جيرالد دارمانان... وزير الداخلية الفرنسي الصاعد على سلالم الحل الأمن

جيرالد دارمانان... وزير الداخلية الفرنسي الصاعد على سلالم الحل الأمني

20 يوليو 2023
دارمانان وبورن، الاثنين الماضي (جيوفروي فان در هاسيه/فرانس برس)
+ الخط -

وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان بات نجم المشهد الفرنسي اليوم. زاد رصيده بعد هدوء الأوضاع إثر أيام من الاحتجاجات والمصادمات مع الشرطة بعد مقتل الفتى الفرنسي نائل المرزوقي ذي الأصول الجزائرية برصاص شرطي فرنسي في 27 يونيو/حزيران الماضي في ضاحية نانتير الباريسية.

وطيلة ستة أيام من الاحتجاجات، التي تطورت إلى أعمال عنف وحرائق ونهب، لم يظهر على مسرح الأحداث من المسؤولين الفرنسيين سوى وزير الداخلية، الذي كان ينتقل من منطقة مشتعلة إلى أخرى، في كافة الأوقات، ليعيش مع رجال الشرطة والدرك، ويشرف مباشرة على خطط المواجهات الميدانية، ويتفقد الأضرار، كما لو أنه قائد جبهة حرب.

هذه ليست المرة الأولى التي ينزل فيها وزير الداخلية إلى مركز الحدث، وما من حادث أمني كبير إلا وكان أول المسؤولين الحاضرين في المكان، وفي مقدمة قوى الأمن، يعطي التوجيهات، ويشرف على تنفيذها مباشرة. وكان في وسعه أن يقوم بذلك عن طريق غرفة العمليات في الوزارة، لكنه يفضل مكان الحدث، حيث يلتقي مع وسائل الإعلام.


دارمانان: الخطر الأول هو الإرهاب الإسلامي السني

صنع الوزير لنفسه، صورة رجل الدولة الذي شاغله الأساسي الاستقرار الأمني، وعمل على تكوين شعبية خاصة داخل الأجهزة الأمنية، التي تتعرض لانتقادات دائمة، ولم يكتف بالوظيفة الأمنية، بل تعداها إلى الجانب السياسي، تحديداً عندما يتعلق الأمر بالإسلام واحتجاجات واضطرابات الأوضاع في الضواحي.

دارمانان وبناء رصيد سياسي

أدرك دارمانان منذ عدة أعوام أن هذا الطريق يمكن أن يبني له رصيداً سياسياً خاصاً، على غرار الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، الذي وصل إلى كرسي الرئاسة عام 2007 من خلال عمله وزيراً للداخلية في عهد الرئيس جاك شيراك، ومهدت جولاته الاستفزازية ومواقفه وتصريحاته ضد الضواحي التي ساهمت في انفجار انتفاضة الضواحي عام 2005 الطريق له.

حسب استطلاع رأي أجرته، خلال الشهر الحالي، مؤسسة "أوبينيون واي" لصحيفة "لوباريزيان"، فقد فضل 59 في المائة من المستجوبين استخدام "أسلوب صارم" في التعامل مع المشاكل التي تشهدها الضواحي، فيما فضل 25 في المائة الحوار، وأكد 15 في المائة استحالة حل تلك المشاكل أصلاً.

أول المستفيدين من هذا الجو على الصعيد السياسي هو وزير الداخلية، الذي سرق الأضواء من كافة مسؤولي الدولة، ولأنه أمضى أسبوعاً في الشارع إلى جانب قوى الأمن، صار بوسعه أن ينسب إنجاز التهدئة لنفسه، في حين أن رئيس الدولة إيمانويل ماكرون لم يظهر أو يوجه كلمة للفرنسيين، رغم أن الحدث على درجة عالية من الأهمية، وذو أبعاد سياسية، ويرسل إشارات مستقبلية.

لن تتأخر مكافأة دارمانان على إنجازه، إذا صح الحديث الذي يدور في وسائل الإعلام الفرنسية عن قرب توليه رئاسة الحكومة، خلفاً لرئيسة الوزراء الحالية إليزابيت بورن التي تولت هذا المنصب بعد فوز ماكرون بولاية رئاسية ثانية في مايو/أيار 2022، لكنها لم تبرز في أي مجال، وظل احتمال مغادرتها هذا الموقع مطروحاً على الدوام، وقد حانت الفرصة المناسبة لذلك.

التعديل الوزاري هو من نتائج الأحداث، التي تفجرت احتجاجاً على مقتل الفتى نائل، ورأت أوساط الطبقة السياسية أنه يجب أن يتم بمجرد توقف الاضطرابات، كمؤشر على اعتراف ماكرون بفشل حكومته في معالجة الأوضاع الاجتماعية، والأمنية التي تدهورت بسرعة، ولذا كان من بين المرشحين لمغادرة المنصب وزير الداخلية قبل غيره من أي وزير آخر، بسبب أخطاء الشرطة وتعرضها لانتقادات دولية.


استفاد دارمانان من أحداث الشغب في فرنسا ليصنع شعبية له

المفارقة التي فاجأت الأوساط هي أن دارمانان هو أبرز المرشحين لخلافة بورن في رئاسة الحكومة، ومعنى ذلك أن ماكرون لا يتمسك بالوزير فقط، بل يواصل، من خلال تكليفه برئاسة الحكومة، سياسة الحلول الأمنية للمشاكل الاجتماعية، التي يرد عليها بالعنف دائماً، خصوصاً تظاهرات السترات الصفراء التي بدأت في عام 2018، واستمرت على مدى أكثر من عام، وبعدها احتجاجات قانون التقاعد في الأشهر الأولى من العام الحالي، ومن ثم الاضطرابات الأخيرة.

يعتمد ماكرون على دارمانان، ولا يبدو أنه سيتخلى عنه، ولذا فهو ينقله من موقع إلى آخر، بدأ وزيراً للعمل، ومن ثم للداخلية، وهنا ظهر دوره الحقيقي، وبدأ يتكشف طموحه السياسي تدريجياً. واستغل موقعه الأمني ليكشف عن هوية سياسية أقرب لليمين المتطرف مع أنه جاء من اليمين التقليدي، أي حزب "الجمهوريون"، قبل أن يلتحق بحزب ماكرون "الجمهورية إلى الأمام".

الحديث عن "الإرهاب الإسلامي السني"

كان لافتاً أن يتحدث وزير الداخلية الفرنسي في مايو الماضي من الولايات المتحدة عما وصف بـ "الإرهاب الإسلامي السني"، وصرح في نيويورك: "أتينا لنذكرهم أنه بالنسبة إلى الأوروبيين ولفرنسا، الخطر الأول هو الإرهاب الإسلامي السني، والتعاون لمكافحة الإرهاب بين أجهزة الاستخبارات هو ضروري للغاية".

واسترعى الانتباه، بشدة، أن كلام الوزير الفرنسي لا يصدر عن معطيات أمنية فقط، بل يذهب نحو تشخيص مبني على رؤية أبعد ومواقف من الإسلام، وبدا وكأنه يعطي درسا للأميركيين حيال التهديدات العابرة والاستراتيجية. ومما جاء في تصريحه: "بينما قد تكون للأميركيين رؤية وطنية أكثر للأزمات، مثل التفوق العرقي الأبيض، وعمليات إطلاق النار الجماعية المتكررة والتآمر، يجب ألا ينسوا ما يبدو لنا في أوروبا بمثابة التهديد الأول الإرهاب السني".

ليس من عادة وزراء الداخلية في العالم أن يظهروا مباشرين في مواقفهم إلى هذا الحد، وحتى لو كانوا يمتلكون معطيات مؤكدة، فإن من يتحدث بها هم السياسيون، ومنهم رئيس الدولة، ولذا ظهر دارمانان يوجه رسالة باسمه، ومن أجل أهداف خاصة.

جرى النظر إلى تلك الرسالة من عدة زوايا. الأولى أنها ذات خلفية أيديولوجية، أقرب إلى اليمين المتطرف، لأن مضمون التصريحات نابع من إسلاموفوبيا صريحة، ولا يختلف عن تلك التي يطلقها المرشح الرئاسي السابق العنصرية إريك زيمور تجاه الإسلام والمسلمين، ومع أن خطاب الأخير يتسم بعدائية صريحة، لكنه لم يصل إلى درجة تخصيص "الإسلام السني".

الزاوية الثانية هي أن خطاب الوزير صدى لمواقف سبق أن رددها ماكرون في عدة مرات خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز فيها الانتقادات لظواهر محددة إلى تصنيفات قطعية تعتبر "أن الإسلام يعيش اليوم أزمة في كل مكان بالعالم، وأن على فرنسا التصدي للانعزالية الإسلامية الساعية إلى إقامة نظام مواز وإنكار الجمهورية الفرنسية"، على حد تعبيره.

أما الزاوية الثالثة فهي أن الوزير لم يكن ليتحدث كذلك لو أنه وقف عند حدود وظيفته كوزير للداخلية، بل أراد أن يقدم ترشيحه الى مناصب سياسية أرفع، ومثاله في ذلك ساركوزي، الذي ساهم الخطاب العنصري تجاه الضواحي والإسلام من رفع رصيده لدى ناخبي اليمين المتطرف.

اهتزت صورة دارمانان بعد أشهر من تعيينه وزيراً للداخلية في عام 2020 بسبب دعوى بالاغتصاب 

يرى قطاع من الرأي العام الفرنسي في الوزير دارمانان أقرب لليمين للمتطرف في أوروبا، الذي وصل إلى رئاسة الحكومة في إيطاليا، ويشارك في عدة حكومات أخرى، وسواء كان يتحدث باسم حركة سياسية أو اسمه الخاص، فإن النتيجة واحدة، لأن تجربة رجل الدولة في الداخلية كفيلة في أن تفتح الطريق أمامه لكسب أصوات ناخبي اليمين المتطرف.

اهتزت صورة دارمانان بعد أشهر من تعيينه وزيراً للداخلية في عام 2020 بسبب دعوى قضائية بالاغتصاب رفعتها ضده سيدة فرنسية، وكانت التقديرات أن ذلك سيعرقل صعوده السريع، ولكن ماكرون رفع من مقامه، واستمر في الداخلية، وصار يعتمد عليه كذراع اليمين.

دارمانان المتحامل على العرب والمسلمين

يجري النظر إلى الوزير من قبل بعض الأوساط على أنه متحامل على العرب والمسلمين بسبب أصله المركب، فهو ينحدر من جد لجهة أمه جزائري حركي كان برتبة ضابط في الجيش الفرنسي، قاتل ضد الثورة الجزائرية، بينما جده من جهة الأب يهودي مالطي.

وهناك مقالات تقدم دليلاً على ذلك، من خلال أول مشروع قرار تقدم به بعد توليه وزارة الداخلية، وهو "مشروع قانون مكافحة الانفصالية"، بهدف "تعزيز العلمانية وترسيخ مبادئ الجمهورية"، وكان موجها ضد الطقوس والرموز التي تخص الجاليات الإسلامية، والذي قاد إلى إجراءات قاسية وصلت إلى حد إغلاق العديد من المساجد.

يدرك ماكرون أن تعيين دارمانان في رئاسة الحكومة، لن يمر من ردود فعل سلبية. وسيكون رسالة ذات مضمون عدائي للضواحي التي خرجت للاحتجاج ضد الداخلية. وما يعده ماكرون مكافأة للوزير الذي نجح في احتواء الاحتجاجات، سيتم تفسيره من قبل أوساط واسعة ترفيع من مكانة الداخلية وأجهزة الشرطة والحلول الأمنية التي تعتمد على العنف.

يبدو أن ماكرون تحسب لردود الفعل، وأصدر مكتبه بيانا يعلن تمسكه برئيسة الوزراء، وهذا يعني أنه يخشى ترفيع دارمانان إلى رئاسة الحكومة، لأنه سيقود الموقف إلى مزيد من التشنج الداخلي، خصوصاً على مستوى علاقة الشرطة مع الضواحي التي تبدو على قطيعة مع هذا الجهاز. وباعتبار أن مجرى قضية الشرطي الذي قتل الفتى نائل، لا تزال مفتوحة ولم يصدر الحكم النهائي فيها، فإن ملفات الضواحي تبقى نارا مشتعلة.