سياسات الاحتلال تكبّل الاقتصاد الفلسطيني

27 ديسمبر 2020
الصورة
كورونا ضرب الموسم السياحي في الأراضي الفلسطينية (إيمانويل دوناند/فرانس برس)
+ الخط -

منذ احتلال إسرائيل لأراضي الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة في العام 1967، عملت هذه السلطات على تكريس اقتصاد هذه الأراضي لخدمة الاقتصاد الإسرائيلي الذي أخذ ينمو بشكل ملحوظ، وأصبحت حكومة الاحتلال تتحكم بجميع المنافذ والمعابر وآليات التجارة والاقتصاد وسياسات التصدير والاستيراد، بالإضافة إلى التضييقات المستمرة على أي محاولة تنموية في الأراضي الفلسطينية، وعملت على قطع جميع الروابط مع اقتصاديات العالم العربي، وخاصة الأردن، بحيث أصبح الاقتصاد الفلسطيني تابعاً هشاً للاقتصاد الإسرائيلي ومعتمداً كلياً على دولة الاحتلال.
ليست صدفة أنه ما أن انتهت الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-1993)، بما أحدثته من متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية، حتى كانت اتفاقية أوسلو التي وقعت بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل قد صممت بالشكل المطلوب لإعادة تكريس احتلال الأراضي الفلسطينية والسيطرة على مقدراتها الاقتصادية بشكل جديد ومغلف بعبارات جميلة عن السلام التاريخي ومعتمدة على موافقتنا كفلسطينيين وموافقة ممثلنا الشرعي منظمة التحرير الفلسطينية، وبالنتيجة أعادت هذه الاتفاقية صياغة العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي على أسس جديدة قديمة بحيث أبقت على الإجراءات والقوانين والأوامر العسكرية في خدمة السيطرة الاحتلالية على المفاتيح الأساسية التي تمنع التحرر السياسي والاقتصادي وتحافظ على التبعية الفلسطينية للاقتصاد الإسرائيلي وبأقل كلفة ممكنة، وهذا الوضع الذي ما زالت تتمتع به سلطات الاحتلال الإسرائيلية. وعلى عكس كل التنظيرات السابقة، فقد أصبحت السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية أقل كلفة مما لو بقيت تحت السيطرة الاستعمارية التقليدية لما قبل إنشاء السلطة الفلسطينية.
وليس بجديد القول إن دولة الاحتلال، ومن خلال بروتوكول باريس الاقتصادي، ثبتت تحكمها في جميع المفاصل الأساسية للاقتصاد الفلسطيني لتكون لها السيطرة على جميع مناحي الحياة الفلسطينية. وبغض النظر عن التقسيم السياسي للأراضي الفلسطينية (أ، ب، ج)، وأثره الاقتصادي والديمغرافي والتوسع الاستيطاني والحل المرحلي التدريجي للانسحابات الإسرائيلية الشكلية، لم يتغير من الواقع السابق لاتفاقية أوسلو الكثير، وحافظت دولة الاحتلال على هيمنتها ومنعت تطور الاقتصاد الفلسطيني بعيدا عن الاقتصاد الإسرائيلي، ما مكنها من السيطرة على كافة المعابر والحدود مع العالم الخارجي ومراقبة دخول وخروج السلع والخدمات والمواد الخام، بالإضافة إلى ما تم الاتفاق عليه من ترتيبات مالية متعلقة بأموال المقاصة الضريبية وحق إسرائيل في جباية الضرائب على السلع والخدمات القادمة أو الضريبة المضافة الموحدة (بحيث لا تقل نسبتها في الأراضي الفلسطينية عنها في إسرائيل بأكثر من 1%). ورغم أن الاتفاقيات الموقعة نصت على أن تنتهي المرحلة الانتقالية في غضون خمس سنوات، ولكنها للأسف ما زالت تحكم العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ ربع قرن.
وقد جرت الكثير من المتغيرات خلال كل هذه السنوات منذ إنشاء السلطة الفلسطينية وحتى اليوم، بحيث نشأ نظام سياسي جديد عبر عن نفسه في قدوم الهيئات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية وإنشاء المؤسسات التشريعية والتنفيذية الأخرى، مثل المجلس التشريعي والحكومة الفلسطينية، وتمت صياغة العديد من التشريعات والقوانين الجديدة وخاصة المتعلقة بالاقتصاد منها، وتم التأكيد على تبني اقتصاد السوق كأساس للسياسات الاقتصادية المحلية دون النظر إلى التبعات الاقتصادية والاجتماعية لمثل هذا النهج، وتم إنشاء قطاع حكومي بيروقراطي متضخم، وفي الوقت نفسه ظهرت العديد من القطاعات التي لم تكن موجودة قبل قدوم السلطة الفلسطينية، كالبنوك وقطاع الاتصالات والإنترنت وغيرها، حيث ظهرت العديد من الشركات والخدمات الجديدة، مثل شركات التأمين وشركة جوال، ودخلت البنوك التي وصل عددها إلى حوالي 16 بنكاً تعمل في الأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى شركات الاستيراد والتصدير الخارجي سواء من إسرائيل أو عبرها، والتي تم تشجيعها من قبل السلطة الفلسطينية باعتبار أن عوائدها من الضرائب سريعة ومضمونة، في حين أن ذلك أثر وبشكل كبير على القطاعات الإنتاجية وأدى إلى تراجعها. ومنذ ذلك التاريخ لم تظهر في الاقتصاد الفلسطيني أي قطاعات إنتاجية أو صناعية جديدة، وبقيت الصناعة المحلية تساهم في أقل من 8% من الاقتصاد الفلسطيني، وبالمقابل ارتفع حجم الاقتصاد الخدماتي وغير المنتج نتيجة دخول قطاعات جديدة كأحد نتائج اتفاقية أوسلو، ما ساعد في إعطاء الاقتصاد الإسرائيلي ميزة التحكم في تفاصيل الاقتصاد الفلسطيني.
من هنا يمكن القول إنه بعد 53 عاما على الاحتلال الإسرائيلي ومرور ربع قرن على اتفاقيات أوسلو وما تلاها من اتفاقيات والتي سمحت بتأجيل الاتفاق على عدد من القضايا الأساسية الهامة لبناء الدولة الفلسطينية وتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي والخلاص من الاحتلال والسيطرة الكاملة على الموارد بكل ما فيها، سمح تأجيل هذه الأساسيات في استمرار الاحتلال وسياساته التوسعية والعنصرية.
فما زال الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على 62% من أراضي الضفة الغربية (منطقة ج)، بشكل كامل سياسياً واقتصادياً وقانونياً، وبما يتوفر من مصادر طبيعية ولا يتم أي إجراء إلا بموافقة الإدارة المدنية المسؤولة عن سياسات الاحتلال في هذه المنطقة تحت مسمى يهودا والسامرة، وما زالت تستخدم هذا الاسم إلى الآن، وهذا يعني السيطرة الكاملة على المصادر الطبيعية المتوفرة في هذه المناطق والتحكم في الأراضي من خلال سياسات الاستيطان وبناء المستوطنات وشق الطرق الالتفافية على حساب أراضي المواطنين الفلسطينيين والتضييق على حياتهم ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، ما ينعكس سلبا على الإنتاج الزراعي خاصة، ويقلص المساحات المتوفرة لاستخدام المزارع الفلسطيني، وبالتالي يجبر الفلسطينيين على شراء المنتجات الإسرائيلية. 
وفي قطاع غزة ما زالت إسرائيل تحاصر القطاع بشكل كامل وتمنع تواصله مع العالم الخارجي بدون موافقتها، وتتحكم بكل ما يدخل أو يخرج، سواء من البضائع والخدمات أو المواطنين، وقامت بتقليص مساحات الصيد البحري بنسبة 85%، وهو ما يعيق تطور هذا القطاع الحيوي، وكذلك تقليص المساحة الممكنة للزراعة إلى 50%، وهذه القطاعات تعتبر أساسية لحياة المواطنين وتطور اقتصادهم في قطاع غزة.
كما يسيطر الاحتلال على آبار المياه ويحظر على الفلسطينيين حفر الآبار أو السيطرة على المياه المتوفرة في الأراضي الفلسطينية، بما فيها الواقعة في المنطقة المسماة أ، والتي من المفترض أن تكون تحت سيطرة السلطة الفلسطينية بموافقة إسرائيلية، ما يحد من قدرة السلطة الفلسطينية على تطوير هذا القطاع الحيوي لحياة المواطنين وللقطاع الزراعي أيضاً.
كما أن سياسات الاستيطان التي تقضم الأراضي الفلسطينية من خلال بناء الجدار العازل المبني على الأراضي التي من المفترض أنها جزء هام من أراضي الضفة الغربية ويبلغ طوله حوالي 700 كم، والذي بني 85% منه داخل أراضي الضفة الغربية المحتلة في العام 1967، بالإضافة إلى الطرق الالتفافية، التي يمنع على الفلسطينيين الاستفادة منها، ما يؤثر على القدرة على التنقل والحركة، سواء للمواطنين أو السلع والخدمات، ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل فيها، وبالتالي ارتفاع تكاليف الإنتاج.
وهذا طبعا بالإضافة إلى القيود المفروضة على الحركة داخل الأراضي الفلسطينية، سواء بين المدن الفلسطينية في الضفة الغربية أو بين الضفة الغربية ومدينة القدس، والتي يحظر على الفلسطينيين دخولها، وكذلك الإغلاق المتواصل على قطاع غزة ومنع التنقل بين الضفة الغربية وقطاع غزة منذ سنوات الانتفاضة الأولى، وهو ما يشكل عباً إضافياً على الاقتصاد الفلسطيني ويمنع أي تطور طبيعي، ويتم التعامل مع هذه المناطق كوحدات منفصلة بعضها عن بعض وبإجراءات وشروط مختلفة، وأدى هذا إلى هدم العديد من الصناعات والأعمال وحدد اتجاهات الاقتصادي الفلسطيني وأبقاه تابعا للاقتصاد الإسرائيلي.
ولم تسلم الأراضي الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية من الاعتداءات الاحتلالية، والتي بدأت من هبة النفق في العام 1996 وما تلاها من هدم للبيوت والإغلاقات للمناطق وتدمير للبنية التحتية وغيرها، وتكرر ذلك في السنوات اللاحقة في العام 2000 و2002 ومنع العمل ووضع الحواجز التي فصلت كل المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية بعضها عن بعض وعزلها بشكل تعسفي، وهو ما أدى في كثير من الأحيان إلى انتقال المواطنين للسكن في مناطق أخرى، بما يحمله ذلك من تكاليف وأعباء اقتصادية واجتماعية، وأدى ذلك إلى تمركز العمال والوظائف في مدينة رام الله، التي أصبحت تمثل المركز الرئيسي والحيوي للسلطة الفلسطينية، وبالمقابل أدى إلى إفراغ الكثير من المناطق الأخرى من النشاطات الاقتصادية وتهميشها ومنع تطور اقتصادها، وخاصة في مجال الزراعة.
كما أن السلطة الفلسطينية لا تسيطر على الحدود، وبالتالي لا يمكنها السيطرة على دخول وخروج البضائع والخدمات والمواطنين بدون الموافقة الإسرائيلية، التي تُعتمَد حينما تتوافق مع المصالح الإسرائيلية، وهذه السياسة الإسرائيلية تضع العراقيل لتعيق الوصول إلى الأسواق الخارجية، وخاصة إلى العالم العربي، ويمنع استيراد البضائع والخدمات من العالم الخارجي والعربي خاصة بشكل مباشر، وهذا يدمر القاعدة الإنتاجية ويؤدي إلى فقدان السيطرة على الأراضي والمياه والمصادر الطبيعية الأخرى وسياسات الإغلاقات المستمرة للمناطق الفلسطينية والعزل الكامل لمدينة القدس العربية تحت ذريعة الأمن، دون أن نتجاهل أثر الحصار الكامل على قطاع غزة منذ العام 2007 وحرمانه من التواصل مع باقي أجزاء الوطن، وأخيرا فصل الاقتصاد الفلسطيني عن محيطة العربي والعالمي وإبقاؤه تحت سيطرة الاحتلال، وهذا انعكس سلبا على جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وبناء على بروتوكول باريس الاقتصادي، فإن الأراضي الفلسطينية ودولة الاحتلال تخضع لنظام ضريبي واحد، وتقوم دولة الاحتلال بجمع الضرائب على السلع والخدمات المستوردة، وتحصل إسرائيل بالمقابل على ما نسبته 3% من المبالغ عبر المقاصة للسلطة الفلسطينية والتي تعتبر حقاً للسلطة الفلسطينية وتشكل نسبة كبيرة من دخل السلطة الفلسطينية، وهذا يبقي على الاقتصاد الفلسطيني تابعا للاقتصاد الإسرائيلي ومن غير الممكن الانفكاك عنه بدون إنهاء أو تعديل بروتوكول باريس الاقتصادي.
وفي موضوع العمال، فمن المؤكد أن سياسات التشغيل التي تتبعها السلطات الاحتلالية تستخدم للتأثير الاقتصادي والسياسي على الشعب الفلسطيني من خلال التحكم بعدد العمال ومستويات عملهم والقطاعات التي يمكنهم العمل فيها، وبالتالي العائدات المتحققة من أجور هؤلاء العمال الذين ينفقون أجورهم في السوق المحلي والذي تتحكم إسرائيل فيه بشكل شبه كامل، وبالتالي فإن ما يحصل عليه العامل الفلسطيني من أجر لقاء عمله يعود إلى الاقتصاد الإسرائيلي على شكل مشتريات من البضائع والخدمات الإسرائيلية أو عبرها، وتنظر إسرائيل إلى هؤلاء العمال كجيش احتياطي للعمالة في الداخل الإسرائيلي وهي تتحكم بعدد العمال والمهن المطلوبة بما يخدم الاقتصاد الإسرائيلي، وتبقي على الحق في زيادة أو تقليص عدد العمال بناءً على ما تريده، وتستخدم ذلك في التأثير على السلطة الفلسطينية وعلى أسعار السلع والخدمات في السوق الفلسطيني وكذلك على أجور العاملين في السوق المحلي الفلسطيني. وللمقارنة، فإن الحد الأدنى للأجور في دولة الاحتلال يصل إلى 6000 شيكل، في حين أن الحد الأدنى في الأراضي الفلسطينية لا يتجاوز 1450 شيكلا.
كما أن استخدام السلطة الفلسطينية للعملة الإسرائيلية جعلها مرتبطة بتذبذب سعر صرف الشيكل في الأسواق العالمية ومقابل الدولار، ويمكن لأي قرار إسرائيلي داخلي أن يؤثر على حركة الشيكل، وبالتالي يؤثر على الاقتصاد الفلسطيني دون أن تكون لدينا القدرة على التأثير في ذلك.
وأخيراً يمكن القول إن الاحتلال الإسرائيلي لم يغادر الأراضي الفلسطينية التي احتلت في عام 1967، وبقيت السياسات نفسها بشكلها الجديد والهادفة إلى منع أي تطور اقتصادي فلسطيني خارج الهيمنة والتبعية لدولة الاحتلال، ولا يمكن تغيير هذه الأوضاع دون الانفكاك من الاتفاقيات الموقعة والتي عفا عليها الزمن وتم التنصل منها من قبل إسرائيل. والمطلوب هو إلغاء هذه الاتفاقيات الجائرة والعودة إلى بناء الدولة الفلسطينية المستقلة سياسياً واقتصادياً وتكاملها مع العالم العربي المحيط بعيداً عن الاحتلال وهيمنته بحيث تكون للشعب الفلسطيني السيطرة الكاملة على مقدراته وموارده، وبذلك يمكن إحداث تنمية وتقدم وحياة كريمة.
 

المساهمون