اللجنة الدستورية السورية: النظام يساوم والمعارضة تعد مقترحات

08 مارس 2021
الصورة
يحاول بيدرسن تفعيل المسار السياسي مجدداً من خلال اللجنة الدستورية (لؤي بشارة/فرانس برس)
+ الخط -

غابت اللجنة الدستورية السورية عن تصريحات الأطراف المعنية خلال الأسبوع الماضي، على الرغم من الاتصالات والزيارات المكوكية التي قام بها المبعوث الأممي، غير بيدرسن، أخيراً، إلى كل من موسكو ودمشق وإسطنبول، بنيّة تحديد موعد جديد للجولة المقبلة (السادسة)، بعد أن منيت الجولات الخمس الماضية، ولا سيما الأخيرة، بالفشل، إذ لم يتم التوصل لأي اختراق يتم من خلاله البدء بوضع صياغات دستورية محددة، بعد أكثر من عام وثلاثة أشهر على انطلاق أعمال اللجنة.
وبعد زيارة المبعوث الأممي إلى موسكو في 18 فبراير/شباط الماضي، ثم انتقاله إلى دمشق في 21 فبراير، حيث التقى وزير خارجية النظام فيصل المقداد، ثمّ وصوله إلى إسطنبول يوم الثلاثاء الماضي، ولقائه رئيس هيئة التفاوض السورية التابعة للمعارضة، أنس العبدة، وعضو الهيئة بدر جاموس، لم تخرج عن بيدرسن أو أي من أطراف اللجنة، أي تصريحات تشير إلى تحديد موعد جديد للجولة السادسة، على الرغم من أنّ ذلك كان المهمة الرئيسية لبيدرسن خلال جولاته الثلاث. لكن "العربي الجديد"، علم من مصادر خاصة، أنّ النظام "حمّل بيدرسن مقترحات، هي عبارة عن شروط لاستئناف عمل اللجنة، ويبدو أنها لم تلقَ قبولاً لدى المعارضة، لا سيما بعد طرحها خلال لقاء بيدرسن مع العبدة في إسطنبول". في المقابل أشارت مصادر أخرى، إلى أنّ "لقاء بيدرسن مع المقداد، شهد مساومة عرضها الأخير، تتعلق برفع العقوبات الغربية عن النظام، مقابل الانخراط بالمسار السياسي الرامي لحل الأزمة السورية، ومنها عمل اللجنة الدستورية" المكلفة وضع دستور جديد للبلاد.

لقاء بيدرسن مع المقداد شهد مساومة عرضها الأخير، تتعلق برفع العقوبات الغربية عن النظام مقابل الانخراط بالمسار السياسي

المعلن عما تمخّضت عنه مباحثات المقداد وبيدرسن في دمشق، كان إصرار النظام على عدم تحديد سقف زمني لعمل اللجنة، والواضح من ذلك أنه لا يزال يسعى لكسب المزيد من الوقت بهدف إنجاز الانتخابات الرئاسية، منتصف العام الحالي، قبل التوصل إلى دستور جديد، أو تعديل الدستور الحالي، وذلك حتى لا يتسنى للمجتمع الدولي أو الدول الغربية الداعمة للمعارضة والمطالبة بإصلاح سياسي شامل في البلاد، الاستناد على هذا الدستور الجديد وإجراء الانتخابات على أساسه، تطبيقاً للقرار الأممي 2254. علماً بأن مصدر العرقلة روسي بالأساس، إذ تحاول موسكو فرض الأسد وإعادة تعويمه ليكون حاضراً في الحكم لفترة رئاسية مقبلة، مع عدم اقتناعها ببديل عنه إلى الآن.
وكان بيدرسن تلقى "توبيخاً" مبطناً من قبل المقداد خلال لقائهما الأخير، بتشديد وزير خارجية النظام على المبعوث الأممي، بأن يحافظ على دوره كميسّر محايد لأعمال اللجنة، من دون أن يكون له حق في تقرير أو فرض التوصيات التي تخرج عنها. يأتي ذلك بعد أن حمّل بيدرسن أمام مجلس الأمن، وبشكل غير مباشر، مسؤولية فشل الجولة الخامسة من أعمال اللجنة الدستورية لوفد النظام، الذي امتنع عن الدخول في وضع الصياغات الدستورية، واكتفى بمناقشة المواضيع الدستورية والذهاب نحو مزيد من "مضيعة الوقت".

وحول لقاء بيدرسن برئيس هيئة التفاوض، أنس العبدة، ورئيس مكتب العلاقات الخارجية بهيئة التفاوض بدر جاموس، أشار الأخير، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أنّ "هناك عملا دؤوبا من قبل المبعوث الأممي، بين جميع الأطراف والجهات الفاعلة في القضية السورية، وهناك تواصل معنا في الهيئة، لمحاولة تفعيل المسار السياسي مجدداً من خلال اللجنة الدستورية، بعدما عمد النظام إلى تعطيل الجولات الخمس الماضية". وأوضح جاموس أنّ "هيئة التفاوض كان رأيها واضحا أمام بيدرسن، بأن تكون هناك منهجية لعمل اللجنة الدستورية، واتفاق على جدول أعمال، بالإضافة لتحديد جدول زمني". وكشف أنّ "وفد المعارضة سيقدم ورقة للمبعوث الأممي تتضمن مقترحات حول عمل اللجنة الدستورية، ضمن سياق النقاط المذكورة سابقاً".
وحول إمكانية قبول النظام بتلك المقترحات، ولا سيما تحديد إطار زمني لعمل اللجنة، أشار جاموس إلى أنّ "انطباعنا عن النظام الذي عمد إلى تعطيل الحل السياسي منذ العام 2014، بأنه غير جاد في الوصول لحل سياسي، وموقفه هذا ليس جديداً، لكن علينا أن نضغط لتفعيل السلال الأربع (الانتقال السياسي، الدستور الجديد، الانتخابات، ومحاربة الإرهاب)، وليس فقط سلة اللجنة الدستورية، ونعمل على ذلك مع الأمم المتحدة وأصدقائنا في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا وبعض الدول العربية، لدعمنا في فتح باقي السلال، والعمل عليها بالتوازي مع المسار الدستوري".

تطالب هيئة التفاوض بمنهجية لعمل اللجنة الدستورية، واتفاق على جدول أعمال، بالإضافة لتحديد جدول زمني

وحول ما إذا كانوا سيحددون ضمن المقترحات التي سيقدمونها للمبعوث الأممي، سقفاً زمنياً لعمل اللجنة، كتحديد تاريخ معيّن، نوه جاموس إلى أنّ "القرار الأممي 2254 يوضح أن مدة عمل اللجنة الدستورية ستة أشهر، وقد ذكرنا مواقفنا بشأن آلية عمل اللجنة بخطاب أرسلناه للأمين للعام للأمم المتحدة (أنطونيو غوتيريس) سابقاً، ونعيد التأكيد عليه بكل لقاءاتنا مع المبعوث الخاص، والآن نطالب بأن يتم الاتفاق على هذا الجدول أو الإطار الزمني، بالإضافة لمنهجية محددة لعمل اللجنة بجولاتها المقبلة".
أما بخصوص المقترحات التي قدمها النظام لبيدرسن، والتي طرحها الأخير أمامهم، قال جاموس: "ليس من اختصاصي التصريح حول ما قدمه النظام من مقترحات، لكن يمكن القول إن مقترحاتهم معروفة التوجه، بكونها لا تخدم تفعيل العملية السياسية".
وعلى الرغم من أنّ مسار جنيف الأممي لحل الأزمة السورية، توقف عن الانعقاد بداية العام 2018، بعد تسع جولات لم تفضِ إلى تفاهمات جدية تترجم على أرض الواقع، إلا أنّ عمل اللجنة الدستورية بات مرتبطاً بهذا المسار، بحكم أن اللجنة تسيّر من قبل الأمم المتحدة عبر مبعوثها إلى سورية غير بيدرسن. وكما جهد النظام وحليفاه الروسي والإيراني، لتعطيل مسار جنيف، كذلك هو الحال مع اللجنة الدستورية، وذلك بهدف تحويل حل الأزمة السورية إلى مسارات لا تشرف عليها الأمم المتحدة، وبالتالي تقليل حجم النفوذ الغربي فيها، ولا سيما بالنسبة للولايات المتحدة. ولذلك، اخترع الروس مسار أستانة لعرقلة المسار الأممي، منذ نهاية العام 2016. وقد أعادوا تفعيل هذا المسار الشهر الماضي، من خلال جولة جديدة (الجولة الخامسة عشرة) بين الضامنين الثلاثة (روسيا وتركيا وإيران)، بعد عام من توقف هذه الجولات، وذلك في إطار القفز على مسار اللجنة الدستورية الأممي، بحجة التوصل إلى حلول في أستانة، في ظلّ الخلافات والتعقيدات التي تشوب مسار جنيف.
وكان الرئيس المشترك للجنة الدستورية عن وفد النظام، أحمد الكزبري، أعلن صراحة على هامش الجولة السابقة من أعمال اللجنة الدستورية التي عقدت نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، أنهم قدموا إلى جنيف لمناقشة المواضيع الدستورية، من دون الدخول في وضع صياغات دستورية، معتبراً أنّ هذا الأمر "يحتاج وقتاً طويلاً ومساحة من النقاش". واستمرار هذا الموقف من قبل وفد النظام، قد يفضي إلى إعلان فشل المسار بالمطلق خلال الجولة المقبلة، أو حتى قبل الاتفاق على موعدها، بعد أن كان وفد النظام ماطل وعطل أعمال اللجنة بفرض أجندات ومواضيع غير دستورية، تتعلق بمناقشة الثوابت والركائز الوطنية، ومن ثم الهوية الوطنية، وبعدها جاء الدور على الجانب الثقافي والاجتماعي بطرح "العروبية" كسمة للدولة المستقبلية. في حين برز أخيراً تكتيك وضع المسار الأممي في سياق المساومة الدولية، بطرح رفع العقوبات الغربية عن النظام مقابل الانخراط جدياً في نقاشات وأعمال اللجنة الدستورية.

المساهمون