عبد الرزاق مقري: هذه أسباب التصويت بـ"لا" على الدستور

27 أكتوبر 2020
الصورة
مقري: هناك استهداف شخصي لي لمنعي من الكلام (العربي الجديد)
+ الخط -

يشرح رئيس حركة "مجتمع السلم"، وهي أكبر الأحزاب الإسلامية المعارضة في الجزائر، في مقابلة مع "العربي الجديد"، مبررات قرار الحركة التصويت ضد الدستور المطروح للاستفتاء في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، ويشير إلى تداعيات هذا الموقف على الحركة التي تتعرض لتضييق سياسي من قبل السلطة. ويكشف مقري أنه بات أيضاً كرئيس للحركة مستهدفاً بهذا التضييق، معتبراً أنّ السلطة "واهمة" في حال اعتقدت أنه يمكنها العودة بالجزائر إلى ما قبل 22 فبراير/ شباط 2019، عند اندلاع الحراك الشعبي في البلاد.

لماذا قررتم في الحركة التصويت على الدستور بـ"لا"، على الرغم من أنه يحقق، بحسب السلطة، حداً أدنى من مطالب الحراك الشعبي؟

قررنا التصويت بـ"لا" بعد دراسات مستفيضة شارك فيها متخصصون، ونظمنا بشأنها ندوات عدة، وكذلك بعد استشارات موسعة داخل هياكلنا وخارجها على مستوى كل الولايات. حددنا معايير علمية وواقعية للحكم على مشروع تعديل الدستور، منها: رؤيتنا الإصلاحية، مطالب الحراك الشعبي، تعهدات الرئيس عبد المجيد تبون أثناء حملته الانتخابية، الدساتير في دول أخرى، خصوصاً التي نجحت في التحول الديمقراطي، القواعد الدستورية الدولية الضامنة للديمقراطية، مصادر التشريع الإسلامي، وأهداف بيان الأول من نوفمبر (الوثيقة الأولى التي أعلنت عن اندلاع الثورة ضد الاحتلال الفرنسي عام 1954).

للأسف الشديد، الوثيقة الدستورية المعروضة للاستفتاء لم تكن توافقية، ولم يحدث بشأنها حوار مع الأحزاب والمنظمات، بل تلقّت لجنة تعديل الدستور اقتراحات الأطراف المختلفة وفعلت في النهاية ما تريد، علماً أنه كان هناك اعتراض واسع في المجتمع الجزائري على اللجنة ذاتها بسبب اختلال تشكيلتها وتصريحات رئيسها (أحمد لعرابة)، التي أظهرت تحيزه الأيديولوجي. وفي النهاية خرج المشروع المعروض على الاستفتاء مخالفاً لكل المعايير التي وضعناها، ولعلّ أكبر عيوبه استمرار النظام السياسي الهجين الذي أسس له الرئيس السابق (عبد العزيز بوتفليقة)، بل ازداد هذا النظام غموضاً في الدستور الأخير، إذ لا هو نظام رئاسي ولا شبه رئاسي ولا برلماني، بل نظام يجعل رئيس الجمهورية فوق المساءلة بصلاحيات ضخمة تفقد التوازن المنشود بين السلطات، وتجعل السلطة التنفيذية مسيطرة على كل السلطات. فالمجلس الأعلى للقضاء يغلب عليه التعيين، وكذلك المحكمة الدستورية، والحريات الممنوحة في الدستور مقيدة بمرجعية القوانين والتعسف الإداري كما كان من قبل، إضافة إلى مادة خطيرة هي المادة 67 التي تجعل الجزائريين غير متساوين صراحة في تقلد المناصب العليا للدولة المتعلقة بالسيادة والأمن. هذا فضلاً عن تراجع كبير في استقلالية الهيئة الوطنية المستقلة لتنظيم الانتخابات، التي صارت في المشروع المعروض للاستفتاء كلها بالتعيين. ومن أخطر ما ورد في هذا المشروع التهديدات الكبيرة للهوية الوطنية في مجالات المنظومة التربوية والأسرة والمساجد والمسألة اللغوية، بما جعل جبهة الاعتراض تتسع إلى حد غير مسبوق حتى عند الذين ساندوا الرئيس في الانتخابات الرئاسية السابقة. 

الوثيقة الدستورية المعروضة للاستفتاء لم تكن توافقية، ولم يحدث بشأنها حوار مع الأحزاب والمنظمات

مع موقفكم الرافض للدستور، تتطور خصومة الحركة مع السلطة، وقد تمّ منعكم من تنظيم لقاءات وتجمعات بشأن الدستور. إلى أين يمكن أن تصل هذه الخصومة؟ وهل تعتبرون أنّ الحركة باتت مستهدفة، أم أنك أنت المستهدف سياسياً بسبب مواقفك؟

صحيح، نحن نشعر بأنّ النظام السياسي يتصرف بعصبية كبيرة، وليست له القدرة على تحمل الرأي المخالف. كل طلبات تنظيم التجمعات التي تقدمنا بها في مختلف الولايات رفض الترخيص لها، والظهور في الفضائيات التي تم التحكم فيها، يكاد يكون حصرياً لداعمي الدستور، الذين ينتمون للقوى نفسها التي صوتت على دستور بوتفليقة عام 2016، والأغلبية الساحقة منهم من مناصري العهد البوتفليقي.

إذا كان موقفنا الرافض للدستور يتسبب في خصومة مع النظام السياسي، فكان عليهم أن يقرروا وضع ورقة واحدة في صناديق الاقتراع هي ورقة "نعم" ويستريحوا. بل سمعنا فعلاً أنّ هناك استهدافاً شخصياً لي لمنعي من الكلام وعدم الترخيص لأي تجمع أشارك فيه. هذا يدل على وجود خوف شديد من الخطاب الوطني المقنع والواقعي والعلمي والمنطقي. وفي حقيقة الحال، فإنّ خصومة النظام السياسي هي مع الشعب الجزائري. مشكلة النظام السياسي كبيرة مع جبهة عريضة من الجزائريين، وما نحن إلا جزء من الجزائريين المصرّين على التغيير والإصلاح الحقيقي، وقدرتنا على الصمود والمقاومة كبيرة، ونحن متفائلون كثيراً ومتسلحون بثقتنا بالله وبالشعب الجزائري وبالمستقبل.


نحن نشعر بأنّ النظام السياسي يتصرف بعصبية كبيرة

فهم قرار الرئيس عبد المجيد تبون، بتعيين قيادي من حركة "مجتمع السلم" وزيراً في الحكومة من دون استشارتكم، على أنه استفزاز للحركة وتحرش سياسي، هل قدم وزير العمل والضمان والاجتماعي، الهاشمي جعبوب، أي مبررات لكم بشأن تعيينه، وهل صحيح أنه لم يستشر هو أيضاً في قرار تعيينه؟

ربما قصدوا إرباكنا، فانقلب السحر على الساحر، إذ زادنا ذلك تماسكاً داخلياً عظيماً، وتعاطفاً شعبياً واسعاً. ونحن، كما أعلنّا من اللحظة الأولى، لم يتم إطلاعنا على الأمر لا من المعيَّن ولا من الذي عيّنه، ولم يتم تقديم أي تبرير لنا، وقد تعاملنا مع الموضوع وفق لوائحنا وأخلاقنا.

إضافة إلى حركة "مجتمع السلم"، هناك منع لنشاط أحزاب أخرى معارضة، كيف يُمكن فهم سلوك السلطة إزاء القوى المخالفة لتوجهاتها؟

نعم، الساحة السياسية تعيش حالة غير مسبوقة من التضييق. إذ لم يحدث من قبل التضييق على الإعلام كما يحدث الآن، وعمليات ملاحقة النشطاء لا تتوقف، ولم يحدث أن كان هناك منع للتجمعات كما نرى اليوم، وذلك بذرائع واهية أو بدون ذرائع، وحتى بدون جواب على طلبات التجمع أصلاً. وأرى أنّ سبب عصبية النظام السياسي وسلوك التضييق علينا وعلى غيرنا، هو بسبب ضعفه وعدم ثقته بنفسه. هو يواجه مشاكل عديدة تجعله غير قادر على السيطرة على الوضع. كان الحكام سابقاً ينتمون إلى جيل الثورة التحريرية، وعليه كان يُنظر إليهم من قبل الكثير من الجزائريين بنوع من الاحترام غطى على الكثير من حالات الإخفاق والفساد في المراحل السابقة، وهذا الأمر انتهى عهده ولم يعد متاحاً.

النظام السياسي يعاني اليوم من أزمة اقتصادية عميقة بسبب انقطاع الريع والاختلال المستدام للمؤشرات الاقتصادية التي بدأت تتجه نحو انقطاع السيولة، وعدم القدرة على التحكم في ميزانية التسيير (نفقات التسيير) والتوقف شبه التام لميزانيات التجهيز، كما ورد في مختلف التقارير الرسمية، ومنها مشروع قانون المالية الأخير، ما جعل المشاريع التنموية تتوقف، وهو ما ينتج عنه اتساع نسبة البطالة، وارتفاع نسب التضخم، وتدني مستويات المعيشة والخدمات، خصوصاً مع عدم توفر رؤية اقتصادية وحكم رشيد، وبيئة حريات وبيئة أعمال مناسبة للتوجه نحو اقتصاد بديل للريع، يعتمد على العمل والإبداع والتنافس الحر وعدم العودة لآفة الفساد.

علاوة على ذلك، يواجه النظام السياسي شعباً غير قابل للعودة إلى زمن السيطرة وغلق الحريات وهيمنة شبكات الفساد والمبجلين والانتهازيين وغير ذلك. ويواجه كذلك أحزاباً ونخباً حرة، مصرة وقادرة على المقاومة. وحتى محاولاته للتضييق على حرية التعبير بالسيطرة على الصحف والفضائيات، ومنع التجمعات وملاحقة النشطاء غير مجدية، لأنّ العالم صار مفتوحاً، وعدد النشطاء كبير جداً، وقدرات الأجيال الجديدة على التحكم في وسائل الاتصال غير محدودة. وبالإضافة إلى كل هذا، لم تصبح للنظام السياسي بعد قاعدة حزبية قوية تثق في نفسها ويقابل بها الجمهور. فمحاولات تشكيل شبكات مجتمع مدني وهمية، لم تعوض له المنظمات الكبرى التي تهاوت مع الحراك الشعبي، بل ستكون عبئاً عليه كما حصل من قبل.


الساحة السياسية تعيش حالة غير مسبوقة من التضييق

يفهم من خلال تصريحاتكم أنّ مسودة الدستور ليست جزائرية خالصة، هل تعتقدون أنّ أطرافاً خارجية لها دور في صياغة الدستور أو على الأقل وضع التوجيهات الكبرى بشأنه ليكون بهذه الصيغة؟

التأثير الخارجي في المسودة ملموس، ومما بيّن ذلك ما ورد فيها من مبالغة في تثبيت مرجعيات المعاهدات الدولية من دون أي تحفظ، بما ينخر أسس المجتمع الجزائري. وعلى الرغم من التراجع عن جزء من ذلك بسبب الهبة الشعبية الكبيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والإجماع ضدّ المقترحات المقدمة في هذا الشأن، بقيت المرجعية الدولية حاضرة، مع رفض تثبيت مرجعية بيان الأول من نوفمبر ومبادئ الشريعة الإسلامية، كمرجعيات أساسية للدولة وللتشريع. وعلى كل حال، فإنّ تأثّر المشروع بالبعد الخارجي عبّر عنه أحد المتحدثين الرسميين صراحة.

إذا عدنا إلى لقائكم مع الرئيس عبد المجيد تبون بعد انتخابه، هل حصلتم خلال اللقاء على أي تعهدات أو التزامات منه، قدرتم لاحقاً أنّ الرئيس أخلّ بها أو ابتعد عن حدودها؟

لا، لم تكن هناك التزامات محددة، بل لاحظنا وجود شيء من التطابق في وجهات النظر. ولكن للأسف الشديد، لم يحدث بعد ذلك حوار مع القوى السياسية يجسد ذلك التطابق، ويحقق التوافق المنشود والموعود به، بل سيطرت لجنة تعديل الدستور ومَن وراءها على مجريات إعداد الوثيقة الدستورية كما شاءت، ومن خلال توجهاتها السياسية والأيديولوجية، من دون أي اعتبار لحالة الرفض الشعبي الواسع لها ولما قامت به.

هل تعتبرون أنّ الجيش بشكل أو بآخر له يد في مضمون مسودة الدستور، وفي إدارة السلطة السياسية في الوقت الحالي؟

ليست لدينا معلومات دقيقة بشأن ذلك، ولكن نحن نعرف البلد الذي نعيش فيه.

الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا يسمح بالتلاعب بإرادة الجزائريين

ما هو تقديركم الأولي لنتائج الاستفتاء، وهل تعتقدون أنّ السلطة ستلجأ إلى أي شكل من أشكال التلاعب بالنتائج كما جرى في الاستحقاقات السابقة؟
بحال كانت نسبة المشاركة الحقيقية عالية، وترك الأمر بين الجزائريين والدستور، لا يمكن لهذا الأخير أن يمرّ. ولكن حالة التضييق التي نعيشها تبيّن أين نتجه. ولذلك نصرّ على دعوة الرافضين للدستور إلى ألا يكتفوا بالبقاء في بيوتهم، يجب ملء الصناديق بأوراق "لا". وحتى وإن تم تزوير الانتخابات، سيعرف أصحاب القرار الموقف الحقيقي للشعب الجزائري، فيحسبون حساب غضبته ولعلهم عندئذ يستدركون. ونحن على الرغم من إصرارنا على المقاومة، على كامل الاستعداد مع غيرنا من المقاومين، للجلوس من أجل الحوار والتوافق بما يحقق مصلحة الجزائر، ويجسّد الإرادة الشعبية الفعلية ويحفظ البلاد من المخاطر التي تهددها. وليقتنع النظام السياسي بأنّ أسلوب الهيمنة والفوقية لا ينفع، يجب الذهاب إلى الصناديق للتصويت بـ"لا"، لأنّ في هذه المدافعة السلمية خير كبير لتصحيح المسار. وفي كل الأحوال، الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا يسمح بالتلاعب بإرادة الجزائريين. الكلفة ستكون كبيرة جداً، والتزوير لن يكون في صالح النظام السياسي، بل سيعطي حجة أكبر للقوى الرافضة للأمر الواقع بكل اتجاهاتها، خصوصاً التيار الوطني الثوابتي الواسع.

هناك الكثير من الأحزاب والقوى الرافضة للدستور، لماذا لم يحدث أي تنسيق بينها لتوحيد آلية للتعبئة ضدّ الدستور؟

في حقيقة الأمر يوجد تنسيق سياسي، وهناك اتصال حثيث بين القوى المصممة على التصويت بـ"لا"، ونحن جزء من هذه الاتصالات.

عبد الرزاق مقري

يعدّ عبد الرزاق مقري (60 عاماً)، أحد أبرز قيادات التيار الإسلامي في الجزائر في العقد الأخير، فقد انخرط في العمل والنشاط الإسلامي مبكراً، وناضل في صفوف حركة "مجتمع السلم" منذ تأسيسها عام 1990. نجح في الانتخابات النيابية ثلاث مرات متتالية بين عامي 1997 و2007. كان من بين المشاركين في سفينة مرمرة المتجهة إلى غزة عام 2010 والتي شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي البحرية هجوماً عليها أدى لوقوع ضحايا بين الذين كانوا على متنها. تعرف عنه معارضته السلطة، إذ كان يقود تياراً معارضاً الشراكة مع السلطة داخل حركة "مجتمع السلم". وفي عام 2012، نجح في الوصول إلى رئاسة الحركة التي تعد من أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر، وقادها مباشرة إلى صف المعارضة. أصدر سلسلة من الكتب في الفكر السياسي، ويشغل منصب الأمين العام لـ"منتدى كوالالمبور للفكر والحضارة".

المساهمون