اتفاق وقف النار الحالي كما انتهكت الاتفاقين السابقين. وذكر حاجييف في بيان، إن "هدف أرمينيا هو المحافظة على الوضع القائم على الاحتلال"، مشدداً على أن "الجانب الأذربيجاني يمارس ضبط النفس".

وواضح أن صمود الهدنة الجديدة يشكل اختباراً جدياً، ليس للولايات المتحدة فحسب، بل لفعالية مجموعة مينسك لتسوية الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، بعد عجزها عن وقف المعارك الحالية، وعدم قدرتها طوال أكثر من 25 عاماً على حلّ ثلاث قضايا تتعلق بوضع إقليم ناغورنو كاراباخ الذي أشعل المعارك الحالية، وإمكانية إنشاء ممر لوصله مع الأراضي الأرمينية عبر عملية تبادل أراض. فهناك قضية انسحاب أرمينيا من 6 مناطق أذربيجانية احتلتها نتيجة الحرب منذ 1994، وتعتبرها منطقة عازلة لمنع أذربيجان من التقدم نحو هذه المرتفعات، مع الإشارة إلى أن يريفان لم ترسل أي سكان للعيش في هذه المناطق المحتلة سواءً من أرمينيا أو من سكان الإقليم المتنازع عليه، ما يكشف أنها تحتفظ بها لتقوية موقفها التفاوضي في حال أجبرت على ذلك، ويمنحها الوقت للتحضير لأي هجوم أذربيجاني متوقع. أما القضية الثانية، فهي عودة نحو مليون نازح أذربيجاني هُجّروا من المناطق المحتلة، يضاف إليها مصير الأقلية الأذربيجانية التي عاشت قبل 1990 في ناغورنو كاراباخ ذاتها.

"أستانة جديدة" بشأن كاراباخ

وينتظر أن يحمل الأسبوع الحالي فرصة ربما تكون الأخيرة لمجموعة مينسك (فرنسا وروسيا والولايات المتحدة)، للمحافظة على دورها كمفتاح لتسوية الأوضاع بين أرمينيا وأذربيجان. فمن المنتظر أن ترعى محادثات في جنيف مع طرفي الصراع، للوصول إلى توقف المعارك، واستئناف المفاوضات لتسوية القضايا العالقة منذ ربع قرن.

ويفتح عجز مجموعة مينسك، المعترف بها دولياً، في حلّ الصراع، على التأسيس لمجموعة "أستانة جديدة"، نسبة إلى لقاءات مسار أستانة السوري التي تضم روسيا وإيران وتركيا، وذلك لتسوية النزاع التاريخي، ومنع انتشار الحرائق، بالاستفادة من تنسيق الأطراف الثلاثة في الموضوع السوري. ومن غير المستبعد أن يتحول التنسيق الثلاثي الجديد إلى الشكل الأكثر فعالية للتسوية، مقابل تراجع دور مجموعة مينسك، الذي ظلّ شكلياً، ولم يثبت فاعليته.

وعلى الرغم من اعتراض أرمينيا على أي دور لتركيا في تسوية الصراع، واتهامها أنقرة بالقتال إلى جانب أذربيجان وجذب مقاتلين من سورية وليبيا إلى ساحة المعركة، لا تبدي روسيا امتعاضاً كبيراً من مشاركة تركيا في التسوية، انطلاقاً من أنها أقل ضرراً من أن يزداد نفوذ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في منطقة القوقاز. ولا تخشى موسكو من توسع تركيا في المنطقة، فالرئيس فلاديمير بوتين قال في تصريحاته الأخيرة في منتدى فالداي منذ أيام إن بلاده لا علم لها بوجود طموح لدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتوسيع النفوذ التركي لحدود الإمبراطورية العثمانية السابقة، وأكد أن "مواقف روسيا وتركيا لا تتطابق بشأن الوضع في جنوب القوقاز، فنحن نؤيد التسوية السياسية، لكن روسيا لا تخشى الخلافات مع تركيا، وحيث لا تتطابق المواقف والمقاربات، يجب البحث عن حل وسط". ومن الواضح أن إخراج الولايات المتحدة من الصراعات الإقليمية أكثر أهمية بالنسبة لروسيا من منع تقوية القوى الإقليمية الأخرى فيها، فالقدرة على حلّ القضايا من دون مشاركة الأميركيين في كل مكان، ذات قيمة إضافية بالنسبة لموسكو. في المقابل، تبدي تركيا موقفاً "متسامحاً" مع روسيا في الصراعات التي تعتبرها مهمة لها، مثل ليبيا وسورية. ولعل ما يوحد بوتين وأردوغان هو معارضتهما المشتركة لضغوط الغرب، وأنهما ينطلقان من أن الغرب يقف عائقاً أمام زيادة دورهما في الشؤون العالمية.

لم تنجح مجموعة مينسك طوال عقود في حلّ قضية احتلال أرمينيا لستّ مناطق أذربيجانية أو عودة المهجرين إليه

ومن اللافت أيضاً أن إيران، وعلى عكس المرات السابقة، لم تدعم أرمينيا في شكل حازم، ودعت إلى تسوية سياسية. ومعلوم أن أردوغان أكد أكثر من مرة على أن لبلاده الحق بالمشاركة في تسوية النزاع في إقليم كاراباخ مثل روسيا. ومنذ بداية الأزمة، أعلنت تركيا بوضوح وقوفها مع أذربيجان ضد أرمينيا، وأكدت أنها مستعدة لأي دعم من أجل استعادة الأراضي الأذربيجانية.

تقدم محدود يكسر الجمود

ومنذ بداية المعارك في 27 سبتمبر/ أيلول الماضي، أعلنت أذربيجان أنها تمكنت من تحرير مدن جبرائيل وفضولي وزنغيلان و3 بلدات، وأكثر من 130 قرية، وعدد من المرتفعات الاستراتيجية. ومن الواضح أن أذربيجان تتفوق عسكرياً وتتقدم، لكن في شكل محدود، ما قد يعرضها لضغوط من أجل وقف المعارك، لمنع تطورها إلى حرب أوسع. كما يبدو أن باكو حققت هدفاً مهماً، وهو كسر حال الجمود المسيطرة على التسوية السياسية، وإعادة الاعتبار لضرورة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بانسحاب أرمينيا من أراضيها المحتلة المحيطة بإقليم كاراباخ، وتمكنت من استنفار مجموعة مينسك، وفتحت الباب أمام إمكانية مشاركة حليفتها تركيا، في رسم تسوية مستقبلية عبر التنسيق مع روسيا وإيران.

ومن المؤكد أن استمرار المعارك ليس رهناً فقط بالأطراف الدولية الفاعلة، بل بعوامل داخلية في البلدين، منها قدرة كل منهما على الاستمرار في حرب استنزاف طويلة الأجل، مع محدودية العدة والعتاد في جيشيهما الصغيرين نسبياً، رغم الفارق الواضح في تفوق أذربيجان. كما أن قيادتي البلدين مدعومتان بإجماع شعبي في كل منهما لمواصلة الحرب حتى النهاية، لكن ارتفاع عدد الضحايا والخسائر والتأثيرات الاقتصادية يمكن أن تضعف خطاب الحرب المعتمد على شعارات قومية أساساً، وهذه الأسباب تحتم على يريفان، وباكو بدرجة أقل، التجاوب في الفترة المقبلة مع الطروحات السياسية للتسوية.

الموقف الروسي

منذ بداية المعارك، دعت روسيا إلى التهدئة، وشددت على أن الحل العسكري غير مقبول للصراع، ونجحت في جمع الطرفين في محادثات ماراثونية أفضت إلى أول هدنة إنسانية لم يتم احترامها، لكنها واصلت العمل مع باكو ويريفان والأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة لوقف المعارك والانتقال إلى مفاوضات للتسوية السياسية. وتواصل روسيا الجهود المشتركة مع مجموعة مينسك، رغم قناعتها بأنها الطرف الأكثر قدرة على وقف إطلاق النار وجمع الطرفين إلى التفاوض. 

ومنذ بداية الأزمة، سعت روسيا إلى أداء دور متوازن بين الطرفين. ومن الواضح أن عدم رد أذربيجان على ضربات أرمينية عدة موجهة في العمق طاولت ثاني أكبر مدينة، كنجة، وأوقعت خسائر بشرية، خفّف من حرج موسكو المرتبطة بمعاهدة للأمن المشترك مع أرمينيا، تتعهد بمقتضاها بالدفاع عنها في حال تعرضها لأي هجوم. وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الجمعة الماضي، إن "لا أحد مهتماً بأزمة ناغورنو كاراباخ مثل روسيا... نحن في موقع نتمتع فيه بثقة كلا الطرفين، ويسمح لنا بلعب دور ملموس كوسيط لحل المسألة من أجل تقريب وجهات النظر. نتمنى الوصول إلى حلّ وسط". وأضاف بوتين، في موقف لافت خلال مؤتمر فالداي، أن "الوضع الذي يكون فيه جزء كبير من أراضي أذربيجان ضائعاً، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد".

ومن الواضح أن عدم إسراع موسكو إلى مساندة أرمينيا بشكل كبير، يعود إلى علاقاتها المميزة مع أذربيجان وتركيا. فأذربيجان على عكس باقي الجمهوريات السوفييتية، لم تطرح منذ استقلالها قبل 30 عاماً شعارات معادية لروسيا. وعلى الرغم من تنوع علاقاتها مع الغرب وتركيا، لم تتجاوز باكو خطوط موسكو الحمراء، واحتفظت بعلاقة قوية مع النخب الروسية. في المقابل، لا تتفق روسيا مع قيادة أرمينيا الجديدة، خصوصاً أنها جاءت بعد "ثورة ملونة"، ولعل الأهم أنها واثقة أن أي قيادة في أرمينيا لن تستطيع الابتعاد عنها. ولهذا فإن موسكو ربما ارتأت أنه في مقابل مساعدتها أرمينيا لتحقيق "النصر" في تسعينيات القرن الماضي، تريد إجبار يريفان على إنهاء الجمود والدخول في تسوية حقيقية، وحينها يمكن أن تتباهى موسكو بأنها ساهمت في إحلال شكل من السلام في واحد من أقدم الصراعات في العالم بعد القضية الفلسطينية.

المساهمون