زيارة عقيلة صالح لأنقرة: صفحة جديدة في العلاقات الثنائية

زيارة عقيلة صالح لأنقرة: صفحة جديدة في العلاقات الثنائية

05 اغسطس 2022
أردوغان مستقبلاً صالح واللافي في القصر الرئاسي (مراد كولا/الأناضول)
+ الخط -

في نقطة تحوّل مهمة في السياسة التركية نحو الملف الليبي، استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في أنقرة، يوم الثلاثاء الماضي، رئيس مجلس النواب الليبي في طبرق عقيلة صالح. ويأتي اللقاء بعد سنوات من دعم أنقرة حكومة طرابلس، عسكرياً وسياسياً، ضد قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر المدعوم من برلمان طبرق.

زيارة صالح لأنقرة هي الأولى بعد سنوات من القطيعة بين معسكر شرق ليبيا وأنقرة، والتي زادت عقب إعلان برلمان طبرق رفض الاتفاقات الأمنية والبحرية التي وقّعتها أنقرة مع حكومة الوفاق الليبية السابقة، في نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

وفيما بقي اللقاء بعيداً عن وسائل الإعلام، قال نائب رئيس المجلس الرئاسي عبد الله اللافي الذي شارك في اللقاء، عبر حسابه الرسمي في "فيسبوك"، إن "وجهات النظر اتفقت على الحفاظ على وحدة التراب الليبي، والإسراع في إجراء العملية الانتخابية، عبر التشريعات اللازمة والمتفق عليها عبر حكومة واحدة قوية". وأضاف أنه تم "تأكيد استبعاد الحل العسكري، وإيقاف كافة التصعيدات التي تعرقل بناء الدولة المدنية الديمقراطية".

الحدود البحرية والتنافس على السلطة الليبية

وفي السياق، ذكر مصدر تركي مطلع على بعض ما دار في لقاء أردوغان وصالح، لـ"العربي الجديد"، أن الاجتماع تناول اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي تمت بين أنقرة وطرابلس، ورفضتها آنذاك حكومة شرق ليبيا المدعومة من برلمان طبرق، لكن صالح أبدى في الاجتماع الموافقة عليها.

وقال المصدر إن الاجتماع ناقش مشكلة وجود حكومتين داخل ليبيا، فعلى الرغم من طلب صالح الاعتراف بحكومة فتحي باشاغا التي نالت ثقة برلمان طبرق، إلا أن رؤية الرئاسة التركية تتمثل في توجّه الأطراف الليبية إلى انتخابات عاجلة بدلاً من إنشاء حكومات انتقالية متعاقبة.

مصدر تركي: أبدى صالح خلال اللقاء موافقته على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا

ولفت المصدر التركي إلى أن اللقاء ناقش الدور الذي يمكن أن يؤديه عقيلة صالح في إقناع القاهرة بالموافقة على توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين تركيا ومصر، والذي رفضته القاهرة سابقاً على الرغم من أن الاتفاق يعطيها مساحات أوسع.

وأوضح أن اللقاء تناول قضايا عدة من بينها افتتاح القنصلية العامة التركية في بنغازي، واستئناف رحلات الخطوط الجوية التركية إلى شرق ليبيا، وكذلك بحث تخفيف القيود الإجرائية على الجالية الليبية في تركيا، بالإضافة إلى فتح المجالين الجوي والبحري بين بنغازي وأنقرة.

وسبق لقاء أردوغان وصالح ترؤس صالح مع رئيس البرلمان التركي مصطفى شنطوب اجتماعاً لوفدي البلدين عقب لقائهما الثنائي في مقر البرلمان التركي في أنقرة. وخلال الاجتماع، قال شنطوب إن العلاقات القائمة بين تركيا وليبيا تمتد إلى عهود قديمة، لافتاً إلى أن الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية مهم جداً بالنسبة لأنقرة.

من جهته، أكد صالح وجود روابط تاريخية بين الشعبين التركي والليبي، وأنه من الواجب ترك جميع قنوات الحوار مفتوحة من أجل إحلال الاستقرار والسلام في ليبيا، مشيراً إلى أهمية دعم تركيا الجهود المبذولة لإحلال السلام والاستقرار في ليبيا.

وتأتي خطوات التقارب بين تركيا والشرق الليبي مع خطوات التطبيع والحوار الجاري بين تركيا ومصر، إذ تدعم القاهرة الشرق الليبي، وفتحت حواراً مع قوى الغرب الليبي، فيما تدعم أنقرة قوى الغرب، وبدأت حوارا مع قوى الشرق.

وكان صالح قد أعلن في يوليو/تموز الماضي عزمه زيارة تركيا قريباً، موضحاً يومها أن "السياسة مرنة ولا خصومة دائمة في ما يتعلق بالعلاقات بين ليبيا وتركيا، ولأجل المصلحة الليبية، سأجلس مع أي أحد"، في محاولة لتبرير تعارض زيارته لأنقرة مع سياسته السابقة المناهضة للدور التركي في ليبيا.

وسبقت هذه الزيارة خطوات انفتاح بين الطرفين، مثل زيارة السفير التركي في طرابلس كنعان يلماز بنغازي في يناير/كانون الثاني الماضي، وكذلك زيارة وفد من برلمان طبرق تركيا في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، تقدّمه النائب الأول لرئيس مجلس النواب الليبي فوزي النويري.

من جهته، قال السفير التركي في ليبيا كنعان يلماز، في تصريحات لوكالة أنباء "الأناضول" التركية، إن زيارة صالح لها أهمية كبيرة لمعالجة جميع جوانب علاقات ليبيا وتركيا والأبعاد السياسية الأخرى.

وأوضح أنه نقل خلال اجتماعه مع صالح، في يناير الماضي، دعوة شفوية من رئيس مجلس النواب مصطفى شنطوب، لزيارة تركيا، لافتاً إلى أن الزيارة كان مخططاً لها في أول أسبوع من يوليو/تموز الماضي، لكن اندلاع الاحتجاجات في 1 يوليو وحرق مبنى مجلس النواب في طبرق أدى إلى تأجيلها.

وأشار يلماز إلى زيارته مدينة بنغازي مع مجموعة من رجال الأعمال الأتراك في 29 يناير بدعوة من عميد بلدية بنغازي صقر بوجواري، مبينا أنه ناقش استمرار المشاريع غير المنجزة للشركات التركية.
جسور ثقة تركية مع الأطراف الليبية

ورأى رئيس مركز الشرق الأوسط (أورسام) في أنقرة البروفيسور أحمد أويصال، في حديث مع "العربي الجديد"، أن دعوة أنقرة صالح لزيارتها أتت في إطار سعيها لوحدة ليبيا وضمان علاقة وثيقة مع الأطراف الليبية كافة، للحيلولة دون وقوع صراعات مستقبلية تهدد استقرار البلاد، معتبراً أن زيارة صالح بنت جسور الثقة بينه وبين المسؤولين الأتراك.

وقال أويصال، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "أنقرة لا ولن تعترف بحكومة باشاغا، وترفض منطق فرض الحكومات التي تتولى الحكم من دون انتخابات؛ لذلك تدعم التوجه إلى انتخابات عاجلة تفرز حكومة شرعية تمثل كل الليبيين".

أويصال: أنقرة لن تعترف بحكومة باشاغا وتدعم التوجه إلى انتخابات عاجلة تفرز حكومة شرعية تمثل كل الليبيين

وشدد أويصال، المقرب من دوائر صنع القرار في تركيا، على أن ترسيم الحدود بين تركيا وليبيا يفيد شرق ليبيا أكثر من غربها، وهذا الاتفاق سيستمر بتوافق مع الأطراف المختلفة في ليبيا. وأضاف: "صالح قريب من مصر ويضمن مصالحها في شرق ليبيا؛ فتطور العلاقات التركية المصرية يؤثر إيجاباً على شرق ليبيا، كما أن علاقة تركيا الجيدة مع صالح وشرق ليبيا ستدفع باتجاه تحسين العلاقات التركية المصرية".

تقارب إقليمي بأهداف اقتصادية

ومن مؤشرات رغبة الطرفين في التقارب منذ مدة، ما كشف عنه وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، في تصريحات نهاية ديسمبر الماضي، بشأن دعوة بلاده صالح وخليفة حفتر لزيارتها، مشيراً إلى أن صالح "أراد القدوم إلى تركيا عدة مرات، وجرى تحديد المواعيد، ثم تراجع". كما أن حفتر أراد زيارة تركيا أيضاً، لكنه اشترط مقابلة أردوغان، إلا أن الأخير رفض باعتبار أن حفتر "ليس محاوراً معهم، وليس مفوضاً في ليبيا"، وفق قوله.

ويرى مراقبون أن الزيارة من نتائج التقارب الإقليمي الحاصل بين أنقرة وعواصم إقليمية في المنطقة، وفي مقدمتها التقارب مع الإمارات، التي تمتلك نفوذاً كبيراً عند أوساط قادة شرق ليبيا، لافتين إلى أن تركيا أكثر الدول الإقليمية تضرراً من حالة الحرب والاصطفافات الليبية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أطلقت قوات حفتر سراح سبعة مواطنين أتراك بعد سنتين من اعتقالهم في شرق البلاد.

وبلغ حجم التبادل التجاري لتركيا مع ليبيا قبل عام 2010 عشرة مليارات دولار، لكنه تراجع في السنوات التالية ليصل إلى 2.5 مليار فقط.

المساهمون