الشارع الفلسطيني والقيادة المفقودة

28 مارس 2021
الصورة
النضال الفلسطيني تجاوز النخب السياسية (عصام ريماوي/الأناضول)
+ الخط -

مرت التجربة الفلسطينية بالكثير من المحطات الهامة والمصيرية، التي خاض فيها الشارع الفلسطيني مختلف أشكال النضال من أجل الدفاع عن حقوقه وأرضه وشعبه، بدءا من فترة الانتداب البريطاني وصولا إلى مرحلة الاحتلال الصهيوني، ومازال الشارع الفلسطيني داخل وخارج فلسطين يناضل من أجلها وفق الظرف والإمكانيات المتاحة. الأمر الذي يضعنا أمام سمتين بارزتين لهذا التاريخ النضالي الطويل الذي يمتد لأكثر من مائة عام، تعبر الأولى عن إصرار الشعب الفلسطيني على استعادة حقوقه المستلبة رغم جميع الصعاب التي تعرض ومازال يتعرض لها، في حين تعبر الثانية عن حجم الهوة الكبيرة التي تفصل الشعب الفلسطيني عن ممثليه المفترضين، إذ ما استثنينا الحقبة التاريخية الممتدة منذ نهاية ستينيات القرن الماضي حتى نهاية السبعينيات منه. وهي المرحلة التي شهدت صعود حركة التحرر الوطني وسيطرة حركة فتح على منظمة التحرير.

فإذا عدنا بذاكرتنا إلى تلك المرحلة تحديدا نلحظ مدى متانة العلاقة الحاصلة فيها بين القوى الشعبية داخل وخارج فلسطين مع الجسم السياسي الفلسطيني بتنوعاته السياسية المختلفة، الأمر الذي انعكس في ثقة الشارع وارتباطه بها، ودفاعه عنها في وجه أي محاولة إقليمية أو دولية لنزع شرعيتها، كما نلحظ مدى تجاوب الشارع مع دعواتها ونداءاتها، من خلال حجم الالتحاق بالعمل الفدائي والتظاهرات التي جالت العديد من الشوارع دعما لتوجهات الجسم السياسي الفلسطيني، وكأننا أمام قيادة منتخبة ومنبثقة من رحم التجمعات الفلسطينية. كما تميزت تلك المرحلة بتعدد القوى السياسية وتباين قراءتها السياسية وتعدد شخصياتها القيادية المؤثرة على الشارع سياسيا وثقافيا واجتماعيا، من وديع حداد وجورج حبش وغسان كنفاني وناجي العلي مرورا بأبو أياد وأبو جهاد ومحمود درويش وسميح القاسم وصولا إلى أبو عمار صاحب النفوذ والتأثير الأكبر.

لكنها في النهاية مرحلة عابرة لم تدم كثيرا، بل سارعت قيادة الجسم السياسي ولاسيما قيادة فتح إلى استثمارها في خيارات لا تمثل توجهات ومصالح مجمل الشعب الفلسطيني، توجتها في اتفاق أوسلو، الذي كان تعبيرا صارخا عن تحول العلاقة بين الشارع الفلسطيني والجسم السياسي الفلسطيني، تحول تعود بداياته إلى مرحلة إقرار البرنامج المرحلي الذي كان بمثابة صفعة للكثير من الفئات الفلسطينية لاسيما اللاجئين وفلسطينيي 48، وإن عول البعض على حسن نية مقري البرنامج المرحلي استنادا إلى تجربة المرحلة التي سبقتها، والتي تحدثنا عنها سريعا مسبقا. لكن سقطت جميع الأقنعة بعد توقيع اتفاق أوسلو وخصوصا بعد مضي الفترة الانتقالية وتلاحق التسريبات الصهيونية والدولية عن فحوى المسار الأوسلوي، لتسقط ورقة التوت عن قيادة الجسم السياسي الفلسطيني، وتنقطع الشعرة الأخيرة التي ربطته بالشارع الفلسطيني.

ثم كانت الانتفاضة الثانية بمثابة الفرصة الأخيرة لاستعادة ترابط العلاقة مع الشارع، لكن وبغض النظر عن طبيعة موقف وتوجه رأس ومجمل الجسم السياسي الفلسطيني، أبو عمار منها، ومخططاته لما بعدها، غير أنها جسدت الحقيقة التي حاول الكثير نكرانها، والقاضية بأن الزمن لا يعود إلى الخلف، ولا يمكن استعادة بنية حركة التحرر بعد كل التغيرات التي سارع الجسم السياسي الفلسطيني إليها تعبيرا عن التزامه بأوسلو والحل التفاوضي المجحف بحقوقنا الفلسطينية، ما أدى إلى تكريس مفاعيل والتزامات أوسلو على مجمل الجسم السياسي الفلسطيني، وهو ما نعيش تداعياته حتى اللحظة.

في ظل كل ذلك سارع الجسم السياسي الفلسطيني إلى بناء علاقة ترابطية جديدة مع الشارع الفلسطيني، قوامها المصلحة الآنية الفردية والحاجة المعيشية واليومية، بل وتم تعزيزها في مرحلة ما بعد أبو عمار، حتى أصبح الجسم السياسي الفلسطيني بمثابة فرصة عمل ومصدر دخل العديد من الفلسطينيين الصامتين

على ممارساته، وهو المتحكم الأكبر شبه الوحيد في توزيع المنح الدراسية والمساعدات الإنسانية والصحية، فضلاً عن تقديمه تسهيلات إدارية بغرض دعم البطانة المحيطة به، وتسهيل حصولها على صفقات اقتصادية مضمونة الربحية، بعضها وربما جلها ذات ارتباط مشبوه مع الاقتصاد الصهيوني، فضلاً عن تكريس ودعم النفوذ العشائري المرتبط بها ومعها في مشروعها السياسي الحالي. الأمر الذي أدى إلى انفضاض جماهيري نسبي عن الجسم السياسي، تعود نسبيته إلى ارتباط جزء كبير من الفلسطينيين معيشيا وخدميا به، رغم فقدانهم الثقة به سياسيا. وعليه يخوض الشارع الفلسطيني اليوم تحديات استثنائية وصعبة جداً ومتشعبة، لا تقتصر على تحديه الاحتلال الصهيوني ومخططاته وممارساته اليومية، بل أيضا يخوض تحديا بنيويا وتنظيميا، يتمثل في حاجته إلى قوى تنظيمية وتمثيليه تعبر عنه وعن أهدافه وتطلعاته المشروعة في ظل وضع يربطه معيشيا وخدميا بهيكلية تنظيمية وسياسية فقدت الجزء الأكبر من شرعيتها الشعبية، إن لم نقل جلها.

المساهمون