ليبيا: هل تدفع القوى الإقليمية نحو مسار اقتصادي للحل يستثني تركيا؟

هل تدفع القوى الإقليمية نحو مسار اقتصادي لحلحلة الأزمة الليبية يستثني تركيا؟

12 ديسمبر 2020
مساعٍ لتوحيد فرعي البنك المركزي الليبي للسيطرة على صراع النفط (Getty)
+ الخط -

تتواصل خطوات وخطابات التوتر والتصعيد العسكري في ليبيا، مقابل تراجع نشاط البحث عن حلول سياسية، في وقت عادت فيه إلى الواجهة جهود البحث عن حلول بعيدا عن المسارين السياسي والعسكري، وتحديدا في المسار الاقتصادي. 

وعلى المستوى الأمني والعسكري، تستعد الحكومة التركية وحكومة الوفاق لتمديد الاتفاقات الموقعة بينهما، العام الماضي، فيما ربط مراقبون ليبيون الهدوء النسبي الذي شهدته البلاد خلال الأسابيع السابقة بالهدوء الحاصل في ساحة شرق المتوسط التي تتصارع فيها أطراف إقليمية على صلة بالملف الليبي.

ورغم دعوة البعثة الأممية في ليبيا أعضاء ملتقى الحوار السياسي لعقد جولات جديدة من أجل التوصل إلى توافق حول آلية من الآليات المقترحة لاختيار شاغلي السلطة التنفيذية الجديدة، الخميس الماضي، إلا أنها عادت وأعلنت، مساء أمس الجمعة، عن عزمها مشاورة الأعضاء "الذين تعذّر عليهم المشاركة في هذا الاجتماع لاستبيان آرائهم بشأن الطريقة الأنسب والأكثر توافقية لاختيار آلية لاختيار السلطة التنفيذية بحيث ننتقل للخطوة التالية في تنفيذ خارطة الطريق"، في وقت كشفت فيه مصادر ليبية مقربة من أعضاء الملتقى غياب عدد من الأعضاء عن الجلسة الافتراضية، الخميس، ما أفشل قدرة الأعضاء على التوصل إلى تفاهم حول إحدى الآليات. 

وقالت المصادر، التي تحدثت لــ"العربي الجديد"، إن كواليس الملتقى تشهد ضغوطا كبيرة من عدة أطراف من أجل تمرير مقترحات مختلفة تصب في مصلحتها، كل على حدة، وتتوافق مع طموح شخصيات سياسية حالية ترغب في البقاء في المشهد المقبل ضمن مناصب السلطة الجديدة، مقابل رفض أطراف أخرى استمرار وجود الشخصيات السياسية الحالية في المشهد. 

وفي حين تتطابق معلومات المصادر ذاتها حول عدم قدرة الملتقى على التوافق قريبا، يرى الباحث السياسي الليبي بلقاسم كشادة، أن التعقيد الذي تشهده مسالك الحوارات الليبية، على صلة بالتصعيد العسكري والتوتر الحاصل حاليا في مناطق التماس الليبية، وهو مقترن أيضا بما يجري بين أطراف إقليمية ودولية في شرق المتوسط

وفي الأثناء، ذكرت وكالة الأناضول التركية أن الرئاسة التركية قدمت مذكرة للبرلمان، اليوم السبت، من أجل تمديد مهام القوات التركية في ليبيا لمدة 18 شهرا إضافية، في وقت ينتظر فيه وصول رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج صحبة عدد من مستشاريه إلى أنقرة، في زيارة غير معلنة، لبحث ملفات مشتركة بين حكومته والحكومة التركية، بحسب مصادر حكومية من طرابلس، قالت إن الزيارة على صلة بتمديد الاتفاق الأمني الموقع بين الحكومتين. 

الرئاسة التركية قدمت مذكرة للبرلمان، اليوم السبت، من أجل تمديد مهام القوات التركية في ليبيا لمدة 18 شهرا إضافية

ووقعت حكومة الوفاق والحكومة التركية، في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، اتفاقين؛ الأول أمني يهدف لدعم تركيا لقوات حكومة الوفاق، والثاني بحري على صلة بالحدود المائية للبلدين في البحر المتوسط، تسبب في جدل متوسطي واسع منذ الإعلان عنه. وتؤكد المصادر أن إجراء التمديد سيتوقف على الاتفاق الأمني ولن يتم خلاله التطرق للاتفاق البحري، ما يعتبره كشادة، في حديثه لــ"العربي الجديد"، خطوة تتوفر على الكثير من الدبلوماسية التركية التي تؤكد استمرار إصرارها في المضي في تنفيذ استراتيجياتها من جانب، ولكنها لا ترغب في استفزاز المواقف الأوروبية الساخنة. 

وأقر الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على تركيا. ورغم أن الجانب التركي قلل من شأنها، يرى كشادة أن التوتر الإقليمي لا يزال قائما، وظلاله بادية في مواقف وتصريحات قادة الأطراف الليبية المسلحة. وبينما لا يرجح كشادة ارتفاع مستوى التصعيد العسكري في ليبيا لدرجة الصدام المسلح، لكنه يرجح أن البيانات والتصريحات من جانب الطرفين ستزداد حدة وعنفا خلال الفترة المقبلة. 

وجدد وزير الدفاع بحكومة الوفاق، صلاح الدين النمروش، تهديده بالانسحاب من اللجنة العسكرية التي شكلتها الأمم المتحدة "إذا استمرت خروقات حفتر لوقف إطلاق النار"، مؤكدا استعداد حكومة الوفاق لــ"خوض معركة" ضد حفتر اذا انهار اتفاق وقف إطلاق النار. 

وأكد النمروش، في تصريحات نشرتها عملية بركان الغضب التابعة لحكومة الوفاق على صفحتها الرسمية، رفض حكومته لــ"صفقة من شأنها أن تشمل حفتر باعتباره مجرم حرب ولن يتم التوصل إلى اتفاق سياسي مستقبلي معه"، متهما فرنسا بدعم حفتر. 

وقال، في تصريحات لتلفزيون "فرانس 24"، ليل البارحة الجمعة، "من العار أن تدعم فرنسا حفتر لسنوات ونأمل أن يتغير ذلك الموقف"، مشددا على أن الشراكة بين حكومته والحكومة التركية "واضحة وعلنية، في حين أن الترتيبات بين حفتر وداعميه الأجانب تتم سرا". 

وبحسب النمروش، فإن تقارير لدى حكومته تؤكد تسرب "مسلحين على هيئة مدنيين" إلى مناطق قريبة من العاصمة طرابلس. 

لكن في المقابل، يبدو أن التحشيد العسكري من جانب قوات الحكومة مستمر أيضًا، إذ عبّر المتحدث الرسمي باسم القوة الوطنية المشتركة التابعة لحكومة الوفاق، سليم قشوط، عن سعادته لاكتمال وصول سرب طائرات تركية F16 إلى الأراضي الليبية. 

وقال: "الحمد لله اكتمال تواجد سرب كامل من طائرات f16 وعددها 12 طائرة على الأراضي الليبية"، مضيفا: "مقرر استهداف عدد من المواقع العسكرية أبعد من عمق سرت-الجفرة وتصل حتى الحدود الليبية شرق البلاد"، بل قال "الآن مصر بين مفترق الطرق مع عدم رغبة فرنسا بمواجهه تركيا عسكريا في وجود منظومة التشويش التركية"، بحسب قوله. 

ويبدو أن الساحات الخلفية لخطوط التوتر العسكري والأمني في ليبيا لا تزال تعيش حالة صراع حول المناصب، إذ يستمر الجدل في طرابلس حول قرار وزارة الداخلية بشأن منع محافظ البنك المركزي الصديق الكبير، من السفر، وهو القرار الذي لقي معارضة كبيرة من جانب إدارة البنك المركزي بطرابلس، ومطالبة مكتب النائب العام بالتحقيق فيه، مقابل إصرار وزارة الداخلية على صحة قرارها وقانونيته، في وقت أعلنت فيه وزارة الخارجية عن بدء إصدار "نسخة جديدة" من الجوازات الدبلوماسية الخاصة بكبار المسؤولين، في إشارة لتشديد الإجراءات المتعلقة بمنع سفر مسؤولين كبار. 

ويأتي قرار منع الكبير من السفر وسط جهود لتوحيد فرعي البنك المركزي، برعاية أممية ودولية، تبدأ بالتوافق على تحديد سعر الدينار الليبي، وقد اتهم بيان الصديق الكبير شخصيات بحكومة الوفاق بالسعي لعرقلته. لكن كشادة يرى أن الاجراءات الجديدة تأتي في أتون صراع مكتوم يهدف إلى إقصاء الكبير من منصبه بهدف السيطرة على موارد النفط التي دار جدل بشأنها، الأسابيع الماضية، بين رئيس مؤسسة النفط ومحافظ البنك المركزي، على خلفية قيام الأول بتجميدها في حسابات البنك الليبي الخارجي ومنع تدفقها لحسابات البنك المركزي. 

وبحسب معلومات كشادة، فإن الصراعات حادة في كواليس الحكومة في طرابلس بهدف التموضع في مراكز ومفاصل الدولة المهمة حتى تضمن بعض الشخصيات استمرار وجودها في المشهد المقبل، ويشير إلى أن السراج يحاول الاحتفاظ بكل الخيوط التي تربطه بكل الأطراف، سواء أكان إزاء علاقته مع تركيا أم ملف النفط المهم بالنسبة لكل الأطراف المتصارعة في البلاد. 

ولذا لا يرجح كشادة أن تنتهي أعمال ملتقى الحوار السياسي إلى إنتاج طبقة سياسية جديدة، "وعلى الأكثر ستعيد تدوير الوضع الحالي بحسب خارطة مصالح إقليمية ودولية جديدة قد تنتج عن الصراعات حول ملف الطاقة في البحر المتوسط". 

ويشير كشادة إلى انتقال المشهد العسكري والسياسي لمدينة سرت، ويقول: "لا أعتقد أنه من الصدفة أن تتوقف الحرب في سرت وتتحول المدينة لموقغ للمفاوضات العسكرية، ومقرا مقترحا للسلطة الجديدة، وهي المدينة التي تشرف على خليج غني بالغاز وتتصل حدوده المائية جغرافيا عبر الجرف القاري بمناطق شرق المتوسط محل الصراع الحالي". 

وقريبا من تحليل كشادة، يرى الباحث الليبي في الشؤون الأمنية، الصيد عبد الحفيظ، أن حالة الجمود التي تعيشها أعمال الملتقى على صلة بالأوضاع العسكرية المتحركة في ليبيا، والمتزامنة مع التصعيد التركي من جانب والأوروبي المصري من جانب آخر، مشيرا إلى أن انجراف المنطقة لأتون حرب جديدة "أمر ممكن بل ومرجح أيضا". 

ويرى عبد الحفيظ، في حديثه لــ"العربي الجديد"، أن من مؤشرات ذلك، مخاوف وزير الخارجية بحكومة الوفاق محمد سيالة، خلال تصريحاته أثناء لقائه بنظيره التركي مولود جاووش أوغلو في أنطاليا مؤخرا، من انجرار الأوضاع في المتوسط إلى صدامات واشتباكات، مقرا بأن التطورات على صلة بالاتفاق البحري الموقع بين حكومتي طرابلس وأنقرة، ما يعني صلة التوتر الليبي بالتوتر في المتوسط بين أطراف كبرى. 

ويعزو عبد الحفيظ أسباب عودة التوتر إلى أنها محاولة من كل الأطراف لاستغلال تراجع النشاط الأميركي في المنطقة قبل ترتيب البيت الأبيض لأوراق إدارته الجديدة، ويقول "سيكون أي مستجد في المنطقة بمثابة أمر واقع سيجبر البيت الأبيض على التعامل معه خصوصا، وهذا لا يتعلق بالجانب الأوروبي وتركيا فقط، بل بموسكو التي تمتلك وجودا عسكريا قويا في ليبيا".

أما الناشط السياسي الليبي مالك هراسة، فيرى أن شكل التحولات التي فرضتها متغيرات شرق المتوسط وصراع أقطاب الأزمة الليبية فرض على البعثة الأممية تعبيد طريق جديد، يرى أن اللجوء إليه بمثابة اعتراف بأساس الخلافات. 

ويوضح هراسة، في حديثه لــ"العربي الجديد"، أن الطريق الجديد يتمثل في العودة للملف الاقتصادي في طاولة الحوارات الإقليمية الدولية بشأن ليبيا. 

وكانت المتحدثة باسم الأمم المتحدة أليساندرا فيلوتشي، قالت، أمس الجمعة، إن مدينة جنيف السويسرية ستستضيف، يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين، اجتماعا لمجموعة العمل الاقتصادي بشأن ليبيا، بمشاركة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومصر، برعاية البعثة الأممية في ليبيا، وممثلين للمؤسسات الليبية الكبرى، دون تحديدها. 

ويلفت هراسة إلى أن إبراز الملف الاقتصادي جاء بعد تراجع البعثة الأممية في الملفات السياسية والعسكرية، وذلك بهدف حلحلة الخلافات الحاصلة في كواليس السلطة الحالية في ليبيا، ولفرض مقترحات سابقة من جانب البعثة بشأن تنفيذ إصلاحات اقتصادية، من بينها إعادة هيكلة مؤسسات كبيرة، منها البنك المركزي، وتوحيد فرعيه، في طرابلس والبيضاء شرق البلاد، معتبرا أنها "خطوة للسيطرة على الصراع حول واردات النفط وانتزاع ملف النفط من أيدي شخصيات ترغب في استثماره لمصالحها وللبقاء في المشهد السياسي المقبل". 

وأكد أن "البعثة تسعى لتطويق الخلافات وقطع طريق عدة أطراف إقليمية على صلة بتلك الخلافات تمهيدا للعودة لمسارات العمل السياسي والعسكري"، معتبرا أن خطوة الحكومة التركية لتمديد عمل قواتها في تركيا تأتي كرد ضمني على استبعادها من المشاركة في هذا اللقاء مقابل مشاركة خصومها، "وبالتالي فحلحلة الأزمة العميقة في ليبيا لا يزال طريقها طويلا، ولا سيما أنه بات يتضح كل يوم أن إدارة البعثة الأممية للأزمة في ليبيا لا تشير إلى حيادها"، متسائلا: "أين تمثيل أنقرة وموسكو في مثل هذا اللقاء الدولي، والبعثة لا تستطيع إنكار أنهما طرفان أساسيان في ليبيا ومصالحهما الاقتصادية كبيرة في البلاد"؟